ثروت الخرباوي في "بودكاست بالعربي" .. بين الجرأة الفكرية والاشتباك السياسي
الإثنين 09/مارس/2026 - 12:40 م
طباعة
حسام الحداد
في لحظة فارقة من السجال الفكري والسياسي الذي تشهده المنطقة، جاءت إطلالة الدكتور ثروت الخرباوي في برنامج "بودكاست بالعربي" (المذاع في 9 مارس 2026) لتضع النقاط على الحروف في قضايا كانت لوقت قريب تُعد من المسكوت عنه. لم تكن الحلقة مجرد لقاء عابر، بل كانت تجسيداً لمسيرة "انشقاق فكري" اكتملت ملامحها؛ حيث استغل الخرباوي خبرته الطويلة داخل أروقة جماعة الإخوان المسلمين ليقدم قراءة "من الداخل" تفكك البنية الأيديولوجية للتنظيم وتكشف عن آليات اشتغاله السياسية والدينية. تميز الحوار بلغة حادة واتجاه تصاعدي في كشف الملفات، مما حوّل الحلقة إلى وثيقة نقدية تواجه الموروث الفقهي الجامد من جهة، والواقع السياسي المتفجر في الإقليم من جهة أخرى، واضعاً المشاهد أمام تساؤلات وجودية حول علاقة النص الديني بالواقع المتغير.
اتسم حضور الخرباوي بـ "الجرأة التصادمية" التي لم تهادن المؤسسات التقليدية أو القوى السياسية الفاعلة؛ إذ عمد إلى الاشتباك المباشر مع ملفات شائكة تبدأ من نقد "الأصنام البشرية" في التراث الفقهي وصولاً إلى اتهامات "الخيانة السياسية" في الصراعات الإقليمية الكبرى. استطاع الخرباوي أن يربط بخيط رفيع بين "حروب الوعي" التي تستهدف الشخصية المصرية وبين "الاستلاب الديني" الذي تمارسه تيارات الإسلام السياسي، معتبراً أن تحرير العقل من "الكهنوت" هو الخطوة الأولى والضرورية لحماية الدولة الوطنية. هذه المقدمة الفكرية مهدت الطريق لنقاش لم يكتفِ بتوصيف الأزمات، بل سعى لهدم أسسها التقليدية، فاتحاً باباً واسعاً لجدل لا ينتهي حول حدود التأويل ومقتضيات الأمن القومي في ظل العواصف السياسية التي تضرب المنطقة.
الملف الديني.. هدم "الكهنوت" وفتح باب التأويل
يركز الخرباوي في طرحه على نسف مفهوم "رجال الدين" الذي يراه دخيلاً على الإسلام ومستنسخاً من النظم الكهنوتية، مؤكداً أن العلاقة بين العبد وربه في الإسلام مباشرة ولا تحتاج لوساطة مؤسسية تحتكر حق الفهم والشرح. وينطلق من هذا المبدأ ليعيد الاعتبار لـ "التفكر" كفريضة فردية واجبة على كل مسلم، منتقداً حالة الاستلاب الفكري التي تفرضها التيارات التقليدية عبر مقولات مثل "علقها في رقبة عالم واخرج منها سالم"، حيث يرى أن تقديس التراث البشري وتحويله إلى سياج مانع حول النص القرآني قد عطل العقل المسلم وحرمه من تدبر آيات الله بما يتناسب مع مستجدات العصر، مشدداً على أن النص القرآني "مطلق" بينما الفهم البشري "نسبي" ومتغير.
