نفحات الدم: سيكولوجية التجنيد واستراتيجية الحرب الدائمة

الثلاثاء 24/مارس/2026 - 10:18 ص
طباعة نفحات الدم: سيكولوجية حسام الحداد
 
نفحات الدم: سيكولوجية
يُمثّل الخطاب الإعلامي لتنظيم "داعش" أحد أخطر أدواته في البقاء والانتشار، حيث لا يعمل فقط كجهاز دعائي، بل كمنظومة "هندسة اجتماعية ونفسية" قادرة على إعادة صياغة المفاهيم الدينية والقيمية لتخدم استراتيجيات العنف المسلح. وتأتي افتتاحية صحيفة "النبأ" (العدد 539) في 19 مارس 2026، لتؤكد استمرارية هذا النهج عبر توظيف "الموسمية الدينية" وتحويلها من سياق التراحم والسكينة إلى وقود لإشعال الجبهات وتوسيع رقعة الصراع الجغرافي. إن هذا النص يتجاوز كونه مجرد تعبئة عسكرية؛ إذ يغوص في أعماق البنية الوجدانية للمتلقي، مستهدفاً صهر الهوية الشخصية للمقاتل في هوية جماعية عابرة للحدود، ومستخدماً لغة تراثية متجذرة في الوعي الجمعي لإضفاء صبغة "القداسة المطلقة" على عمليات التخريب والإثخان في مختلف القارات.
من خلال منهجية "تحليل الخطاب" والاستراتيجية "البنيوية"، نكتشف أن النص يعتمد على تفكيك ثنائية (الزمن الروحي/ العمل المادي) لدمجهما في كيان واحد لا ينفصل، حيث يصبح القتل هو الوجه الآخر للصلاة، وتصبح الخريطة الجغرافية الممتدة من غرب إفريقيا إلى بلاد الشام مجرد ساحة اختبار لصدق العقيدة. إن الخطورة تكمن هنا في قدرة التنظيم على صياغة "واقع بديل" يلغي فيه التاريخ المعاصر وتعقيداته السياسية، ليحل محله سياق ملحمي أسطوري يرى في كل جندي "خلفاً للصحابة" وفي كل رصاصة "نفحة ربانية". هذا التحليل يسعى لتفكيك تلك الآليات اللغوية والنفسية، وكشف الكيفية التي يتم بها توظيف "المقدس" لشرعنة "الدم"، وتأثير ذلك على المشهد الأمني الإقليمي والدولي.
البنية اللغوية والدلالية
تتأسس الهيكلية الصلبة للنص على نظام "التقابل الضدي" الذي يسعى لإعادة صهر مفهومي الزمان والمكان في بوتقة أيديولوجية واحدة. فمن الناحية الزمانية، يستلغل الخطاب مفردة "النفحات" وما تحمله من إحالات روحية (رمضان، العشر الأواخر، ذي الحجة) ليخرجها من سياقها التعبدي المسالم إلى سياق "عسكري" صرف، رابطاً إياها بنيوياً بـ "الجبهات" كحيز مكاني مقدس. هذا التزاوج البنيوي يهدف إلى خلق "قدسية تبادلية"؛ حيث يكتسب القتال شرعيته من بركة الزمان، ويكتسب الزمان معناه "الأسمى" من خلال الدم المسال فيه. وبذلك، لا يعود الزمان مجرد وعاء للعبادة التقليدية، بل يتحول إلى "توقيت استراتيجي" لإثبات الولاء، مما يجعل الفرد في حالة استنفار وجداني دائم، يرى في خريطة "الولايات" المذكورة (من نيجيريا إلى دمشق) امتداداً جغرافياً لروحانية هذه المواسم، وهو ما يُعرف بنيوياً بـ "تسييس المقدس وتطويع الجغرافيا".
يعتمد النص في بنائه العميق على استراتيجية "الاستدعاء التراثي" لإعادة إنتاج مفاهيم تاريخية وصبغها بصبغة العنف المعاصر؛ فاستخدام ثنائية "الرهبنة والفروسية" (رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار) يمثل بنية لغوية بلاغية تهدف إلى شرعنة "الإرهاب" عبر تأطيره كحالة من الزهد والتعبد السامي، مما يلغي المسافة الأخلاقية بين "الصلاة" و"القتل". ويتعزز هذا من خلال ما يمكن تسميته بـ "الترادف الوظيفي الإجباري"، حيث يعمد الخطاب إلى دمج دالّ "الطاعة" بمدلول "الإثخان" (القتل المفرط والنكاية). في هذه البنية، لا تُعتبر الطاعة فعلاً مكتملاً إلا إذا اقترنت بالدم، وبذلك يتحول القتل من فعل مادي مدان إلى "ركن تعبدي" موازٍ للصيام والقيام. هذا الإحلال الدلالي يهدف إلى بناء عقلية ترى في "الانغماس في صفوف العدو" قمة "التعرض لنفحات الله"، مما يجعل العنف "ضرورة روحية" لا يمكن للمؤمن –وفق منظور النص– أن يحقق كمال إيمانه إلا بممارستها.

