خريطة القوى الكردية في إيران: تحالفات جديدة في انتظار لحظة الانهيار

الأربعاء 11/مارس/2026 - 08:31 م
طباعة خريطة القوى الكردية علي رجب
 
في خضم المواجهة العسكرية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يرتسم مشهد جديد في إقليم كردستان الإيراني، حيث تتقاطع خيوط متعددة ومتشابكة تجمع بين تحركات الفصائل الكردية المسلحة ومساعي الاستثمار السياسي في لحظة الضعف الإيراني. 
والضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية تواصل استهداف منظومة الحرس الثوري الإيراني في قلب معاقله الكردستانية، في مشهد يوحي بأن المنطقة تقف على أعتاب تحولات عميقة قد تعيد رسم خارطة القوى فيها لسنوات مقبلة.
"بيجاك": مستعدون للقتال ولكن بشروطنا
كشف حزب الحياة الحرة في كردستان، المعروف بـ"بيجاك"، النقاب عن موقفه الصريح من المستجدات الإقليمية في مقابلة أجرتها معه قناة TV2، أعلن فيها عن استعداده التام لخوض المعركة ضد النظام الإيراني. 
وصدرت تصريحات لافتة عن فؤاد بيريتان، عضو المجلس القيادي في الحزب، الذي حرص على أن يضع النقاط على الحروف في ما يخص طبيعة العلاقة مع الأطراف الدولية المنخرطة في الصراع.

وأكد بيريتان أن الحزب أجرى اتصالات مع الجانب الأمريكي، موضحا بلهجة لا تخلو من الحزم أن أي قرار بالتحرك على الأرض الإيرانية يبقى شأنا كرديا خالصا تتخذه الحركة بمحض إرادتها واستنادا إلى تقديراتها الخاصة، بعيدا عن أي إملاءات أو توجيهات خارجية.

وفي تعليق يعكس قراءة واقعية لطبيعة الإدارة الأمريكية الحالية، لم يتردد بيريتان في الإشارة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمواقف ترامب، مضيفا هذا التأكيد على استقلالية قرار الحركة. 
وتحمل هذه التصريحات دلالة عميقة تكشف عن حرص قيادة "بيجاك" على صون استقلالية قرارها السياسي والعسكري، وعدم السماح لأحد باستخدام الحركة الكردية ورقة في لعبة مصالح دولية متشعبة لا تأخذ بالضرورة مصالح الشعب الكردي في الحسبان الأول.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح في الرابع من مارس بأن هجوما كرديا بريا سيكون أمرا "رائعا"، قبل أن يتراجع لاحقا مبديا قلقه من تعقيد الحرب وتعرض المقاتلين الأكراد للخسائر.

خريطة القوى: الأحزاب الكردية الإيرانية
شكلت ستة أحزاب كردية إيرانية معارضة مؤخرا ائتلافا يسمى "القوى السياسية لكردستان إيران"، يضم كلا من حزب حرية كردستان (PAK)، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، ومنظمة كردستان خبات، وكومالة الشعب الكردستاني العامل. وانضم إليه لاحقا حزب كومالة كردستان إيران بقيادة عبد الله مهتدي. وفيما يلي استعراض لأبرز هذه التنظيمات.

الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني: الأقدم والأعرق
يعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني أقدم منظمة سياسية في كردستان إيران، إذ تأسس في الخامس عشر من أغسطس عام 1945. لعب الحزب دورا محوريا في تأسيس "جمهورية كردستان" في مهاباد عام 1945، بقيادة القاضي محمد، قبل أن تقمع هذه التجربة وتنتهي بإعدامه في ساحة المدينة.

حمل الحزب في بداياته شعار "الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان"، ثم طوره لاحقا ليصبح "ضمان الحقوق الوطنية للشعب الكردي ضمن إطار إيراني ديمقراطي اتحادي". وقد اغتيل عدد من كبار قادته في أوروبا، في مقدمتهم الدكتور عبد الرحمن قاسملو خلال محادثات السلام مع مبعوثي الجمهورية الإسلامية في فيينا، ثم الدكتور صادق شرفكندي من بعده. ويتولى زعامة الحزب حاليا مصطفى هجري، الذي تشير التقارير إلى أن ترامب أجرى معه اتصالات مؤخرا.

كومالا: اليسار الكردي المتشعب
تعود جذور "كومالا" إلى خريف عام 1963، حين أسست مجموعة من الطلاب الأكراد في طهران منظمة سرية باتت تعرف فيما بعد بهذا الاسم. عملت سرا حتى انتهاء حكومة بهلوي، ثم انخرطت في التيار الماركسي مشكلة مع جماعات أخرى "الحزب الشيوعي الإيراني" عام 1983.

شهدت الحركة سلسلة من الانشقاقات أفضت إلى وجود ثلاثة فروع رئيسية نشطة حاليا: حزب كومالا الكردستاني الإيراني بقيادة عبد الله مهتدي، وكومالا الشعب الكردستاني العامل بقيادة رضا كعبي، وكومالا - منظمة كردستان التابعة للحزب الشيوعي الإيراني. وقد أعلن فرعان يعملان تحت اسم كومالا رسميا أنهما لن يدخلا الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، في حين لم يؤكد الفرعان الآخران موقفهما بعد.

حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK): الجناح الإيراني
أعلن حزب "بيجاك" عن وجوده في الرابع من أبريل 2004، وتأسست قواعده الرئيسية في الشريط الحدودي بين إيران والعراق وتركيا، ولا سيما في جبال قنديل وآسوس وبينجون. يؤكد الحزب ارتباطه الوثيق بالمجتمع الكردي في المجالات السياسية والاجتماعية والعسكرية، ويسعى إلى إقامة "كونفدرالية ديمقراطية" في إيران.

