"أصحاب اليمين".. هل تشكل واجهة جديدة للحرس الثوري الإيراني في أوروبا؟

السبت 14/مارس/2026 - 07:32 م
طباعة أصحاب اليمين.. هل علي رجب
 
أصحاب اليمين.. هل
في تطور أمني خطير يلقي بظلاله على القارة العجوز، استيقظت أوروبا خلال شهر مارس 2026 على وقع سلسلة من الهجمات الممنهجة التي استهدفت معابد يهودية في ثلاث دول مختلفة. هذا التصعيد لم يكن مجرد حوادث معزولة، بل جاء مصحوبا بظهور مفاجئ لتنظيم غامض يطلق على نفسه اسم جماعة "أصحاب اليمين الإسلامية". 
هذا الظهور، بطبيعته وتوقيته وآلية الترويج له، يفتح ملفا شائكا حول تغلغل خلايا الحرس الثوري الإيراني في قلب أوروبا، واستخدام "جماعات الواجهة" لتنفيذ أجندات سياسية وعسكرية بعيدة المدى.

وكشف فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي عن ظهور جماعة "أصحاب اليمين" بعد إعلانها مسؤوليتها عن سلسلة هجمات استهدفت مؤسسات يهودية في أوروبا خلال أسبوع واحد، وسط تساؤلات متصاعدة حول طبيعة هذه الجماعة واحتمال ارتباطها بمحور الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران.

ثلاثة هجمات في أسبوع واحد: الوقائع والتسلسل الزمني
بدأت هجمات جماعة "أصحاب اليمين" فجر يوم الاثنين التاسع من مارس 2026، حين هز انفجار قوي كنيسا يهوديا في مدينة لييج البلجيكية، في حدود الساعة الرابعة صباحا بالتوقيت المحلي، والمدينة غافلة في النوم. 
ولم يمض يومان حتى وقع هجوم ثان في اليونان يوم الأربعاء، ثم جاء الهجوم الثالث يوم الجمعة في مدينة روتردام الهولندية، إذ أضرمت النيران عمدا في كنيس يهودي آخر.

ثلاثة هجمات، ثلاث دول، سبعة أيام والجامع بينها كله اسم واحد "أصحاب اليمين الإسلامية"، وعقب كل هجوم، بادرت الجماعة إلى إصدار بيان يتبنى العملية، مصحوبا بمقاطع فيديو التقطتها للهجوم.

في بيانها الأول عقب تفجير لييج، جاءت الرسالة شديدة اللهجة، مفتتحة بآية قرآنية تدعو إلى الجهاد، ثم واصل البيان نداءاته لما وصفهم بـ"مجاهدي الإسلام وفرسان الظلال". 
وختم البيان بعبارات تستدعي ذاكرة غزوات إسلامية كبرى:"بدر 1، بدر 2، الفتح 6، خيبر 14، هذه الرموز ليست عشوائية، فهي توظيف مقصود للتراث الإسلامي المبكر بما يضفي على الجماعة شرعية دينية وتاريخية أمام جمهورها المستهدف.

الشبكات الإيرانية في أوروبا: ما كشفته الوثائق السرية
كشفت وثائق سرية، نشرهاموقع "هشومريم" العبري أن شبكات إيرانية خططت لاستهداف شخصيات ومصالح إسرائيلية وأمريكية في دول أوروبا. 
وتعتمد هذه الشبكات على تجنيد عناصر من "العالم السفلي"، في إشارة إلى مجرمين محليين صغار وكبار، وعصابات، ومهربي مخدرات، وسجناء مفرج عنهم، وغيرهم، لاستهداف أفراد وشخصيات عامة ومنشآت إسرائيلية وأمريكية في القارة الأوروبية.

وبحسب الموقع الاستقصائي، تلى الكشف عن الوثائق إلقاء السلطات الفرنسية القبض على أعضاء "خلية إرهابية" محسوبة على إيران.

ولا يقتصر الأمر على استغلال إيران للمهاجرين المحبطين في دول أوروبا، بل يشمل التخطيط والتنفيذ لهجمات وجرائم قتل واسعة النطاق.
 
