تقرير أمريكي: الصين تهتم باستقرار المنطقة أكثر من اهتمامها ببقاء النظام الإيراني

الأحد 08/مارس/2026 - 01:33 م
طباعة تقرير أمريكي: الصين
 
في ظل الهجمات العسكرية المكثفة التي استهدفت العمق الإيراني، تتجه الأنظار نحو بكين لرصد حدود تحالفها مع طهران، ويقدم تقرير مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية (Foreign Policy)  بعنوان "On Iran, China Cares About the Region More Than the Regime" للباحث "آرون جلاسرمن" رؤية نقدية استراتيجية، تفكك السردية الرائجة حول وجود "محور فوضى" تقوده الصين لإنقاذ النظام الإيراني.
ويكشف التقرير أن المقاربة الصينية تجاه إيران ليست مبنية على تضامن أيديولوجي بقدر ما هي برجماتية مصلحية بحتة، حيث تضع بكين استقرار تدفقات الطاقة من دول الخليج والحفاظ على ممراتها التجارية نحو أوروبا فوق اعتبارات بقاء نظام الجمهورية الإسلامية. 
ومن خلال استقراء تاريخي لتعامل بكين مع سقوط أنظمة حليفة كما حدث في سوريا ومصر، يخلص التقرير إلى أن الصين "قوة عظمى غير متشابكة"، مستعدة للتكيف مع أي واقع سياسي جديد في طهران يضمن استمرارية مصالحها الاقتصادية والتكنولوجية.
ويلفت التقرير إلى أنه مع انخراط الولايات المتحدة في مغامرة عسكرية أخرى في الشرق الأوسط، يبرز تساؤل ملح في واشنطن: ماذا يعني الهجوم على إيران بالنسبة للصين؟ لقد بات من الشائع في الخطاب السياسي الأمريكي وصف الصين وإيران (إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية) كـ "محور للفوضى" أو "الاستبداد"، المتحد في تقويض القوة الأمريكية وإعادة تشكيل النظام الدولي. ورغم الاعتراضات التي ترى في ذلك تشويهاً للسياسة الخارجية الصينية، تذهب دوائر "صقورية" إلى اعتبار الحرب الحالية ليست مجرد هجوم على إيران، بل خطوة استراتيجية ضد الصين، معتبرين قرار بكين بعدم التدخل دليلاً على محدودية نفوذها.
سوء فهم للمصالح الصينية
يشير التقرير إلى أن الحجج القائلة بأن الصين ستخسر شريكاً حيوياً مناهضاً لأمريكا، أو أن ضبط النفس الصيني يعكس ضعفاً، تستند إلى سوء فهم جوهري لمصالح بكين في الشرق الأوسط واستراتيجيتها لتحقيقها. فالمشاركة الصينية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة كانت برجماتية إلى حد كبير، وتكذب فكرة وجود تحالف "مناهض لأمريكا" مع الجمهورية الإسلامية. فأولوية بكين ليست بقاء النظام الإيراني الحالي، بل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية ومصادر طاقتها وتفوقها التكنولوجي في أي نظام أمني إقليمي قد يتشكل بعد الصراع.
صحيح أن الصين وإيران حافظتا على شراكة متبادلة لسنوات، حيث تشتري الصين النفط الإيراني سراً بأسعار مخفضة (مستفيدة من مفارقة العقوبات الأمريكية)، وتعد الشريك التجاري الأكبر لإيران ومستثمراً رئيسياً فيها، فضلاً عن تقديم دعم دبلوماسي في مجلس الأمن ومساعدات أمنية محدودة. 
ومع ذلك، يرى التقرير أنه لا ينبغي المبالغة في الأهمية الاستراتيجية لهذه الشراكة؛ فإيران تحتاج الصين، لكن الصين لا تحتاج إيران بالقدر ذاته. في عام 2025، شكلت الصين 80% من صادرات النفط الإيرانية، لكن هذه الكمية لم تمثل سوى 13% فقط من إجمالي واردات الصين النفطية عبر البحار.

