بين السياسة والمال.. النفوذ الاقتصادي الخفي لمرشد إيران الجديد

الثلاثاء 10/مارس/2026 - 01:41 م
طباعة بين السياسة والمال.. فاطمة محمد علي
 
مع تصاعد الجدل حول مستقبل القيادة في إيران بعد مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، عاد اسم نجله مجتبى خامنئي إلى واجهة النقاش الدولي، ليس فقط باعتباره الشخصية التي صعدت إلى قمة هرم السلطة في طهران، بل أيضاً بسبب التساؤلات المتزايدة حول ثروته الشخصية وشبكات النفوذ الاقتصادي المرتبطة به.
وفي تقرير تحليلي نشره موقع News18، وهو موقع إخباري دولي تابع لشبكة إعلامية هندية كبيرة، تم تسليط الضوء على ما يوصف بالإمبراطورية المالية غير المرئية المرتبطة بدائرة القيادة الإيرانية، والتي تمتد من عقارات فاخرة في أوروبا إلى شبكات اقتصاديه داخل إيران تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات.

صعود سياسي ونفوذ مالي

بحسب التقرير، أصبح مجتبى خامنئي المرشد الأعلى لإيران بعد أيام من اغتيال والده في غارة جوية مشتركة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في طهران. ويرى التقرير أن صعوده لم يكن نتيجة موقعه العائلي فحسب، بل أيضاً بسبب نفوذ سياسي ومالي وصف بأنه "خفي" تراكم خلال سنوات عمله داخل دوائر السلطة الإيرانية.

ورغم أن توليه منصب المرشد الأعلى لا يعني بالضرورة تغيراً فورياً في ثروته الشخصية، فإن النفوذ السياسي الذي ورثه عن والده يمنحه قدرة أكبر على التأثير في شبكات اقتصادية ضخمة كانت تخضع لسلطة المرشد السابق.

ما حجم ثروة مجتبى خامنئي؟

يشير التقرير إلى أن صافي ثروة مجتبى خامنئي غير معروف بدقة، لأن معظم الأصول المرتبطة به مسجلة عبر وسطاء أو شركات وهمية أو شبكات سياسية معقدة. ومع ذلك، فإن تقديرات متعددة تضع ثروته الشخصية في نطاق يتجاوز 3 مليارات دولار موزعة بين استثمارات وحسابات خارج إيران.
وتربط التحقيقات اسمه بشبكة استثمارات خارجية واسعة تشمل عقارات وممتلكات في أوروبا والشرق الأوسط. ووفق ما كشفته تقارير إعلامية دولية، يمتلك بشكل غير مباشر عقارات تزيد قيمتها على 100 مليون جنيه إسترليني في منطقة تعرف باسم “صف المليارديرات” في العاصمة البريطانية لندن.

عقارات واستثمارات خارجية

بحسب التقرير، تشمل الأصول المرتبطة بشبكة مجتبى خامنئي مجموعة متنوعة من الممتلكات والاستثمارات الدولية، من بينها:
عقارات سكنية فاخرة وقصور كبيرة في لندن مملوكة عبر شركات خارجية.
فيلات فاخرة في مدينة دبي داخل أحياء راقية.
عقارات تجارية وفنادق في دول أوروبية مثل ألمانيا وإسبانيا.
أصول مالية واستثمارات خارجية مسجلة عبر حسابات مصرفية وشركات متعددة الجنسيات.
ويشير التقرير إلى أن هذه الممتلكات لا تُسجل رسمياً باسم مجتبى خامنئي، بل غالباً ما تُنسب إلى شركات وهمية أو صناديق استئمانية أو أفراد يعملون كواجهات مالية، ما يجعل تعقب الملكية الفعلية أكثر تعقيداً.

عقوبات أمريكية وتدقيق دولي

يخضع مجتبى خامنئي منذ عام 2019 لعقوبات فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية، وذلك بسبب دوره في مكتب المرشد الأعلى وعلاقاته المزعومة بأجهزة الأمن الإيرانية.
ومنذ ذلك الحين، كثفت الجهات المعنية بتطبيق العقوبات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة جهودها لتعقب الأصول المرتبطة بدائرة القيادة الإيرانية، بما في ذلك البحث عن الملكية المستفيدة للشركات والأصول المالية المرتبطة بشبكات النفوذ الإيرانية حول العالم.

الميراث الاقتصادي لآية الله علي خامنئي

يوضح التقرير أن ثروة مجتبى خامنئي الشخصية منفصلة عن الإمبراطورية الاقتصادية الضخمة التي كانت تخضع لسلطة والده. وتشير تقديرات إلى أن علي خامنئي كان يشرف على شبكة أصول تقدر بنحو 95 مليار دولار من خلال مؤسسات اقتصادية ضخمة.
هذه الثروة لا تنتقل إليه كملكية شخصية مباشرة، لكنها تمنحه – بصفته المرشد الأعلى – سلطة التأثير والإشراف على مؤسسات اقتصادية رئيسية داخل إيران.

