4 عقول تدير حرب إيران.. من وراء مجتبى خامنئي؟ من يرسم ملامح الردع الإيراني الجديد؟

الثلاثاء 10/مارس/2026 - 09:57 م
طباعة 4 عقول تدير حرب إيران.. علي رجب
 
في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية على طهران، ومع بدء مجتبي خامنئي مهام منصبه كمرشد أعلي ثالث للجهمورية الاسلامية، بات واضحا ان هناك 4 عقول تدير حرب إيران أخطر حرب في تاريخ الجمهورية الإسلامية؟
وفي خضم ما تصفه طهران بـ"معركة الوجود" مع إسرائيل والولايات المتحدة، تبرز على السطح أربعة أسماء تمثل العقول الفعلية التي ترسم خطوط المواجهة وتدير آلة الحرب بكل تعقيداتها وأبعادها. 
هؤلاء الأربعة ليسوا مجرد مسؤولين يشغلون مناصب رفيعة، بل هم أصحاب رؤى استراتيجية متجذرة ومسارات نضالية طويلة داخل منظومة الحرس الثوري والدولة الإيرانية.
 إنهم الرجال الذين يجلسون خلف الستار ليقرروا متى تطلق الصواريخ، وكيف تتحرك أوراق الضغط الدبلوماسي، وأين تضرب الخيوط المالية التي تغذي الحرب.

المشهد قبل الرجال الأربعة: مجتبى خامنئي والميراث الثقيل
قبل الحديث عن الرجال الأربعة، لا بد من الوقوف عند الشخصية التي ستشكل الإطار الجديد للسلطة الإيرانية: مجتبى خامنئي ابن المرشد الأكبر الذي طالما حرص أبوه على إبعاده عن الأضواء، بات اليوم المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية وما يشكله المنصب من صنعة القرار دخل إيران.
 لكن مجتبى، مهما بلغت كاريزماه ومهما تعاظمت صلاحياته المستقبلية، سيحتاج إلى رجال يحملون معه أعباء الدولة في مرحلة شديدة الخطورة والتعقيد. وهنا يبرز دور الرجال الأربعة الذين لا يمثلون أدوات في يد المرشد الجديد بقدر ما يمثلون عقلا جماعيا لمنظومة صنع القرار في طهران.

العقل الأول: أحمد وحيدي.. الجنرال الذي تطاله يد العدالة الدولية
لا يمكن الحديث عن إدارة الحرب الإيرانية دون البدء بأحمد وحيدي، الرجل الذي يجمع في شخصيته كل التناقضات التي تميزه، فهو في الوقت ذاته رجل مطلوب دوليا بسبب تورطه في تفجير مركز يهودي بالأرجنتين عام 1994، ومسؤول رفيع يشغل منصبا قياديا في أعلى هياكل المؤسسة العسكرية الإيرانية.

وحيدي ليس جنرالا تقليديا يحرك الكتائب ويضع خطط المعارك التقليدية. بل هو صاحب عقلية استراتيجية أعمق من ذلك بكثير، إذ أمضى مسيرته داخل قوة القدس، ذراع الحرس الثوري المتخصصة في العمليات خارج الحدود، قبل أن يتدرج في المناصب ليصل إلى قمة الهرم العسكري الإيراني.
 خبرته في العمل مع الوكلاء الإقليميين، من حزب الله في لبنان إلى الفصائل في العراق وسوريا واليمن، تجعله المهندس الأمثل لما تسميه طهران "محور المقاومة".

في سياق الحرب الراهنة، يضطلع وحيدي بدور محوري في تنسيق الضربات العسكرية المتعددة الجبهات وضبط إيقاعها، فالمنطق الذي يعمل وفقه ليس منطق المواجهة العسكرية المباشرة مع القوى الكبرى، بل منطق الاستنزاف التدريجي عبر شبكة من الوكلاء الذين يوزعون أعباء المواجهة على جغرافيات متعددة وبتكلفة إيرانية محدودة نسبيا. 
هذه المعادلة التي صاغها وأتقنها، تمثل جوهر العقيدة العسكرية الإيرانية في مواجهة أعداء يتفوقون عليها بمراحل في الكم والكيف العسكري التقليدي.