استراتيجيات الخطاب (آليات التأثير)
يعمد الخطاب إلى استخدام آلية "التجريد الزماني" عبر استراتيجية "الشرعنة بالتاريخ"، حيث يقوم بعملية إسقاط بنيوي متعمد يربط بين العمليات العسكرية المعاصرة وبين "غزوة بدر" والعصور الإسلامية الأولى. هذا الربط ليس مجرد استشهاد تاريخي، بل هو محاولة لـ "سرمدة الفعل" (أي جعله خارج نطاق الزمن المادي)؛ فالمقاتل في نيجيريا أو موزمبيق يُمنح "هوية عابرة للقرون"، تُخرجه من واقع الصراع السياسي المعاصر وتضعه في قلب ملحمة كونية بين الحق والباطل. من الناحية السيكولوجية، تعمل هذه الاستراتيجية على منح الفرد شعوراً بـ "الامتداد النبوي"، مما يحول الفعل المسلح من جريمة أو صراع سياسي إلى "واجب قدري" يستعيد أمجاد الماضي. وبذلك، يتم تجريد الواقع من تعقيداته المعاصرة، وتُختزل التاريخية في لحظة "الاشتباك" التي تصبح هي القنطرة الوحيدة للاتصال بسلف الأمة الأوائل.
تتجلى القوة الإقناعية في النص عبر استراتيجية "الشمولية القتالية" التي توظف جغرافيا الصراع (من الساحل الأفريقي وصولاً إلى الشام) كدليل بنيوي على "الديمومة والانتشار". هذا السرد يهدف إلى صناعة "جسد قتالي افتراضي" يتجاوز العوائق اللوجستية والحدود الدولية، مما يوحي للمتلقي بأن التنظيم يمتلك "إدارة مركزية عليا" قادرة على تحريك الجبهات بضربة رجل واحد، وهو ما يرفع الروح المعنوية للأتباع عبر إيهامهم بـ "السيادة الكونية". وتكتمل هذه الصورة باستراتيجية "التنميط والتقسيم الفسطاطي"، التي تعتمد على هندسة لغوية إقصائية تُصنف العالم إلى كتلتين متناحرتين: "جنود الخلافة" في مقابل "جيوش الكفر والطواغيت". هذه البنية الإقصائية الصارمة تلغي "المنطقة الرمادية" أو إمكانية التعايش، وتجعل من "الجهاد العيني" هو الاختبار الأوحد لإثبات صدق الإيمان؛ فإما التماهي التام مع مشروع التنظيم، أو السقوط في دائرة "الكفر"، وهي آلية تهدف إلى محاصرة الفرد نفسياً ودفعه نحو الراديكالية كخيار وجودي وحيد.