ستاد: التكتل الاقتصادي الخفي

يعد كيان هيئة تنفيذ أوامر الإمام الخميني المعروف باسم "ستاد" محور هذا النظام الاقتصادي. وقد تأسست هذه المؤسسة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي لإدارة الممتلكات المصادرة بعد الثورة الإيرانية، لكنها تحولت لاحقاً إلى شركة قابضة ضخمة.
وتشير التقديرات إلى أن أصول ستاد تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، حيث تعمل عبر مئات الشركات التابعة في قطاعات متعددة تشمل: الخدمات المصرفية والمالية، الاتصالات، الصناعات الدوائية، العقارات، الطاقة والبتروكيماويات
جدير بالذكر أن السيطرة على هذا التكتل تمنح المرشد الأعلى تأثيراً مباشراً على واحد من أهم المحركات الاقتصادية داخل إيران.

المؤسسات الدينية الاقتصادية

إلى جانب ستاد، يشير التقرير إلى شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية الدينية المعروفة باسم "البنياد".
هذه المؤسسات أنشئت بعد الثورة الإيرانية وتعمل خارج الرقابة الحكومية والضرائب.
ومن أبرزها مؤسسة المستضعفين التي تدير مئات الشركات وتمتلك مصانع ومناجم وفنادق ومزارع وتعمل في قطاعات متعددة مثل الغذاء والبناء. وتشير التقديرات إلى أن قيمة أصولها تتجاوز 10 مليارات دولار.
وبحكم موقعه الجديد، يمتلك مجتبى خامنئي سلطة تعيين القيادات والإشراف على هذه المؤسسات.

الاقتصاد المرتبط بالحرس الثوري

يرتبط جزء كبير من الاقتصاد الإيراني أيضاً بشبكات اقتصادية يديرها الحرس الثوري الإيراني.
ومن أبرز الشركات المرتبطة به شركة خاتم الأنبياء للإنشاءات التي تنفذ مشاريع ضخمة في مجالات النفط والغاز والبنية التحتية والاتصالات، وتصل قيمة عقودها إلى مليارات الدولارات.

وعلى الرغم من أن هذه الشركات لا تعود ملكيتها رسمياً للمرشد الأعلى، فإن قيادة الحرس الثوري تخضع له مباشرة، ما يمنحه نفوذاً كبيراً على تلك الشبكات الاقتصادية.

شبكة النفوذ والمحسوبية

يشير التقرير أيضاً إلى أن المرشد الأعلى يشرف على شبكة واسعة من المؤسسات الدينية والإعلامية والجمعيات الخيرية التي تتلقى تمويلاً من مصادر متعددة تشمل التبرعات الدينية والاستثمارات المرتبطة بالدولة.
وتسهم هذه الشبكة في توجيه الأموال لدعم رجال الدين والهيئات الدينية والنخب السياسية، ما يعزز منظومة الولاء داخل النظام الإيراني.
ويخلص تقرير موقع News18 إلى أن ثروة مجتبى خامنئي الشخصية قد تُقدّر بمئات الملايين أو عدة مليارات من الدولارات، لكن النفوذ الاقتصادي الحقيقي الذي يكتسبه بصفته المرشد الأعلى يتجاوز ذلك بكثير. فبفضل سلطته على مؤسسات مالية ودينية وشبكات اقتصادية واسعة، قد يمتد تأثيره على منظومة مالية تقدر قيمتها بعشرات بل وربما مئات المليارات من الدولارات داخل إيران وخارجها.
ووفقًا لتحليل التقرير، يجمع مجتبى خامنئي بين النفوذ السياسي المباشر والثروة الخفية الموجهة من خلال شبكة معقدة من المؤسسات والشركات، ويرى المراقبون أن القوة الاقتصادية التي يكتسبها من توليه منصب المرشد الأعلى تجعل من تحركاته السياسية والاقتصادية ذات أثر إقليمي وعالمي، خصوصاً في ظل الضغوط والعقوبات الغربية المستمرة على إيران. 
ويشير الخبراء إلى أن سيطرته على الأصول والشبكات المالية المتنوعة تعزز نفوذه الداخلي، بينما تبقي ثروته الشخصية وأصوله الخارجية تحت المراقبة الدولية، ما يعكس توازناً دقيقاً بين السرية الاقتصادية والسلطة السياسية في إيران الحديثة

شارك