صمت الحوثيين في مواجهة التصعيد الإقليمي.. قراءة تحليلية للتقارير الغربية

الإثنين 09/مارس/2026 - 11:18 ص
طباعة صمت الحوثيين في مواجهة فاطمة عبدالغني
 
مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط على خلفية المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برزت تساؤلات متزايدة في الأوساط السياسية والإعلامية حول موقف جماعة الحوثي في اليمن، التي اعتادت خلال السنوات الماضية لعب دور عسكري نشط ضمن ما يُعرف بمحور إيران الإقليمي. وعلى الرغم من الخطاب السياسي الداعم لطهران، فإن الجماعة اكتفت حتى الآن بإصدار بيانات تضامن دون الانخراط عسكرياً في التصعيد الدائر، وهو ما دفع عدداً من مراكز الدراسات ووسائل الإعلام الغربية إلى تحليل أسباب هذا الصمت غير المعتاد.
في هذا السياق، أشار تقرير حديث صادر عن معهد الدراسات الأمنية الوطنية  (INSS)  إلى أن موقف الحوثيين الحالي يمكن تفسيره من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: أيديولوجية واستراتيجية وعملية. فوفق التقرير، لا يرتبط الحوثيون بعلاقة عقائدية عضوية بإيران على غرار بعض الجماعات الأخرى في المنطقة، إذ يستند خطابهم الأيديولوجي إلى تراث يمني محلي، ولا يوجد التزام دفاعي رسمي يلزمهم بالتدخل في أي مواجهة تتعرض لها طهران. 
وعلى المستوى الاستراتيجي، يرى التقرير أن الجماعة تتجنب استفزاز تحالف عسكري قوي يضم الولايات المتحدة وإسرائيل، مفضلة الاستفادة من فترات الهدوء لإعادة تنظيم قدراتها العسكرية وإعادة التسليح. 
أما عملياً، فيؤكد التقرير أن الحوثيين يواجهون أزمة اقتصادية حادة نتيجة الضربات العسكرية السابقة والعقوبات المفروضة عليهم، الأمر الذي يجعلهم أكثر حذراً من أي تصعيد قد يفاقم الاضطرابات الداخلية ويهدد سيطرتهم في مناطق نفوذهم.
وتتفق تقارير إعلامية أخرى مع هذا التفسير، حيث أشار تقرير نشرته الجزيرة إلى أن الخوف من الانتقام الإسرائيلي يشكل أحد أبرز العوامل التي تفسر حذر الحوثيين. ويستحضر التقرير الضربات التي تعرضت لها الجماعة في أغسطس 2025، والتي أسفرت عن مقتل قيادات حوثية بارزة، من بينهم رئيس الوزراء في حكومة الجماعة أحمد الرحوي. 
وبحسب خبراء نقل عنهم التقرير، من بينهم الباحث لوكا نيفولا، فإن الأولوية الحالية للحوثيين تتمثل في تجنب التعرض لضربات مباشرة جديدة، وهو ما يدفعهم إلى تبني موقف مراقب ينتظر تطورات الصراع. 
ويشير التقرير أيضاً إلى أن الجماعة قد تتدخل عسكرياً فقط في حال تعرضت لهجوم مباشر أو إذا طلبت إيران ذلك بشكل صريح، في حين تفضل طهران في الوقت الراهن الاحتفاظ بالحوثيين كورقة استراتيجية يمكن استخدامها لاحقاً، مع الحفاظ على قدر من استقلاليتهم الظاهرية.
بدوره، يسلط تقرير نشرته دويتشه فيله (DW) الضوء على البعد الداخلي للأزمة، مشيراً إلى أن اليمن يعيش وضعاً إنسانياً واقتصادياً بالغ الهشاشة بعد سنوات طويلة من الحرب. 
ويؤكد التقرير أن الجماعة، رغم دعمها اللفظي لإيران، تدرك أن الانخراط في حرب إقليمية واسعة قد يفرض عليها تكاليف باهظة في ظل واقع اقتصادي منهك يتسم بتدهور العملة وتفاقم أزمة الغذاء وانتشار المجاعة في مناطق مختلفة من البلاد.
 كما يحذر التقرير من أن أي تصعيد كبير قد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية أو انتفاضات شعبية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ومع ذلك، لا يستبعد التقرير إمكانية قيام الجماعة بخطوات محدودة مثل استهداف سفن أو قواعد أمريكية بهدف تشتيت الانتباه عن إيران، مع استمرار اعتمادها على تطوير قدراتها العسكرية محلياً وتجنب الدخول في مواجهة طويلة الأمد.
وفي السياق ذاته، أبرز تقرير نشره موقع "بهاسكار إنجليش " Bhaskar English أن الحوثيين يتجنبون الرد العسكري المباشر لتفادي حملة عسكرية واسعة قد تستهدف قياداتهم ومناطق سيطرتهم، خاصة بعد الخسائر التي تكبدوها في ضربات أغسطس 2025. 
ويرى التقرير أن الجماعة ما تزال تحتفظ بقدرات عسكرية يمكن استخدامها في أي لحظة، لكنها تفضل في الوقت الحالي اتباع سياسة الانتظار والترقب. كما يشير إلى أن الاستراتيجية الإيرانية قد تقوم على عدم استخدام جميع أدوات النفوذ دفعة واحدة، بل الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط محتملة يمكن توظيفها في مراحل لاحقة، سواء عبر اضطرابات في البحر الأحمر أو هجمات ضد إسرائيل إذا تطورت المواجهة الإقليمية.