التوظيف الأيديولوجي للنصوص الدينية
يعتمد النص استراتيجية "الاجتزاء السياقي" عبر آلية الاستدلال الانتقائي بنصوص من الوحيين (الكتاب والسنة)، حيث يتم سحب أحاديث نبوية مثل "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه" و"الطائفة المنصورة" من سياقها التاريخي والتشريعي الواسع لتوضع في قالب حركي ضيق. هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى الاستشهاد، بل إلى صناعة "حقيقة دينية حصرية"؛ فمن خلال حصر مفهوم "الطائفة المنصورة" في نموذج التنظيم الحالي، يتم إقصاء سائر الأمة ووصمها بالنكوص. بنيوياً، يعمل هذا "الاقتباس الموجه" كأداة لشرعنة العنف عبر تحويله من قرار قيادي بشري إلى "قدر إلهي" محتوم، مما يمنح المقاتل شعوراً بالطمأنينة الزائفة، حيث يتم إقناعه بأن فوهة بندقيته هي الترجمة العملية الوحيدة لهذه النصوص المقدسة في العصر الحديث.
تتجاوز الوظيفة البنيوية للاقتباس في هذا الخطاب مجرد التبرير، لتصل إلى كونه "مصدّاً فكرياً" يحصن الفرد ضد المساءلة أو النقد الذاتي. فحين يستدعي النص حديث "الرجل في الحراسة أو الساقة"، فإنه يهدف إلى تذويب إرادة الفرد داخل الهيكل التنظيمي، محولاً "الطاعة العسكرية" إلى "عبادة دينية" لا يجوز التشكيك فيها. هذا التوظيف يحول النص الديني إلى "أداة ضبط لوجستية"؛ فقبول المقاتل بدوره، سواء كان انغماسياً أو في خطوط الإسناد، لم يعد مجرد تنفيذ للأوامر، بل هو استجابة لنداء نبوي (وفق تأويل التنظيم). وبذلك، ينجح الخطاب في تحويل "النص المقدس" إلى "ترس" في آلة الحرب، مما يعزز الانضباط العسكري الصارم عبر إطاره بقدسية دينية تجعل من التراجع أو الاعتراض خروجاً عن الملة، وليس مجرد مخالفة إدارية.

البعد النفسي والتحريضي
ينتقل النص في خاتمته من المستوى "الخبري التقريري"، الذي يستعرض الأمجاد والبطولات، إلى المستوى "الإنشائي الطلبي" المتمثل في صيغ الأمر المباشرة (فجدّدوا، ألهبوا، جِدّوا). هذا التحول البنيوي ليس مجرد تنويع بلاغي، بل هو استراتيجية نفسية تهدف إلى نقل المتلقي من حالة "الاستمتاع السلبي" بالقراءة أو التماهي العاطفي مع النص، إلى حالة "الاستعداد الحركي" للتنفيذ. من الناحية السيكولوجية، يعمل هذا الانتقال المفاجئ على حصر خيارات القارئ؛ فبعد أن تم شحنه عاطفياً برموز القداسة والتاريخ، يضعه الخطاب أمام "لحظة الحقيقة" التي لا تقبل التأجيل، محولاً النص من مجرد "افتتاحية صحفية" إلى "أمر عمليات" عسكري مغلف بصبغة دينية آمرة، مما يجعل الاستجابة لهذا الأمر اختباراً عملياً لصدق الإيمان الذي تم التأسيس له في مطلع النص.
يعمد الخطاب إلى توظيف "العاطفة الدينية المرتبطة بنهاية المواسم" (مثل انقضاء رمضان) كوقود لاستمرارية العمليات العسكرية، فيما يُمكن تسميته بـ "أدوات الضبط الوجداني". ففي الوقت الذي يشعر فيه المسلم الاعتيادي بالحزن لرحيل موسم الطاعة، يقوم التنظيم بإعادة تدوير هذا الشعور وتحويله إلى "قلق إيجابي" يدفع نحو "الاستقامة بعد رمضان" عبر "إلهاب الجبهات". بنيوياً، يتم إحلال "القتال" محل "الذكر والعبادة" كدليل على الثبات؛ فبدلاً من الانتقال إلى حياة المدنية والسكينة، يُدفع المقاتل نحو "موسم ذي الحجة" كهدف تالٍ، مما يخلق حالة من "الحرب الدائمة" التي لا تمنح الفرد فرصة للمراجعة أو التقاط الأنفاس. هذه الاستراتيجية تهدف لضمان بقاء "الشعلة متقدة" عبر ربط الاستقرار النفسي للمقاتل بمدى انخراطه في العنف، محولاً مفهوم "الاستقامة" من سلوك أخلاقي وتربوي إلى "نشاط حربي" مستمر لا يغلق أبوابه.

