بين تقلبات السياسة وطموحات التوسع: قراءة في رؤية عبد الحليم قنديل للمشهد الإقليمي

الثلاثاء 10/مارس/2026 - 11:21 ص
طباعة بين تقلبات السياسة حسام الحداد
 
يبدأ الشرق الأوسط اليوم حقبة هي الأكثر دقة وتعقيداً في تاريخه المعاصر، حيث تتداخل نيران التصعيد العسكري المباشر مع طموحات جيوسياسية تتجاوز الحدود الإقليمية لتشمل تحالفات دولية ومصالح استراتيجية كبرى. في خضم هذا المشهد الملبد بالتوترات، برزت حلقة برنامج "استوديو إكسترا" المذاعة مساء أمس الاثنين 9 مارس 2026،  التي استضافت الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل، كأداة تشريح فكرية تجاوزت السرد الخبري السطحي للأحداث. لم تكن الحلقة مجرد مساحة لاستعراض الوقائع المتسارعة بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى منصة نقدية تفكك الأساطير السياسية السائدة، وتضع الأحداث في سياقها التاريخي والاستراتيجي الأوسع، كاشفةً عن القوى الخفية التي تحرك خيوط هذا الصراع وتدير دفته.
إن هذه القراءة التحليلية تسعى إلى تتبع خيوط الرؤية التي قدمها قنديل، والتي ترتكز على نقدٍ جذري للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي القائم على "تديين" الصراع وتحويله إلى مواجهة وجودية. من خلال تسليط الضوء على وهم "استراتيجية قطع الرأس" في التعامل مع التركيبة المؤسساتية للنظام الإيراني، وفهم التوظيف الذكي لأوراق الضغط الاقتصادي كـ "مضيق هرمز"، يقدم هذا المقال تفكيكاً شاملاً لما يراه قنديل "حرباً كبرى" لا تُحسم في الميادين العسكرية وحدها. ومن هنا، تأتي هذه السطور لتلخص محاور تلك الرؤية، داعيةً القارئ إلى تجاوز سطح السياسة وفهم التناقضات العميقة التي تجعل من هذا التصعيد صراعاً وجودياً لا يقبل الحلول التقليدية السهلة.

تفكيك شخصية "ترامب" ورهانات "نتنياهو"
يبني عبد الحليم قنديل تحليله على فرضية جوهرية تُصور المشهد السياسي الأمريكي، بقيادة دونالد ترامب، كطرف يفتقر إلى البوصلة الاستراتيجية المستقلة، ليجد نفسه – رغم نفوذه كقائد لأقوى دولة في العالم – أسيرًا لخطط بنيامين نتنياهو. 
يشير قنديل إلى أن التحول الدراماتيكي في السياسة الأمريكية تجاه إيران لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لـ "اجتماع مصيري" مغلق جرى بين الرجلين؛ حيث نجح نتنياهو في هندسة الاستراتيجية الأمريكية لتصبح أداة تنفيذية طيعة في خدمة طموحات اليمين الإسرائيلي. 
وبموجب هذا التفاهم، تخلت الإدارة الأمريكية عن حساباتها الجيوسياسية التقليدية لصالح أجندة إسرائيلية تهدف إلى تغيير خرائط المنطقة جذرياً، مما جعل الترسانة العسكرية الأمريكية تبدو وكأنها تعمل وفق أهداف أمنية وجودية لدولة الاحتلال، لا علاقة لها بالمصالح القومية الأمريكية الكبرى.