من جانبه، يركز تقرير صادر عن مركز ستيمسون "Stimson" على المعضلة الاستراتيجية التي تواجهها الجماعة بين الولاء الأيديولوجي لإيران والحفاظ على بقائها السياسي والعسكري داخل اليمن. 
ويوضح التقرير أن الصمت الحالي قد يعكس عملية إعادة تموضع عسكري وإعادة نشر للأسلحة، إلى جانب محاولة تعزيز قدر من الاستقلالية في القرار العسكري. 
كما يشير إلى أن الرأي العام في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين يميل حالياً إلى تفضيل الاستقرار الداخلي على الانخراط في مغامرات عسكرية خارجية، ويضيف التقرير أن الجماعة شاركت في السابق في هجمات تضامنية مع حلفائها، لكنها تضع حالياً شروطاً للعودة إلى التصعيد، من بينها انهيار وقف إطلاق النار في غزة، إلى جانب القلق من ردود الفعل الأمريكية والإسرائيلية القاسية، فضلاً عن المخاوف من أن يؤدي ضعف إيران إلى تقليص إمدادات الدعم العسكري والمالي.
ويتقاطع هذا التحليل مع ما أورده تقرير نشره موقع  LiveMint، والذي اعتبر أن ما يحدث يعكس ما يمكن وصفه بـ"الصبر الاستراتيجي" لدى الحوثيين، إذ تسعى الجماعة إلى تجنب التورط المباشر في الصراع إلا إذا تعرضت لهجوم مباشر أو تلقت طلباً واضحاً من إيران للتدخل. 
ويشير التقرير إلى أن طهران قد تفضل بدورها عدم استخدام جميع أوراقها في وقت واحد، خصوصاً في ظل المخاطر المرتبطة بحملات جوية قد تستهدف قادة الحوثيين وبنيتهم العسكرية.

أما تقرير نشره موقع The New Arab فيقدم قراءة أوسع للمشهد، موضحاً أن الحوثيين يحاولون الموازنة بين الحفاظ على علاقتهم بإيران وبين حماية مكاسبهم السياسية والعسكرية داخل اليمن. 
ويشير التقرير إلى أن الجماعة ما تزال تعاني من ضغوط اقتصادية حادة تشمل أزمة الرواتب وتراجع مصادر التمويل بعد تصنيفها كمنظمة إرهابية، إضافة إلى مخاطر اندلاع احتجاجات داخلية في مناطق سيطرتها.
 وفي الوقت نفسه، قد تلجأ الجماعة إلى ردود محسوبة مثل استهداف سفن أو مواقع إسرائيلية إذا طلبت إيران ذلك، لكنها تتجنب توسيع نطاق المواجهة ليشمل دول الخليج، حفاظاً على الهدنة الهشة التي تعود إلى عام 2022. كما يحذر التقرير من أن أي تراجع كبير في قوة إيران قد يدفع الحوثيين مستقبلاً إلى تقديم تنازلات سياسية للسعودية للحفاظ على موقعهم في المعادلة اليمنية.
وفي ضوء هذه القراءات المتعددة، يبدو أن صمت الحوثيين في المرحلة الحالية لا يعكس حياداً بقدر ما يعكس حسابات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية. 
فالجماعة، التي اعتادت استخدام القوة العسكرية كأداة ضغط إقليمية، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف يفرض عليها إعادة تقييم خياراتها في ظل مخاطر التصعيد الإقليمي وتداعياته المحتملة على الداخل اليمني.

ويرى المراقبون أن موقف الحوثيين قد يتغير بسرعة إذا تطورت المواجهة الإقليمية إلى حرب أوسع أو إذا تعرضت إيران لضربة استراتيجية كبيرة، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الجماعة تفضل في الوقت الراهن استراتيجية "الانتظار الحذر"، محاولة الحفاظ على قدراتها العسكرية وتجنب فتح جبهة جديدة قد تكون كلفتها أكبر من مكاسبها.

شارك