يقدم الخرباوي أطروحة لغوية وفلسفية تفرق بين صفتي "النبي" و"الرسول" في الخطاب القرآني؛ فبينما يمثل مقام الرسول الوحي الإلهي المطلق والمقدس الذي لا يأتيه الباطل، يمثل مقام النبي الجانب البشري والاجتهاد الدنيوي في تطبيق الرسالة، وهو ما يفسر ورود آيات العتاب الإلهي للنبي في مواقف حياتية معينة. ومن هذا المنطلق، يفتح النار على ما اعتبره "تقديساً زائداً" لكتب الحديث، وفي مقدمتها "صحيح البخاري"، مؤكداً أن هذه الكتب هي نتاج بشري ظني الثبوت لا يمكن مساواتها باليقين القرآني. وقد وصف بعض المرويات بـ "البشاعة" لكونها تصطدم مع العدل الإلهي والقيم القرآنية، كأحاديث تعذيب الميت ببكاء أهله، داعياً إلى عرض التراث على القرآن الكريم لتنقيته مما قد يسيء لمقام النبوة أو جوهر الدين.
فيما يخص قضية غطاء الرأس، يتبنى الخرباوي قراءة تأويلية مغايرة للسائد، تعتمد على التفكيك اللغوي للآيات المتعلقة بـ "الخمار" و"الجيوب". فهو يرى أن الأمر الإلهي "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" كان يستهدف تغطية فتحات الصدر (الجيوب) التي كانت تظهر من ملابس النساء في ذلك العصر، وليس بالضرورة غطاء الشعر. ويجادل بأن عدم ذكر "الرأس" صراحة في آية الحجاب، مقارنة بوضوح الأوامر في الصلاة والزكاة، يجعل المسألة تدخل في دائرة "الاحتمال والتأويل" لا "اليقين القطعي". وبناءً عليه، يخلص إلى أن فرضية غطاء الرأس بالشكل التقليدي المعاصر ليست "معلوماً من الدين بالضرورة" بنفس درجة أركان الإسلام، بل هي مساحة للاجتهاد الشخصي الذي لا يجوز فيه تكفير أو تبديع من تتبنى رؤية مغايرة.
الملف السياسي.. حماس وطوفان الأقصى تحت مجهر "المؤامرة"
يتبنى الخرباوي رؤية سياسية حادة ومنحازة لنظرية "التوظيف السياسي"، حيث يرى أن عملية السابع من أكتوبر لم تكن عملاً تحررياً بقدر ما كانت "خدمة مجانية" قُدمت لليمين الإسرائيلي المتطرف على طبق من ذهب. ويسترسل في تحليله بالعودة إلى جذور حركة حماس، مدعياً أنها نشأت في رحم التنسيق مع الحاكم العسكري الإسرائيلي في الثمانينيات بهدف إيجاد بديل "إسلامي" يفتت وحدة الصف الفلسطيني ويضعف منظمة التحرير (حركة فتح). ويرى الخرباوي أن بقاء حماس في السلطة كان مصلحة استراتيجية للاحتلال طوال سنوات، لإيجاد الذريعة الدائمة لضرب القطاع وعزل القضية الفلسطينية عن سياقها الوطني القومي.
يربط الخرباوي بين الأحداث الجارية وبين ما يصفه بـ "الوثائق التاريخية" والمخططات التي عُرضت على جماعة الإخوان المسلمين إبان فترة حكمهم في مصر. ويزعم أن هناك مشروعاً قديماً كان يهدف لتوطين أهالي غزة في سيناء مقابل إغراءات مالية ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات، وهو المشروع الذي يرى أن حماس كانت (وما زالت) مستعدة لتنفيذه كفرع من فروع الجماعة. ويحلل الخرباوي "طوفان الأقصى" بوصفه المحرك الفعلي لإعادة إحياء هذا المخطط عبر خلق واقع عسكري يدفع سكان القطاع نحو الحدود المصرية، معتبراً أن الاختباء في الأنفاق وترك الشعب لمواجهة الإبادة هو جزء من استراتيجية تهدف لتفريغ الأرض وتغيير ديموغرافيا المنطقة.