إيران: هل يسقط النظام بالضربة القاضية؟
يبدأ عبد الحليم قنديل تحليله بتفكيك إحدى أكثر الركائز هشاشة في الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية، وهي ما تُعرف بـ "استراتيجية قطع الرأس" أو اغتيال القيادات العليا كوسيلة لإسقاط النظام. يجادل قنديل بأن هذا الرهان يعكس سوء فهم عميق لبنية النظام الإيراني، الذي لا يتمركز حول شخصية المرشد فحسب، بل يمتلك تركيبة مؤسساتية معقدة ومتشابكة؛ بدءاً من مجلس الخبراء، مروراً بالحرس الثوري، وصولاً إلى الأجهزة البيروقراطية والأمنية. ويؤكد أن انهيار هذا النظام لا يمكن أن يتحقق بمجرد غياب رأس الهرم، لأن الآليات الداخلية للنظام مصممة لضمان الاستمرارية وتجاوز الأزمات الفردية، مما يجعل خيار الاغتيال أو "تغيير النظام" عبر القوة العسكرية المباشرة مجرد وهم استراتيجي يتجاهل الواقع المؤسساتي للدولة الإيرانية.
وفيما يتعلق بملف الخلافة، يقرأ قنديل اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية ليس كخطوة دينية روتينية، بل كقرار ذي طابع سياسي استراتيجي بامتياز. يرى قنديل أن هذه الخطوة تمثل رسالة تحدٍ واضحة للضغوط الخارجية، ولا سيما التهديدات الأمريكية والإسرائيلية التي سعت للاستثمار في "فراغ السلطة" بعد رحيل المرشد السابق. إن هذا الاختيار في توقيت الأزمة يعكس رغبة النظام في توحيد صفوفه الداخلية وإرسال إشارة للخصوم بأن "هيكل السلطة" متماسك وقادر على تجديد دماء قيادته تحت ضغط النار، معتبراً أن إضفاء الطابع السياسي على هذا التعيين هو استراتيجية دفاعية تهدف لتحصين النظام من أي محاولات تغلغل خارجي.
أخيراً، يسلط التحليل الضوء على فجوة إدراكية جوهرية لدى صانع القرار في تل أبيب وواشنطن فيما يخص "عقيدة الصمود" والمجتمع الإيراني. يرفض قنديل بشكل قاطع السردية الغربية التي تراهن على أن الضغط العسكري المكثف سيؤدي بالضرورة إلى انفجار داخلي أو انتفاضة شعبية ضد النظام. على العكس من ذلك، يؤكد التحليل أن هذه الضغوط تؤدي غالباً إلى نتائج عكسية؛ حيث يعزز العدوان الخارجي من تماسك الجبهة الداخلية، ويدفع شرائح واسعة من الإيرانيين -حتى غير المؤيدين للنظام- إلى تبني مواقف أكثر تصلباً دفاعاً عن السيادة الوطنية في مواجهة التهديد الوجودي، مما يثبت أن الحسابات الخارجية التي تعول على "غضب الشارع" كأداة لإسقاط النظام تغفل العمق التاريخي والحضاري للهوية الإيرانية.

الاقتصاد كسلاح في "حرب استنزاف"
يتجاوز التحليل البعد العسكري للصراع ليضع الاقتصاد كمرتكز أساسي تشتبك فيه مصالح القوى الدولية، من الصين وروسيا إلى فرنسا. يرى قنديل أن إيران نجحت في تحويل "مضيق هرمز" – هذا الشريان الحيوي لأمن الطاقة العالمي – إلى ورقة ضغط استراتيجية بامتياز.  إن هذا التهديد لأمن الملاحة ورفع أسعار النفط ليس مجرد تصرف عشوائي، بل هو "سلاح استنزاف" ذكي يهدف إلى إقحام المجتمع الدولي في معادلة الصراع، حيث يدرك الجميع أن أي اضطراب في هذا الممر البحري يعني تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي، مما يضع القوى العظمى أمام حقيقة لا مفر منها: أن استمرار الحرب يعني تكلفة اقتصادية باهظة قد لا تتحملها الأسواق الدولية لفترة طويلة.
وفي موازاة ذلك، يوظف التحليل هذا الضغط الاقتصادي كأداة لاستهداف الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية. يُظهر قنديل هنا "العقلية التفاوضية" الإيرانية التي تدرك نقاط ضعف الخصم؛ فبدلاً من الاعتماد الكلي على المواجهة العسكرية، تحاول طهران استنزاف الرصيد السياسي للرئيس ترامب عبر دفع أسعار النفط نحو مستويات قياسية. هذا التكتيك يحول أزمة الطاقة إلى ضغط شعبي داخلي داخل أمريكا، مما يضع البيت الأبيض في مأزق حقيقي بين التزامه بالخيار العسكري وبين الضغوط الاقتصادية المباشرة التي قد تؤثر على الناخب الأمريكي. بهذا، تتحول الحرب من ساحات المعارك إلى "لعبة عض أصابع" طويلة الأمد، حيث تراهن إيران على أن القدرة على التحمل الاقتصادي ستسبق في النهاية القدرة على الحسم العسكري، مما يربك خطط واشنطن في شن حرب خاطفة ومحدودة.