وكان من بين أهداف الخلية الإرهابية الفرنسية ثلاث شخصيات بارزة في الجالية اليهودية بألمانيا، بالإضافة إلى تلقي الخلية تكليفات من مشغلين إيرانيين لإضرام النار في منشآت بجنوبي فرنسا تابعة لشركات إسرائيلية. هذه التكليفات تكشف عن بنية تحتية تشغيلية راسخة تمتد عبر الحدود الأوروبية وتستهدف مصالح متعددة في آن واحد.
x.com/i/status/2032150700118114446
 
شعار يكشف ما تخفيه الأسماء
يظهر شعار الجماعة ذراعا مرفوعة تمسك ببندقية موجهة نحو اليمين، وخلفها صورة للكرة الأرضية. ويحمل هذا التصميم سمات مشابهة بشكل لافت لشعارات جماعات مسلحة مرتبطة بإيران، مثل كتائب حزب الله في العراق وحزب الله في لبنان والحرس الثوري الإيراني. هذا التشابه ليس مجرد مصادفة في عالم التنظيمات المسلحة، بل هو في الغالب انعكاس لانتماء مشترك أو توجيه مرجعي واحد في صياغة الهوية البصرية.

غير أن شعار "أصحاب اليمين" يتضمن سلاحا محددا هو بندقية دراغونوف السوفياتية نصف الآلية، وهي بندقية تحظى بشعبية لدى بعض الجماعات في الشرق الأوسط لكنها أقل انتشارا في أوروبا. في حين تستخدم الجماعات الأخرى في هذا المحور عادة نسخا رمزية من بنادق كلاشنيكوف. هذا الاختلاف الطفيف يوحي إما بتمايز جغرافي في أصل المجموعة، وإما أنه جاء قصدا لإضفاء قدر من الغموض وصعوبة نسب الهجمات إلى مصدر بعينه.

ما يلفت الانتباه بشدة أن "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" لم يسمع بها قبل هذا الأسبوع. لا وجود لها على منصة تيليجرام، ولا حسابات باسمها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعد استثناء لافتا في عالم التنظيمات الجهادية المعاصرة. إذ تحرص كل جماعة مسلحة تسعى إلى بناء حضور إيديولوجي على امتلاك قناتها الإلكترونية الخاصة فور إعلان وجودها، لضمان التواصل المباشر مع المتعاطفين وتوسيع دائرة التجنيد.

غياب هذه القناة المستقلة لم يعطل انتشار مقاطع الفيديو والبيانات؛ إذ ظهرت بسرعة لافتة على قنوات تيليجرام تابعة للمحور الشيعي المسلح، وتحديدا على قنوات مرتبطة بحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني. هذا المسار غير الاعتيادي في نشر المحتوى يطرح تساؤلات جوهرية: هل "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" مجرد واجهة لتنظيم أكبر؟ ومن يدير البنية التحتية الإعلامية التي توزع رسائلها؟
نمط إيراني راسخ: الواجهات والجماعات الوهمية
خبراء مكافحة الإرهاب يشيرون إلى أن ما يجري يتوافق بدقة مع نهج إيران الراسخ في توظيف جماعات وكيلة وواجهات وهمية لتنفيذ عمليات في الخارج مع الحفاظ على إمكانية الإنكار المعقول. هذا النهج يقوم على ثلاث ركائز أساسية إنشاء جماعة جديدة لا تاريخ لها قبيل العملية مباشرة، وتنفيذ الهجوم وتوزيع مقاطعه عبر شبكات إعلام المحور الموثوقة، واختفاء الجماعة أو تلاشيها بعد اكتمال المهمة.

المثال التاريخي الأكثر فداحة يبقى تفجير جمعية التبادل الإسرائيلي الأرجنتينية "أميا" في بوينس آيرس في يوليو 1994، الذي أودى بحياة 85 شخصا وأصاب أكثر من 300 آخرين.

