لماذا لا ينقلب ولا ينقسم؟.. فاينانشال تايمز: الحرس الثوري يخرج من كل الحروب أقوى
الإثنين 09/مارس/2026 - 09:28 ص
طباعة
روبير الفارس
لم تُخفِ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أمنيتهما في أن يحدث انقلاب داخل الحرس الثوري الإيراني يقود إلى ظهور قيادة جديدة بشكل ونظام مختلفين. غير أن هذا لم يحدث حتى الآن.
ففي تقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز بعنوان "الحرس الثوري ينهض من جديد"، أشارت الصحيفة إلى مفارقة لافتة في المشهد الإيراني: فبرغم الضربات العسكرية القاسية التي تعرض لها الحرس الثوري خلال الحرب الأخيرة، ومقتل عدد من قادته البارزين، من بينهم القائد العام للحرس حسين سلامي، لم تظهر حتى الآن أي انقسامات داخل هذه المؤسسة العسكرية الأكثر نفوذًا في إيران، كما لم تبرز مؤشرات على تمرد أو انقلاب داخلي.
ويرجع هذا التماسك إلى مجموعة من العوامل البنيوية والأيديولوجية والسياسية التي تميز الحرس الثوري عن معظم الجيوش التقليدية في المنطقة.
عوامل قوة الحرس
أول هذه العوامل هو الطبيعة العقائدية للحرس الثوري. فقد تأسست هذه المؤسسة بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 لتكون حارسًا للنظام الثوري، وليس مجرد جيش للدولة. لذلك يرتبط وجودها بفكرة الدفاع عن نظام ولاية الفقيه وعن الجمهورية الإسلامية نفسها. وهذا الارتباط العقائدي يجعل ولاء الضباط للحرس وللنظام جزءًا من قناعات دينية وسياسية، وليس مجرد علاقة وظيفية كما هو الحال في كثير من الجيوش. ولهذا يرى كثير من قادة الحرس أن الدفاع عن النظام هو في الوقت نفسه دفاع عن الدين قبل الدولة الإيرانية.
العامل الثاني يتمثل في البنية المؤسسية المعقدة للحرس. فالحرس الثوري ليس وحدة عسكرية واحدة، بل شبكة ضخمة من الأجهزة تشمل القوات البرية والبحرية والجوية، إضافة إلى قوة القدس وأجهزة استخباراتية وأمنية، وميليشيا التعبئة الشعبية المعروفة باسم قوات الباسيج. هذا التشابك المؤسسي يجعل من الصعب حدوث انقسام سريع أو انقلاب داخلي، لأن كل جزء من المنظومة يراقب الآخر ويعتمد عليه في الوقت ذاته.
أما العامل الثالث فهو النفوذ الاقتصادي والسياسي الواسع للحرس. فخلال العقود الأربعة الماضية أصبح للحرس الثوري حضور قوي في قطاعات الاقتصاد الإيراني، من الطاقة إلى البناء والصناعات العسكرية. كما أن عددًا كبيرًا من كبار المسؤولين السياسيين في البلاد هم في الأصل من قدامى الحرس، مثل محمد باقر قاليباف وعلي لاريجاني. هذا التداخل بين النخبة العسكرية والنخبة السياسية يجعل مصالح الدولة والنظام والحرس متشابكة إلى حد كبير، ويقلل فرص حدوث صراع داخلي.
العامل الرابع هو تجربة الحرب الطويلة التي شكّلت هوية الحرس الثوري منذ بداياته. فقد خرج الحرس من حرب إيران والعراق (1980–1988) بوصفه مؤسسة صلبة بُنيت على تجربة القتال الطويل والخسائر البشرية الكبيرة. هذه التجربة التاريخية خلقت ثقافة تنظيمية قائمة على التضحية والانضباط والولاء الجماعي، وهو ما يظهر عادة في أوقات الأزمات الكبرى.
كذلك تلعب التهديدات الخارجية دورًا في تعزيز التماسك الداخلي. فالهجوم العسكري الخارجي غالبًا ما يدفع المؤسسات الأمنية إلى رص الصفوف بدل الانقسام. وفي الحالة الإيرانية، عززت الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل خطاب الدفاع عن الدين والوطن، وهو خطاب يستخدمه الحرس الثوري لتعزيز شرعيته أمام المجتمع وأمام عناصره.
وأخيرًا، هناك الطابع المؤسسي للنظام الإيراني نفسه. فعلى الرغم من النفوذ الكبير الذي كان يتمتع به المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، فإن النظام لا يقوم على شخص واحد فقط، بل على شبكة من المؤسسات مثل مجلس الأمن القومي ومجلس خبراء القيادة ومراكز القوة الأمنية والعسكرية. وقد صُمم هذا البناء المؤسسي منذ البداية ليضمن استمرارية النظام حتى في حال غياب القيادة العليا.
لذلك يرى كثير من المحللين أن غياب الانقسامات داخل الحرس الثوري ليس أمرًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لتركيبة هذه المؤسسة التي تجمع بين العقيدة الأيديولوجية والقوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي والسياسي. بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن الحرب قد تؤدي في النهاية إلى تعزيز نفوذ الحرس الثوري داخل الدولة الإيرانية، خاصة إذا خرج النظام من الصراع وهو ما يزال قائمًا.
وبذلك يمكن القول إن الحرس الثوري لا يعمل كجيش تقليدي يمكن أن ينقلب على السلطة، بل كجزء عضوي من النظام نفسه، الأمر الذي يجعل أي انقسام داخله بمثابة تهديد لوجوده هو أيضًا، وليس للنظام فقط.