خلاصة نقدية
تمثل هذه الحلقة "قراءة نافذة" للمأزق الاستراتيجي المتبادل الذي يجد الطرفان نفسيهما عالقين فيه؛ إذ يكشف التحليل عن فجوة هائلة بين الأهداف والواقع. فمن جهة، يبدو التحالف الأمريكي-الإسرائيلي أسيراً لتصورات مثالية وساذجة حول إمكانية "إسقاط النظام" بضربة قاضية، متجاهلاً التعقيدات الهيكلية والمؤسساتية العميقة التي يرتكز عليها النظام في إيران. وفي المقابل، تخوض إيران مواجهة وجودية لا تراهن فيها على التفوق العسكري المباشر فحسب، بل على استراتيجية "النفس الطويل"، معتمدة على قدرة النظام على امتصاص الصدمات، وعلى رهانها بأن التبعات الاقتصادية العالمية لهذه الحرب ستدفع المجتمع الدولي في نهاية المطاف إلى الضغط من أجل تهدئة الموقف.
وعلى الصعيد النقدي، يُحسب لهذه الحلقة أنها نجحت في تجاوز سقف التغطيات الإخبارية السطحية التي تكتفي بنقل تفاصيل المعارك اليومية، لتقدم بدلاً من ذلك تحليلاً بنيوياً يتسم بالجرأة في نقد الأداء الأمريكي، والواقعية الصارمة في تقييم موازين القوى الفعلية على الأرض. لقد قدم الحوار مرافعة سياسية تتحدى السرديات الجاهزة، وتضع المشاهد أمام حقيقة أن ما يجري ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو صراع إرادات محكوم بمتغيرات معقدة. ومع ذلك، يظل التساؤل الجوهري الذي تركت الحلقة بابه مفتوحاً هو: هل ستظل القوى الدولية قادرة على تحمل الفاتورة الاقتصادية والسياسية لهذا التصعيد، أم أن "نقطة اللاعودة" ستفرض واقعاً جديداً يجبر الأطراف المتقاتلة على التوقف قبل أن تخرج الأمور تماماً عن السيطرة؟
في نهاية المطاف، قدم الكاتب عبد الحليم قنديل إطاراً نظرياً لفهم ما يمكن تسميته بـ "الحرب الكبرى"، مؤكداً أن صراعات هذا العصر لم تعد تحسمها الطائرات أو القدرات التدميرية وحدها، بل تتشكل نتيجتها من تداخل معقد بين التحالفات الدولية، والأيديولوجيات المتصادمة، وحركة أسعار برميل النفط في الأسواق العالمية. لقد وضعت الحلقة المشاهد أمام صورة بانورامية تظهر أن الحرب في الشرق الأوسط ليست معزولة عن العالم، بل هي حلقة وصل في صراع عالمي أوسع، حيث الأرقام والسياسات لا تقل تأثيراً عن الرصاص والمدافع.

شارك