حين تشتعل الحروب تُكسر الأقليات أولًا… مسيحيو الشرق الأوسط في قلب المأساة
الثلاثاء 10/مارس/2026 - 10:19 ص
طباعة
الأب بيار الراعي
روبير الفارس
أعرب البابا لاون الرابع عشر عن حزنه العميق إزاء جميع ضحايا القصف الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط في الأيام الأخيرة، ولا سيما «العديد من الأبرياء، ومن بينهم أطفال كُثُر، وكذلك الذين كانوا يقدّمون لهم المساعدة». وأشار بشكل خاص إلى الكاهن اللبناني الأب "بيار الراعي"، مؤكدًا أنّه «يتابع بقلق بالغ ما يجري، ويصلّي لكي تتوقّف الأعمال العدائية في أقرب وقت ممكن».
واستشهد الأب "بيار الراعي"، كاهن رعية القليعة في جنوب لبنان، متأثرًا بإصابته في قصف استهدف منزلًا في المنطقة. وكان الكاهن قد توجّه مع عدد من الشبان لإسعاف أحد أبناء الرعية المصابين إثر غارة، قبل أن يتعرّض المكان نفسه لقصف ثانٍ أدى إلى إصابته بجروح قاتلة. وقد نُقل إلى أحد مستشفيات المنطقة، لكنه فارق الحياة عند وصوله، عن نحو خمسين عامًا.
وكان مسيحيو جنوب لبنان قد قرروا البقاء في قراهم رغم إنذارات الإخلاء، محافظين على منازلهم وجذورهم التاريخية. ففي قرية رميش والقرى المجاورة، اختار السكان البقاء طالبين حماية الله. وقال الأب طوني إلياس، الكاهن الماروني في رميش:
«قررنا عدم مغادرة منازلنا، لأنه إذا غادرنا قرانا فقد لا نعود أبدًا».
وفي خطوة إنسانية مؤثرة، تستضيف هذه القرية الواقعة على بعد أقل من كيلومترين من الحدود حاليًا نحو 1350 عائلة مسيحية، إضافة إلى عائلات شيعية وسورية لجأت إليها من مناطق أخرى، لتكون مثالًا حيًا على التضامن بين مختلف المكونات اللبنانية في مواجهة أهوال الحرب.
ولا تقتصر معاناة المسيحيين على لبنان والأراضي المقدسة، بل تمتد أيضًا إلى إيران، حيث تعيش جماعات مسيحية تاريخية تعود جذورها إلى قرون طويلة، أبرزها الأرمن والآشوريون والكلدان. ويقدَّر عدد المسيحيين في إيران بنحو 250 إلى 300 ألف شخص معظمهم من أتباع الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية والكنيسة الآشورية.ومع تصاعد العمليات العسكرية والقصف في مناطق مختلفة من البلاد، يعيش كثير من هؤلاء المسيحيين حالة قلق وخوف من امتداد الحرب إلى المدن التي تضم كنائسهم ومؤسساتهم التعليمية والاجتماعية. كما تأثرت بعض الأبرشيات بانقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، ما يزيد من هشاشة وضع هذه الأقليات التي تجد نفسها عالقة بين صراعات سياسية وعسكرية لا دور لها فيها.
ويخشى قادة الكنائس في إيران أن تؤدي الحرب، إذا طال أمدها، إلى موجة هجرة جديدة تقلّص الوجود المسيحي التاريخي في البلاد، وهو وجود يعود إلى القرون الأولى للمسيحية.
وفي كل الأحوال، وخاصة في أزمنة الحروب، غالبًا ما تدفع المجتمعات المسيحية في الشرق ثمن الصراعات. هذا ما أكدته مؤسسة عون الكنيسة المتألّمة في بيان لها، أعربت فيه عن قلقها المتزايد على الحضور المسيحي في الشرق الأوسط مع تصاعد التوترات العسكرية.
وقدمت القاصة العراقية والناشطة في الخدمة الكنسية جورجينا بهنام حبابه قراءة لبيان المؤسسة، أشارت فيها إلى القلق البالغ إزاء التحديات الأمنية والإنسانية التي يفرضها تجدد العنف في الشرق الأوسط. وحذّرت من أن دوامة الصراعات قد تهدد المجتمعات المسيحية الهشة في المنطقة، بل وربما تؤدي إلى تراجع أو اختفاء الحضور المسيحي التاريخي إذا تجاوزت التحديات قدرتهم على الصمود.