سياسة تنويع الموردين والحياد الحذر
وفقًا للتقرير يعد تجنب الاعتماد على مورد واحد حجر الزاوية في السياسة الخارجية الصينية. فحتى مع انهيار شبكة وكلاء إيران ونفوذها الإقليمي بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من سقوط لنظام الأسد في سوريا، قيدت الصين رد فعلها في إطار الانخراط الاقتصادي والتحركات الدبلوماسية المدروسة. كما أنها لم تتدخل عسكرياً عندما تعرضت إيران لهجمات مباشرة من إسرائيل في أكتوبر 2024، أو من إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو 2025.
ورغم أن الموجة الحالية من الضربات تضر بمصالح بكين، فمن المستبعد أن تدفعها للتدخل عسكرياً أو تقديم دعم حاسم لطهران. فبكين قد تتقبل "تغيير النظام" في طهران، أو تحولاً جذرياً في بنية الجمهورية الإسلامية، لأن شراكتها مع إيران متجذرة في الوصول إلى الموارد والأسواق، وليس في أيديولوجية طهران المناهضة لأمريكا.
المصالح الأوسع: الخليج وطرق التجارة
ويوضح التقرير أن علاقات الصين الأعمق والأكثر قيمة استراتيجياً هي مع السعودية والإمارات (وكلاهما شريكان أمنيان لأمريكا وخصمان لإيران)، مما يقوض مقولة أن سياسة بكين تهدف لدعم "محور فوضى" عالمي. إن 55% إلى 60% من واردات الصين النفطية تأتي من الشرق الأوسط (السعودية، الإمارات، الكويت، العراق)، وتمر معظمها عبر مضيق هرمز. كما أن المنطقة حيوية لتجارة الصين مع أوروبا؛ حيث كان يمر 60% من هذه التجارة عبر باب المندب قبل هجمات الحوثيين. لذا، فإن أولوية بكين هي الحفاظ على مصالحها في "المنطقة الواسعة" وليس ضمان بقاء نظام إيراني يعتمد عليها.
دروس من سوريا ومصر
يشير التقرير إلى أن الصين أثبتت قدرتها على التعامل مع حكومات من مختلف الأطياف الأيديولوجية، حتى تلك التي تأتي عبر العنف الثوري.
في سوريا: رغم دعمها للأسد، سارعت بكين لمحاولة التفاهم مع "هيئة تحرير الشام" بعد سقوط النظام في 2024، مستخدمة نفوذها الاقتصادي لضمان عدم دعم الحركة للانفصاليين "الإيغور".
في مصر: بعد الإطاحة بمبارك عام 2011، رحبت بكين بانتخاب محمد مرسي في 2012، ثم عادت بسرعة لترميم العلاقات مع نظام الرئيس السيسي بعد عام 2013.
متى قد ترد الصين؟
ويرى التقرير أن الخطر الأكبر بالنسبة لبكين ليس تغيير النظام في إيران، حتى لو أنتج حكومة موالية لأمريكا. الخطر الحقيقي الذي قد يدفع الصين للرد (وليس بالضرورة عسكرياً) هو وجود جهود "إقصائية" منظمة تهدف لطرد الصين من المنطقة تماماً، أو تقييد وصولها لنفط الخليج وصناعات الذكاء الاصطناعي الناشئة وطرق التجارة الحيوية. في هذه الحالة، قد تلجأ الصين لفرض قيود على صادرات "الأتربة النادرة" أو الصناعات الدوائية التي تسيطر على مفاصلها الحيوية بالنسبة لأمريكا.
الخلاصة طالما استطاعت بكين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية الجوهرية في نظام إقليمي "ما بعد الجمهورية الإسلامية"، فمن غير المرجح أن تتحمل المخاطر الجسيمة المطلوبة للتدخل المباشر في تشكيله.

شارك