وبعد ثلاثة عقود من التحقيقات المضنية، قضت محكمة أرجنتينية في عام 2024 بأن إيران هي من خططت للهجوم وأن حزب الله هو من نفذه — وهو ما أنكرت طهران أي صلة به على امتداد ثلاثين عاما.

يقول متخصصون في الشأن الإيراني إن طهران والحرس الثوري يمتلكان بنية تحتية واسعة في أوروبا وأمريكا اللاتينية تتجاوز ما هو معلوم للرأي العام، وإن إنشاء جماعات واجهة ومنظمات وهمية هو أحد الأدوات الراسخة في ترسانتهما لتنفيذ العمليات الخارجية مع طمس الأثر والهوية.

دلالة الاسم ورسالته الخفية
اسم "أصحاب اليمين" لا يعني "اليمين" بمعناه السياسي الغربي المعاصر، بل يحمل أبعادا دينية إسلامية عميقة. فاليمين في التراث الإسلامي يرمز إلى الصالحين والعادلين وأهل الحق، وهو مستوحى من آيات قرآنية متعددة. الاسم المختار يقرأ إذن على أنه "حركة أهل الحق" أو "جماعة الصالحين"، وهو توظيف دلالي يرسخ الإطار الديني للعمليات ويمنحها شرعية رمزية في خطاب المحور.

هذا النوع من التسمية ذات البعد الديني المرجعي ليس غريبا على خطاب المحور الإيراني وجماعاته الوكيلة؛ فأسماء مثل "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"الحشد الشعبي" كلها تستدعي مفردات الفقه الإسلامي والتاريخ الإسلامي المبكر. والأرجح أن اختيار هذا الاسم تحديدا جاء بعناية لإيحاء بعالمية الحركة وأحقيتها الدينية في استهداف ما تعده "أعداء الإسلام" في أوروبا.

أوروبا في مرمى الاستهداف: الأبعاد الأمنية
الخطورة الكبرى في ما جرى أن الهجمات الثلاثة جاءت في ثلاث دول أوروبية مختلفة — بلجيكا وهولندا واليونان — وخلال أسبوع واحد فقط. هذا التوزيع الجغرافي الواسع يشير إلى أن الشبكة المنفذة ليست محلية أو عشوائية، بل تمتلك قدرات لوجستية وتنسيقية عابرة للحدود تثير قلقا بالغا لدى الأجهزة الأمنية الأوروبية.

الأجهزة الأمنية الأوروبية باتت أمام تحد مركب: جماعة مجهولة الهوية، بلا بنية إعلامية مستقلة، تعمل في دول متعددة، وتوزع محتواها عبر شبكات محور إقليمي بعيدة جغرافيا عن مسرح العمليات. تشديد الحماية على المواقع اليهودية والمؤسسات الدينية في أوروبا أصبح مطلبا أمنيا ملحا، في ضوء ما كشفت عنه هذه الهجمات من قدرة على التخطيط والتنفيذ السريع والتنسيق عبر الحدود.

وتبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل ستشن هذه الجماعة مزيدا من الهجمات؟ ومن يمولها ويوجهها؟ وكيف تمكن منفذوها من العمل في قلب أوروبا بهذه السرعة والتنسيق؟ الإجابات لا تزال رهينة التحقيقات الجارية، لكن الخيوط المتاحة حتى الآن تتجه بثقة نحو المحور الشيعي المسلح، ومعه نحو يد إيران الطويلة التي طالما مدت ظلها عبر القارات.

الغياب التام لأي أثر رقمي مستقل للجماعة، مقرونا بظهور مقاطعها الفوري على منصات المحور الشيعي الموثقة، يشكل في حد ذاته دليلا إرشاديا يصعب تجاهله في أي تحليل استخباراتي جاد.

ما جرى في بلجيكا وهولندا واليونان ليس مجرد هجمات دينية عشوائية؛ بل هو — وفق المؤشرات المتاحة — عملية مدارة تحاكي النمط الإيراني المعتاد في توظيف الوكلاء وطمس المسؤولية. وحتى تثبت التحقيقات خلاف ذلك، يبقى هذا السيناريو هو الأكثر انسجاما مع مجمل الشواهد والقرائن المتاحة.

شارك