وأوضحت ريجينا لينش، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة، أن الرغبة العميقة في استمرار الحضور التاريخي للمسيحيين في الشرق أمر بديهي. لكنها شددت على أن أي حرب جديدة سيكون ثمنها باهظًا، يدفعه المدنيون الأكثر تضررًا من النزاعات، خصوصًا المسيحيين الذين غالبًا ما يكونون ضمن الفئات الأضعف والأقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم.
وأضافت لينش أن القلق الأكبر يتركز حاليًا على الوضع في لبنان، حيث يتفاقم التحدي مع نزوح آلاف الأشخاص، وفق ما أفادت به فرق المؤسسة العاملة على الأرض.وقالت:
«يطمح اللبنانيون، حالهم حال جميع الشعوب، إلى السلام، ويأملون أن تتاح فرصة مساعدة بلدهم على التعافي من التحديات المتعددة التي يواجهها. لكنهم يجدون أنفسهم مرة بعد أخرى ضحايا الصراعات المتجددة».
أما في الأراضي المقدسة، فقد وصفت لينش الوضع الإنساني في غزة بأنه لا يزال كارثيًا، محذرة من أن أي تعويق إضافي لوصول المساعدات الإنسانية قد يضع الرعية الكاثوليكية الصامدة هناك، وآلاف المدنيين الذين يعتمدون على مساعداتها، في مواجهة خطر حقيقي يهدد بقاءهم.وفي الضفة الغربية، حيث تعتمد عائلات مسيحية عديدة على السياحة كمصدر رئيسي للدخل، يهدد تجدد عدم الاستقرار مصادر رزقهم، في وقت كانت هذه العائلات تأمل بانتعاش الموسم السياحي مع ازدياد أعداد الحجاج والزوار خلال موسم عيد القيامة.ومنذ عقود، دأبت مؤسسة «عون الكنيسة المتألّمة» على دعم المجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط عبر برامج إنسانية وتعليمية ورعوية. وأكدت لينش أن المؤسسة ستواصل عملها، داعية إلى الصلاةوالتضامن.وأضافت:
«على الرغم من الظروف الصعبة، تواصل الرعايا والجماعات الرهبانية خدمات توزيع الأغذية، وإدارة المدارس، وإيواء العائلات النازحة، والعمل على تعزيز المصالحة قدر المستطاع».ونوّهت لينش بقوة إيمان مسيحيي الشرق وصمودهم «على الرغم من معاناتهم الاضطهاد والتمييز على مدى ألفي عام». وأضافت: «صحيح أن كثيرين غادروا، لكن آخرين باقون. إيمانهم راسخ ومتقد، وحضورهم في هذه البلدان يشكّل بذرة إيمان رائعة وصلبة، بل وتحديًا لإيماننا نحن أيضًا»ووفق أحدث الإحصاءات الصادرة عن المؤسسة، شكّل التمويل المخصص للشرق الأوسط نحو 17.5% من إجمالي مساعداتها العالمية. وفي هذا السياق أكدت لينش أن استثمارات المؤسسة ليست في الأبنية والمشروعات فقط، بل في الإنسان قبل كل شيء، قائلة:
«الإنسان هو أولويتنا واستثمارنا الأهم»
وفي سياق متصل، دعا بطاركة الكنائس الكاثوليكية في لبنان المؤمنين وجميع أصحاب النيات الحسنة إلى دعم إخوتهم الصامدين في قراهم، واستقبال النازحين بروح المحبة المسيحية، مستشهدين بقول السيد المسيح:
«كنت غريبًا فآويتموني».
كما دعوا إلى المثابرة في الصلاة من أجل السلام في لبنان والشرق الأوسط، مطالبين القادة السياسيين باختيار طريق الحوار بدل الدمار، والسعي إلى الخير العام بدل مآسي الحروب.
وقالوا في ختام ندائهم:
«نضع لبنان ومنطقتنا والعالم أجمع في عهدة العناية الإلهية، سائلين الله أن يمنح عالمنا المضطرب سلامًا عادلاً ودائمًا، ويقود القلوب إلى المصالحة، ويثبّت خطوات شعبنا اللبناني في دروب الأخوّة والوئام بروح وطنية صادقة».