الآثار الإقليمية (إعادة رسم خرائط الصراع)
يسعى الخطاب عبر استراتيجية "تذويب الحدود السياسية" إلى ضرب مفهوم "الدولة الوطنية" في مقتل، وذلك من خلال الربط البنيوي المتعمد بين ساحات جغرافية متباعدة (من "نيجيريا" غرباً إلى "موزمبيق" جنوباً وصولاً إلى "دمشق" شرقاً). هذا الربط يهدف إلى نزع الصبغة "المحلية" عن الأزمات السياسية والاقتصادية في تلك المناطق، وإعادة صياغتها كجزء من "ملحمة كونية عابرة للحدود". الرسالة الموجهة للمجتمعات المحلية هنا تهدف إلى "تغريب الفرد عن وطنه"؛ بحيث لا يعود الصراع من أجل حقوق مدنية أو تنموية محلية، بل يصبح انخراطاً في "مشروع أممي" لا يعترف بالحدود الموروثة. هذه الآلية تمنح التنظيم مرونة عالية في نقل "ثقل الصراع" من إقليم إلى آخر، مما يشتت الجهود الدولية ويخلق حالة من الفوضى الإقليمية المستدامة التي تتغذى على إضعاف سيادة الدول وهوياتها الوطنية.
يؤدي التحريض المركز على "إشعال الجبهات" في مواسم دينية محددة إلى فرض حالة من "الاستنزاف الأمني الدائم" على دول الساحل وغرب إفريقيا والشرق الأوسط. هذا الاستنفار المكلف يضع الأنظمة الحاكمة في مأزق "المقايضة بين الأمن والتنمية"؛ حيث تضطر الدول لتوجيه ميزانياتها المحدودة نحو الآلة العسكرية والاستخباراتية، مما يؤدي إلى تدهور الخدمات الاجتماعية وتفشي الفقر، وهي البيئة المثالية التي يعيد فيها التنظيم تدوير المظلوميات لتجنيد أجيال جديدة. وعلاوة على ذلك، فإن استخدام مصطلحات مثل "التصيد" و"الانغماس" يمثل نداءً مباشراً لتفعيل "الخلايا النائمة" و"الذئاب المنفردة"، وهو ما ينقل الصراع من الجبهات العسكرية التقليدية إلى قلب المدن والعمق الاستراتيجي للدول العربية والأفريقية، مسبباً حالة من "الرعب الاجتماعي" وزعزعة الاستقرار الداخلي عبر "عمليات نكائية" يصعب التنبؤ بها أو احتواؤها أمنياً بشكل كامل.

الآثار الدولية (التحدي الأمني والسياسي)
يمثل هذا الخطاب، بتوقيته ولغته العابرة للأقاليم، إعلاناً صريحاً عن "فشل استراتيجيات الاحتواء الجغرافي" التي اعتمدها المجتمع الدولي؛ فبينما نجحت التحالفات الدولية في تقويض "الخلافة المكانية" وسحب بساط السيطرة الأرضية، يثبت النص أن "النواة الصلبة" للتنظيم لا تزال تمتلك "مركزية توجيهية" قادرة على فرض إيقاع عسكري موحد (غزوات رمضان) في قارات مختلفة في آن واحد. هذا التنسيق الزماني يرسل رسالة سياسية مفادها أن "الفكرة" قد تحررت من قيود "الجغرافيا"، وأن الهزيمة العسكرية في بقعة ما لا تعني بالضرورة انحسار الخطر. بنيوياً، يعمل هذا الخطاب كأداة لاستعراض القوة المعنوية أمام القوى الكبرى، مؤكداً أن التنظيم انتقل من "دولة الحدود" إلى "شبكة التأثير"، وهو تحول يربك منظومات مكافحة الإرهاب التقليدية التي تعتمد على تدمير القواعد المادية الثابتة.
من منظور المصالح الدولية، يحمل التركيز على مناطق مثل "موزمبيق" و"دول الساحل" دلالات استراتيجية خطيرة؛ فهذه المناطق تمثل خزان الطاقة والمعادن المستقبلي للعالم، واستهدافها يعني ضرب "عصب الأمن القومي الاقتصادي" للدول الكبرى. يسعى التنظيم من خلال إشعال هذه الجبهات إلى خلق "مناطق رمادية" تعيق الاستثمارات الدولية في الغاز والمعادن، مما يدفع القوى العالمية مرغمة نحو "التدخل العسكري" لحماية مصالحها. وهنا تكمن المصيدة الأيديولوجية؛ إذ يستغل التنظيم هذا التدخل لاحقاً لإعادة تدوير سردية "الغزو الصليبي الجديد"، محولاً الصراع من تأمين موارد اقتصادية إلى "حرب دينية" تمنحه شرعية إضافية للتجنيد والتحريض. وبذلك، تتحول الأطماع الاقتصادية الدولية إلى وقود مجاني لآلة الدعاية المتطرفة، مما يجعل الاستقرار العالمي رهينة لحلقة مفرغة من التدخل العسكري ورد الفعل الإرهابي.