العقل الثاني: علي لاريجاني.. الدبلوماسي الذي لا يؤمن بالدبلوماسية وحدها
إذا كان وحيدي يمثل القبضة العسكرية، فإن علي لاريجاني يمثل العقل السياسي الذي يؤطر هذه القبضة بلغة تقنع الحلفاء وتربك الأعداء. أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، وصاحب أحد أطول السجلات السياسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لاريجاني ليس مجرد منفذ للقرارات بل هو أحد صانعيها الرئيسيين.

ما يميز لاريجاني عن غيره من أقرانه في المنظومة الإيرانية هو قدرته الاستثنائية على الجمع بين الصرامة الأيديولوجية والبراغماتية الحسابية، فهو رجل يؤمن في أعماقه بمشروع الجمهورية الإسلامية الثوري، لكنه يدرك في الوقت ذاته أن البقاء والاستمرار يتطلبان قراءة دقيقة للتوازنات الدولية وإدارة ذكية لأوراق الضغط المتاحة. 
هذه المعادلة النادرة جعلته الرجل الذي تلجأ إليه إيران كلما أرادت توصيل رسائل تحمل في طياتها التهديد والانفتاح في آن واحد.

وفي سياق الحرب الراهنة، يضطلع لاريجاني بمهمة بالغة الحساسية: إدارة الشبكة الدبلوماسية الإيرانية مع موسكو وبكين وعواصم المحور، ضمانا لاستمرار تدفق الدعم السياسي وتحييد أي مسعى غربي لعزل طهران دوليا.
 كما يتولى رسم الخطوط الحمراء في مواجهة واشنطن وتل أبيب، وضبط التوقيت والسقف المناسب لكل تصعيد بما يخدم الأهداف الاستراتيجية دون استجلاب ردود فعل تتجاوز طاقة إيران على الاستيعاب.

العقل الثالث: محمد باقر قاليباف.. الجنرال المحول إلى سياسي
في مسيرته الممتدة بين عالمي الأمن والسياسة، يجسد محمد باقر قاليباف ذلك الجيل من قيادات الحرس الثوري الذي وجد في المؤسسات السياسية الرسمية امتدادا طبيعيا لعمله الأمني، لا تحولا جذريا في الهوية والرؤية. 
رئيس البرلمان الإيراني هذا بدأ مسيرته قائدا في الحرس الثوري ثم رئيسا لقوة الباسيج، قبل أن يصبح رئيسا لشرطة طهران ثم عمدة للعاصمة ثم في نهاية المطاف رئيسا للمجلس التشريعي الأعلى.

هذه الرحلة الطويلة لا تعني أن قاليباف تخلى عن جلده العسكري حين ارتدى البدلة السياسية. بل على العكس تماما، فالبرلمان في يده أداة من أدوات إدارة الحرب لا أقل ولا أكثر. 
فمن خلاله يحكم قبضة المنظومة الحاكمة على مقدرات الدولة، ويوفر الغطاء التشريعي للقرارات العسكرية والأمنية الكبرى، ويسيطر على الموازنة العامة التي تمول آلة الحرب بكل متطلباتها.

في المشهد الراهن، تكتسب رئاسة قاليباف للبرلمان أهمية مضاعفة. ففي ظل الحرب والعقوبات وتراجع الموارد الاقتصادية، تزداد أهمية السيطرة على توزيع الموارد الشحيحة وتحديد أولوياتها. 
قاليباف يضمن أن تذهب الأموال المتاحة أولا إلى حيث تقتضيه الأولويات الأمنية والعسكرية، حتى لو جاء ذلك على حساب الخدمات الاجتماعية وتطلعات الجمهور الإيراني المثقل بتبعات الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

العقل الرابع: علي شمخاني.. صاحب الذاكرة الأطول والأسرار الأعمق
يمثل علي شمخاني، أمين لجنة الدفاع العليا، النموذج الأكثر تكاملا لرجل الدولة الإيراني في زمن الحرب، فهو يحمل في رأسه أرشيفا استراتيجيا هائلا يمتد على مدى أربعة عقود من الحرب والسياسة وإدارة الأزمات، ويجمع بين خبرة الميدان العسكري وحنكة الملف الأمني ودقة التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.

