تحالف العمامة والبندقية: كيف صاغ الحرس الثوري صعود مجتبى خامنئي؟
الإثنين 09/مارس/2026 - 07:41 م
طباعة
علي رجب
في خضم الحرب التي تخوضها إيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة، شهدت الجمهورية الإسلامية واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية حساسية منذ قيامها عام 1979، فقد أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران رسميا تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا للبلاد خلفا لوالده علي خامنئي، الذي قتل في غارة جوية أمريكية إسرائيلية مشتركة في 28 فبراير 2026.
بهذا القرار يصبح مجتبى خامنئي المرشد الأعلى الثالث في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد مؤسسها روح الله الخميني ثم علي خامنئي الذي حكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود.
غير أن أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في انتقال السلطة، بل في طبيعة الشخصية التي وصلت إلى قمة الهرم السياسي والديني في إيران، وفي الظروف الاستثنائية التي رافقت هذا الانتقال، والتي قد تعيد تشكيل توازنات السلطة داخل النظام الإيراني نفسه.
انتقال السلطة في زمن الحرب
جاء تعيين مجتبى خامنئي في ظرف استثنائي غير مسبوق، فإيران لا تواجه فقط تحديات داخلية متراكمة، بل تخوض حربا مفتوحة تتداخل فيها حسابات عسكرية وسياسية معقدة مع استمرار سياسة النفس الطويل، ومحاولة جر الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف، في محاولة لجر واشنطن إلى طاولة المفاوضات تضمن بقاء الحرس الثوري كمنظمة حاكمة بشكل فعلي للبلد.
فالرجل الذي يبلغ من العمر نحو 56 عاما ظل بعيدا عن الواجهة الإعلامية والسياسية، لكنه نجح في بناء شبكة نفوذ معقدة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.
وقد أشارت تقارير غربية منذ نهاية التسعينيات إلى أن مجتبى لم يكن مجرد ابن المرشد، بل شخصية مؤثرة في عملية صنع القرار داخل النظام.
وفي عام 2019 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه ضمن حزمة إجراءات استهدفت مكتب المرشد الأعلى، معتبرة أنه يلعب دورا في التأثير على السياسات الأمنية والسياسية لإيران.
معضلة الشرعية الدينية
من أبرز التحديات التي تواجه المرشد الجديد مسألة الشرعية الدينية، فخامنئي الإبن يحمل رتبة حجة الإسلام، وهي رتبة دينية متوسطة في الحوزة الشيعية، بينما ينص الدستور الإيراني على أن يكون المرشد الأعلى مرجعا دينيا بارزا.
لكن هذه المعضلة ليست جديدة في تاريخ النظام الإيراني، فعندما تولى علي خامنئي المنصب بعد وفاة روح الله الخميني عام 1989، لم يكن أيضا مرجعا دينيا، وقد جرى حينها تعديل التفسير الدستوري للمنصب.
وبالتالي قد يلجأ النظام مرة أخرى إلى تعديلات قانونية أو تفسيرات فقهية تسمح بتثبيت شرعية المرشد الجديد.
الحرس الثوري… صانع المرشد الجديد
لا يمكن فهم صعود المرشد الثالث دون التوقف عند الدور المركزي الذي لعبه الحرس الثوري الإيراني في دعمه، فالعلاقة بين مجتبى الإبن والحرس الثوري تعود إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، عندما خدم في إحدى الوحدات القتالية المرتبطة بالحرس.
ومنذ ذلك الوقت، نسج علاقات وثيقة مع عدد من القيادات الأمنية والعسكرية التي صعدت لاحقا إلى مواقع النفوذ داخل المؤسسة.
ومن أبرز هذه الشخصيات المسؤول الاستخباراتي السابق حسين طائب، الذي يعد أحد أهم حلفائه داخل المؤسسة الأمنية.
ويرى كثير من المحللين أن دعم الحرس الثوري كان العامل الحاسم في وصول مجتبى الإبن إلى منصب المرشد الأعلى، خاصة في ظل الظروف العسكرية الاستثنائية التي تمر بها البلاد يرسخ لسلطة الجنرالات في طهران على حساب أي قوى دينية وسياسية أخرى بالبلاد.
تحول في ميزان القوة داخل النظام
خلال حكم علي خامنئي، كان الحرس الثوري مؤسسة قوية لكنها بقيت في نهاية المطاف خاضعة لسلطة المرشد الأعلى، أما في حالة مجتبى الإبن، فإن العلاقة تبدو مختلفة إلى حد كبير.
فالرجل ينظر إليه داخل النظام بوصفه شخصية متحالفة مع الحرس الثوري، بل إن بعض التحليلات ترى أنه في جوهره نتاج صعود هذه المؤسسة داخل النظام الإيراني.