يقال إن الحزب يمثل الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني التركي، وهو ادعاء ينفيه الحزب، غير أن تأثير أفكار عبد الله أوجلان، الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني، واضح في أنشطته. وتصنف كل من إيران وتركيا والولايات المتحدة هذا الحزب منظمة إرهابية.

حزب حرية كردستان ومنظمة خبات: الأصغر والأكثر جذرية
تأسس حزب حرية كردستان (PAK) عام 2006 بقيادة حسين يزدان بناه، ويهدف صراحة وفق نظامه الأساسي إلى تحقيق استقلال كردستان. رغم كونه أصغر الأحزاب في الائتلاف، فإن معسكراته تعرضت لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية متكررة خلال السنوات الأخيرة.

أما منظمة خبات الكردستانية الإيرانية فقد تأسست عام 1970 على يد الشيخ جلال الدين حسيني، وتؤكد هذه المنظمة ذات التوجه الديني على حق الشعب الكردي في تقرير مصيره في إطار "الديمقراطية الدينية".

تحالف جديد في لحظة فارقة
أعلنت هذه الأحزاب الستة في الثاني والعشرين من فبراير عن تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران"، بهدف تنسيق جهودها في مواجهة النظام الإيراني. وجاء في بيانه التأسيسي أن أهدافه تتمثل في النضال من أجل إسقاط الجمهورية الإسلامية، وتحقيق حق الشعب الكردي في تقرير المصير في ما يعرف بـ"كردستان الشرقية" أو "روجهلات".

حظي التحالف باهتمام واسع منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية في الثامن والعشرين من فبراير، إذ أثارت التكهنات حول احتمال تورطه في العمليات البرية موجة من ردود الفعل. وسارعت حكومة إقليم كردستان العراق إلى النأي بنفسها عن التحالف الجديد، مؤكدة أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات على الدول المجاورة.

سؤال المليون: هل سيدخل الأكراد إيران؟
يرى كامران ماتين، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ساسكس البريطانية، أن أيا من الأحزاب الكردية لم يعلن حتى الآن أنه سيخوض صراعا مسلحا مع حكومة الجمهورية الإسلامية. ويفسر ذلك بأن هذه الأحزاب تدرك جيدا أن التدخل العسكري داخل كردستان يمثل مخاطرة كبيرة ما لم تضعف القوات العسكرية والأمنية الإيرانية بصورة جوهرية.

ويقول كامران ماتين، جامعة ساسكس"أما بخصوص دخولهم النهائي في هذه المرحلة أو توقيته، فإن فهمي أن الأطراف الكردية تدرك أنه طالما لم تنهار إيران، فإن التدخل العسكري يمثل مخاطرة كبيرة، ومن غير المرجح أن يقدموا عليه" 
ويشير ماتين إلى عامل آخر كثيرا ما يغفله المحللون، وهو موقف حكومة إقليم كردستان العراق التي تربطها علاقات دبلوماسية مع طهران. فالأحزاب الكردية الإيرانية تتمركز في مناطق خاضعة لسيطرة الإقليم، ومن ثم لا تستطيع التحرك دون موافقته. وهو ما لم يحدث بعد.

غير أن ماتين يلفت إلى أن الحسابات قد تتغير إذا ما استمرت الجمهورية الإسلامية في استهداف الأراضي الكردستانية العراقية. فقد شن الحرس الثوري هجمات على معاقل الأحزاب الكردية الإيرانية في الإقليم، وطالت الصواريخ حتى مطار أربيل، مما دفع مسعود بارزاني إلى توجيه تحذير علني بأن "ضبط النفس له حدود، وأن قوات البيشمركة لم تقبل قط القمع والتنمر من أي جهة".

ويخلص ماتين إلى أنه "يجب استيفاء عدة شروط حتى تتمكن الأحزاب الكردية من إرسال قوات عسكرية إلى كردستان الإيرانية أو تكون راغبة في ذلك"، مؤكدا أن المسألة أكثر تعقيدا مما تصوره وسائل الإعلام.

الأكراد الإيرانيون: سياق وأرقام
يشكل الأكراد نحو عشرة بالمئة من سكان إيران البالغ عددهم نحو 84 مليون نسمة، وغالبيتهم من المسلمين السنة، ويتركزون في المناطق الشمالية الغربية من البلاد. وقد وثقت منظمة العفو الدولية تعرضهم لتمييز متجذر وقمع ممنهج لحقوقهم الاجتماعية والسياسية والثقافية.

وخاضت جماعات كردية إيرانية معارضة في المنفى، تسعى إلى إقامة دولة مستقلة أو الحصول على حكم ذاتي إقليمي، اشتباكات مسلحة متقطعة مع قوات الأمن الإيرانية انطلاقا من قواعدها في إقليم كردستان العراق على مدار العقود الماضية.

يبقى مصير الحركة الكردية الإيرانية رهينا بتشابك معقد من المعادلات الإقليمية والدولية. فبين حزب يعلن استعداده للقتال "بشروطه الخاصة"، وآخر يحجم خشية استنزاف لا مكاسب منه، وحكومة إقليمية تزن مصالحها بدقة، وقوى دولية لا يمكن التنبؤ بمساراتها، تبقى المنطقة في حالة من الترقب المشحون الذي يجعل أي تحول واسع ممكنا — لكنه ليس مضمونا.

شارك