شمخاني ليس رجلا يحب الأضواء. بل يعمل في صمت مدروس بعيدا عن ضجيج المشهد الإعلامي، مفضلا الغرف المغلقة حيث تصنع القرارات الحقيقية على خشبة مسرح التصريحات والمواقف العلنية، هذا الأسلوب بالذات هو ما جعله يصمد في قلب المنظومة الحاكمة عبر عهود ومراحل متعاقبة، محافظا على نفوذه وتأثيره بينما تتغير الوجوه من حوله.

في سياق إدارة الحرب، يضطلع شمخاني بالدور الأكثر تعقيدا وحساسية: التنسيق العميق بين مختلف أذرع المنظومة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية الإيرانية. فلجنة الدفاع العليا التي يديرها هي المنتدى الذي تلتقي فيه كل الخيوط وتوضع فيه الاستراتيجية الشاملة التي يفترض أن توجه قرارات وحيدي ولاريجاني وقاليباف وسائر أركان المنظومة. هو بمعنى ما المهندس الصامت للصورة الكبيرة التي يرى الآخرون كل منهم جزءا منها ويرى هو مجملها.

كيف يعملون معا؟
الفهم الحقيقي لهؤلاء الأربعة لا يأتي من دراستهم منفردين، بل من استيعاب الطريقة التي يعملون بها معا. فهم ليسوا أعضاء في لجنة تصويت تقرر بالأغلبية، ولا هم أدوات يحركها مرشد مطلق الصلاحية، بل هم دوائر متداخلة لكل منها نطاق تخصصه ومساحة قراره، وتتقاطع هذه الدوائر في النقاط الحرجة التي تستدعي توافقا جماعيا.

وحيدي يوفر الأداة العسكرية ويضمن استعدادها وكفاءتها، ولاريجاني يرسم السياق الدبلوماسي الذي يضفي شرعية ويوفر غطاء دوليا.

و قاليباف يؤمن الموارد ويحكم الجبهة الداخلية، وشمخاني ينسق الصورة الكبيرة ويحرص على تماسك المنظومة وتوجيهها نحو هدف استراتيجي واحد. هذا التوزيع الوظيفي الدقيق هو سر بقاء المنظومة وقدرتها على التكيف مع الضغوط المتصاعدة.

التحديات التي تواجه العقول الأربعة
لكن هؤلاء الأربعة يعملون في بيئة تشتد صعوبتها يوما بعد يوم. فإيران تخوض حربا متعددة الجبهات في ظل اقتصاد تآكلت موارده وتراجعت عملته وتفاقمت أزماته الاجتماعية، والضغط الشعبي الداخلي لا يختفي بفعل حالة الحرب بل يتحول أحيانا إلى وقود إضافي قابل للاشتعال في أي لحظة. 
والحلفاء الإقليميون، رغم استمرار دعمهم، لديهم أجنداتهم الخاصة وحساباتهم المستقلة، والمجتمع الدولي الذي يدير ظهره لطهران يضيق عليها الخناق يوما بعد يوم.

في هذا السياق البالغ التعقيد، تبرز قيمة هؤلاء الأربعة بوضوح: إنهم رجال اختبرتهم الأزمات وصقلتهم المواجهات الطويلة، ويحملون في داخلهم من الخبرة الاستراتيجية ما يؤهلهم لقيادة سفينة إيران في أخطر مراحل تاريخها.

مع مجتبى خامنئي.. ما الذي سيتغير؟
مع الانتقال إلى مرحلة مجتبى خامنئي، يطرح المراقبون سؤالا محوريا: هل سيتغير دور هؤلاء الأربعة أم سيتعزز؟ الإجابة المرجحة هي الثانية. فمرشد جديد يسعى إلى ترسيخ شرعيته وإثبات قدرته على إدارة الدولة سيحتاج إلى رجال تجمعهم بالمنظومة جذور عميقة وخبرة راسخة لا تمنح بمراسيم التعيين.

في نهاية المطاف، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: إيران في حالة حرب، والحروب لا تدار بالخطابات وحدها، وما يجري خلف أبواب الغرف المغلقة في طهران، في تلك الاجتماعات التي يحضرها وحيدي ولاريجاني وقاليباف وشمخاني، هو الذي سيقرر في نهاية المطاف شكل المنطقة ومآلاتها في السنوات المقبلة.

شارك