وبالتالي فإن وصوله إلى السلطة قد يمثل تحولا في طبيعة العلاقة بين السلطة الدينية والمؤسسة العسكرية، بحيث يصبح الحرس الثوري اللاعب الأكثر نفوذا في تحديد اتجاهات السياسة الإيرانية.
وغالبا ما تعقد مقارنات بين صعود مجتبى إلى السلطة وبين وصول والده علي خامنئي إلى المنصب بعد وفاة روح الله الخميني، لكن هذه المقارنة تكشف اختلافات واضحة.
فعلي خامنئي كان شخصية سياسية بارزة في النظام؛ فقد شغل منصب رئيس الجمهورية وكان من قادة الثورة الإسلامية، كما حظي بدعم شخصيات نافذة مثل هاشمي رفسنجاني وأحمد الخميني.
أما مجتبى الإبن فلا يملك الخلفية السياسية نفسها، ولا يتمتع بدعم واسع داخل الحوزات العلمية، كما أن علاقاته مع التيار الإصلاحي تكاد تكون معدومة، لهذا يرى بعض المراقبين أن قدرته على تثبيت سلطته قد تواجه تحديات أكبر بكثير مما واجهه والده.
الإمبراطورية الاقتصادية الخفية
إلى جانب نفوذه السياسي، تشير تقارير عديدة إلى أن مجتبى الإبن يرتبط بشبكة اقتصادية واسعة تمتد عبر شركات ووسطاء في عدة دول.
وتشير بعض التقديرات إلى أن هذه الشبكة تضم عقارات واستثمارات في مدن مثل لندن ودبي وفرانكفورت وباريس.
ويرتبط بهذه الشبكة عدد من رجال الأعمال المقربين من الحرس الثوري، ومن بينهم رجل الأعمال الإيراني علي أنصاري.
ويمثل هذا التداخل بين السلطة السياسية والثروة الاقتصادية أحد أبرز أسباب السخط الشعبي داخل إيران، حيث يعاني الاقتصاد من تضخم مرتفع وعقوبات دولية قاسية.
وتقدر حجم الثورات التي يديرها خامنئي الإبن بـ 300 مليون دولار،والآن أصبح كل ثروات إيران تحت سلطته الروحية والسياسية والعسكرية مما يفتح يشير إلى دور الحرس في وضعه على كرسي السلطة في طهران.
الشارع الإيراني ومعضلة التوريث
يطرح وصول مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة النظام نفسه، فالجمهورية الإسلامية قامت على رفض الحكم الملكي الوراثي الذي حكم إيران قبل الثورة. ولذلك فإن انتقال السلطة من الأب إلى الابن قد ينظر إليه من قبل كثيرين باعتباره نوعا من التوريث السياسي.
وقد شهدت إيران خلال السنوات الماضية عدة موجات احتجاجية، أبرزها الحركة الخضراء عام 2009، إضافة إلى احتجاجات واسعة في 2022 و2026.
وكان اسم مجتبى خامنئي حاضرا في شعارات بعض هذه الاحتجاجات، حيث اتهمه معارضون بلعب دور رئيسي في قمع الحركة الخضراء.
السياسة الخارجية: الاستمرار لا التغيير
على الصعيد الخارجي، لا يتوقع كثير من المراقبين حدوث تغييرات جذرية في السياسة الخارجية الإيرانية، فمجتبى الإبن نشأ سياسيا داخل بيئة أمنية متشددة تؤمن بسياسة مواجهة الغرب وتعزيز النفوذ الإقليمي.
ومن المرجح أن تستمر إيران في دعم حلفائها الإقليميين وفي التمسك ببرنامجها النووي، رغم الضغوط الدولية المتزايدة، لكن التحدي الأكبر أمام القيادة الجديدة سيكون إدارة الحرب الحالية والضغوط الاقتصادية في آن واحد.
في النهاية، يمثل تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران الهروب إلى الأمام" لنظام يشعر بالتهديد الوجودي، ومحاولة لضمان البقاء عبر "عسكرة" منصب المرشد، لكنها في الوقت ذاته تخلق "أزمة شرعية" قد تكون المسمار الأخير في نعش النظام بصيغته الحالية.
إيران اليوم لا تواجه حربا خارجية فحسب، بل تواجه تصدعا في بنيتها العميقة، حيث يقف "المرشد الثالث" على أرضية مهتزة، محاطا بجنرالات الحرس الثوري وغضب شعبي يغلي تحت الرماد.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه كثير من المراقبين: هل يستطيع مجتبى خامنئي تثبيت سلطته كما فعل والده، أم أن صعوده يمثل بداية مرحلة جديدة من التحولات العميقة داخل النظام الإيراني؟