أثر الخطاب على تنامي التطرف (سيكولوجية التجنيد)
يعمل الخطاب كـ "محرك عاطفي عالي التردد" يستهدف الثغرات النفسية لدى الشباب، خاصة أولئك الذين يعانون من "عقدة الذنب" أو الشعور بالتقصير الديني. من خلال ربط القتال بـ "نفحات الله" و"ليلة القدر"، يقدم النص ما يمكن تسميته بـ "المسار المختصر للخلاص"؛ حيث يتم إيهام الفرد بأن الانخراط في العنف هو الوسيلة الأسرع لتكفير الخطايا ونيل القداسة. هذه الآلية تسرّع من عملية الراديكالية (Fast-track Radicalization)، إذ تُحول "الإثخان" و"النكاية" من أفعال دموية منبوذة إلى "مصطلحات تعبدية" تمنح الفرد شعوراً زائفاً بالطهرانية. هذا "التطبيع الروحي للعنف" يزيل الحواجز الأخلاقية الفطرية لدى الإنسان، ويجعل المتطرف عصياً على أي مراجعة فكرية مستقبلاً؛ لأن التشكيك في مشروعية "القتل" يصبح في ذهنه تشكيكاً في "ذات المقدّس" الذي يتقرب به إلى الله.
يُقدم النص بنية اجتماعية متخيلة تمنح الأفراد الذين يعانون من "أزمات الهوية" أو التهميش المجتمعي شعوراً طاغياً بالاستعلاء والانتماء. فمن خلال مخاطبة القارئ بصفته جزءاً من "عصابة مؤمنة" أو "طائفة منصورة" تتحدى العالم أجمع، ينجح الخطاب في خلق "مجتمع بديل" يملأ الفراغ الوجودي لدى المستهدفين. هذه الآلية النفسية تحول الفرد من "نكرة" في مجتمعه المحلي إلى "ترس" في آلة كونية "منصورة بوعد إلهي"؛ مما يمنحه شعوراً بالقدرة والقوة والتميز الطبقي (الديني). إن هذا الارتباط الوجداني بكيان يوصف بأنه "لا يضره من خالفه" يمثل ترياقاً سيكولوجياً لمشاعر الهزيمة الشخصية، مما يجعل المقاتل يتمسك بالتنظيم ليس كخيار سياسي، بل كـ "مرساة هوية" وحيدة تحميه من التهميش وتمنح لحياته (وموتُه) معنىً أسطورياً يتجاوز حدود الواقع المرير.

الخاتمة
في الختام، يظهر تحليل افتتاحية "النبأ" أننا لسنا أمام خطاب عشوائي، بل أمام "استراتيجية سرمدية" تسعى لتأبيد حالة الحرب وعرقلة أي مساعٍ للاستقرار العالمي. إن نجاح التنظيم في الحفاظ على مركزية إعلامية توجه "الذئاب المنفردة" و"الخلايا العابرة للقارات" رغم انحساره الجغرافي، يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ يتجاوز المواجهة العسكرية الصرفة؛ فالصراع الحقيقي بات يدور في مساحات "المعنى" و"التأويل". إن مواجهة هذا الفكر تتطلب استراتيجية مضادة قادرة على فك الارتباط القسري الذي صنعه التنظيم بين "العبادة" و"العنف"، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية بوصفها الحاضن الوحيد للهوية، وإلا فإن "مواسم الخيرات" ستظل في نظر المتطرفين مجرد "مواسم للدماء"، تستمد بقاءها من التلاعب بمشاعر التهميش وأزمات الهوية لدى الشباب العالقين في صراع بين واقع مرير ووهم أسطوري مقدس.

شارك