ينتقل الخرباوي من الشأن الفلسطيني ليؤكد أن "الهدية الكبرى" والمستهدف النهائي من كل هذه الاضطرابات هي مصر وليس غزة. ويحذر من أن ما سماه "حروب الجيل الرابع والخامس" تستهدف في المقام الأول تفتيت "الشخصية المصرية" وضرب الوعي القومي وإحباط الروح الوطنية عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويرى أن محاولات الضغط على الحدود الشرقية، وتشويه مؤسسات الدولة، وبث روح اليأس، كلها أدوات في معركة كبرى تهدف لإسقاط "العمود الفقري" للمنطقة العربية، مؤكداً أن صمود الموقف المصري الرسمي في رفض التهجير هو العثرة الوحيدة التي أفشلت هذا المخطط حتى الآن.
الشخصيات العامة.. أحكام قاطعة
اعتمد الخرباوي في تقييمه لـ عبد الله رشدي على تفكيك بنية الخطاب الدعوي المعاصر الذي يمزج بين السطحية والبحث عن "التريند". فلم يره كداعية يضيف للمنهج الإسلامي، بل صنفه كـ "واعظ" استطاع احتراف أدوات الشهرة للوصول إلى الجماهير. والأخطر في تحليل الخرباوي هو تأكيده على أن رشدي، رغم محاولته الظهور بمظهر المستقل، لا يزال يحمل في طياته منهج جماعة الإخوان المسلمين وتصوراتها الحركية للدين، معتبراً أن هذا النوع من الخطاب يساهم في تضليل الوعي الشعبي عبر تقديم قشور دينية تخدم أجندات فكرية منغلقة تحت ستار الغيرة على الثوابت.
قدم الخرباوي قراءة نقدية مركبة لظاهرة الشيخ محمد متولي الشعراوي، حيث فصل بوضوح بين ملكاته الأدبية واللغوية الفائقة وبين آرائه الفقهية. فبينما أبدى إعجاباً كبيراً بـ "كاريزما" الشعراوي وقدرته الفريدة على تقريب معاني القرآن للعامة بأسلوب لغوي رصين، إلا أنه وجه سهام نقده لجانب الفتوى لديه. ويرى الخرباوي أن الشعراوي وقع تحت أسر "ابن تيمية" والتراث المتشدد الذي يُدرّس في الأروقة التقليدية، مما انعكس على فتاوى مثيرة للجدل تتعلق بنقل الأعضاء أو قتل تارك الصلاة، معتبراً أن تلك الآراء تصطدم مع جوهر القرآن ولكنها سكنت عقل الشعراوي نتيجة لتقديس الموروث الفقهي على حساب التدبر الحر.
في مقابل نقده للتيارات التقليدية، أسبغ الخرباوي ثناءً كبيراً على الدكتور سعد الدين الهلالي، واضعاً إياه في خانة الفقهاء المجددين الذين يمتلكون شجاعة الخروج عن "السياق العام" والمريح داخل المؤسسة الدينية. ويرى الخرباوي أن منهج الهلالي في عرض الفقه المقارن وإعادة المسألة لاختيار الفرد وعقله هو المنهج الأقرب لروح الإسلام التي تحارب الكهنوت. واعتبر أن الهجوم الضاري الذي يتعرض له الهلالي من داخل المؤسسات التقليدية هو ضريبة طبيعية يدفعها كل من يحاول تحطيم قيود الجمود الفكري، مشيداً بصموده في طرح آراء جريئة حول قضايا الميراث والحجاب وغيرها مما ترفض التيارات المحافظة مناقشته.
خاتمة نقدية
الحلقة تمثل نموذجاً لـ "الفكر التصادمي"؛ فالخرباوي لا يسعى لتقديم حلول وسطى، بل يطرح قراءات قد يراها البعض "شاذة" عن المألوف والبعض الآخر "تنويرية". إلا أن تركيزه الشديد على ربط كل ما هو "إسلام سياسي" بالخيانة أو العمالة قد يضعف أحياناً من حيادية التحليل التاريخي لصالح الموقف السياسي الحالي.
