اقتصاد الغنائم والأرض المحروقة: استراتيجية داعش الجديدة لاستنزاف الجيش النيجيري

الثلاثاء 24/مارس/2026 - 02:43 م
طباعة اقتصاد الغنائم والأرض حسام الحداد
 
في تصعيد ميداني يعكس تحولاً نوعياً في الاستراتيجية القتالية لتنظيم "الدولة الإسلامية - ولاية غرب أفريقيا" (ISWAP)، جاء الإصدار المرئي الأحدث الموثق في مارس 2026 ليكشف عن قدرة التنظيم على إدارة عمليات هجومية معقدة ومتزامنة في عمق ولاية "بورنو" النيجيرية. لم يكن هذا الإصدار مجرد وثيقة دعائية تقليدية، بل كان بمثابة استعراض عسكري متكامل يبرز التطور الفني في استخدام القوة النارية والتنسيق بين الوحدات الميدانية تحت ظروف جوية وزمنية صعبة، حيث استهدف التنظيم ثلاثة معسكرات استراتيجية للجيش النيجيري (بوراتي، جيلدري، ميل 4) في ليلة واحدة، مما يضع الترتيبات الأمنية الحكومية في المنطقة أمام اختبار حقيقي حول فاعلية منظومات الإنذار المبكر والقدرة على صد الهجمات الليلية الخاطفة.
تكمن خطورة هذا التحرك الأخير في كونه يتجاوز مفهوم "الكر والفر" التقليدي، لينتقل إلى مرحلة "الإنهاك والتفكيك" للمنظومة الدفاعية الحكومية في حوض بحيرة تشاد؛ فالمادة المرئية التي بثتها وكالة "أعماق" تركز بشكل مكثف على تكتيكات "الإغارة السريعة" وعمليات "الأرض المحروقة" داخل الثكنات، مما يبعث برسائل سياسية وعسكرية مزدوجة. فهي من جهة تسعى لزعزعة ثقة القوات النظامية بجدوى التحصينات الثابتة، ومن جهة أخرى تكرس صورة التنظيم كقوة قادرة على تجديد مواردها ذاتياً من خلال "اقتصاد الغنائم"، حيث تحولت الأسلحة والمركبات المستولى عليها إلى وقود لعمليات قادمة، مما ينذر بمرحلة أكثر عنفاً وتعقيداً في الصراع المستمر بشمال نيجيريا.

النطاق الجغرافي والأهداف
تمثل الهجمات الثلاثة التي وثقها الإصدار في ولاية "بورنو" شمال شرق نيجيريا، محاولة استراتيجية من تنظيم "ولاية غرب أفريقيا" لكسر الأطواق الأمنية حول المراكز الحيوية. في معسكر "بوراتي"، ركزت العملية على استعراض "القوة النارية" والاشتباك المباشر من مسافات قريبة، حيث أظهرت اللقطات استخداماً مكثفاً للرشاشات المتوسطة والقذائف الصاروخية لتحييد نقاط الحراسة، مما يشير إلى رغبة التنظيم في إثبات قدرته على اقتحام الثكنات الحصينة وتجاوز التحصينات الدفاعية للجيش النيجيري في وقت قياسي.
أما في موقع "جيلدري"، فقد تحول التركيز العملياتي إلى تكتيك "الإنهاك الاقتصادي واللوجستي"؛ حيث هيمنت مشاهد الحرائق الواسعة التي التهمت المباني الإدارية، وعربات الإمداد، والمخازن، في رسالة بصرية تهدف لإظهار السيطرة المطلقة على المكان بعد إخلائه. وبالانتقال إلى معسكر "ميل 4"، اكتسب الهجوم صبغة "دعائية معنوية"، حيث استغل العناصر تأمين الموقع ليلاً لإطلاق القنابل الضوئية في السماء التي أنارت ساحة المعركة، بالتزامن مع إلقاء أحد القادة الميدانيين كلمة حماسية وسط أزيز الرصاص، لربط الانتصارات العسكرية الميدانية بالخطاب الأيديولوجي للتنظيم، وتوثيق لحظة سقوط المعسكر بالكامل تحت قبضتهم.

التكتيكات العسكرية المستخدمة
اعتمد التنظيم في هجماته المتزامنة على تكتيك "الإغارة الليلية الخاطفة"، مستغلاً الفجوات الأمنية في المناطق النائية بولاية "بورنو" وضعف تجهيزات الرصد الليلي لدى الوحدات المرابطة هناك؛ حيث أظهرت المشاهد قدرة العناصر على التسلل المنسق تحت جنح الظلام والوصول إلى أسوار الثكنات قبل كشفهم، ما منحهم عامل المفاجأة لتحييد أبراج الحراسة فور بدء الاشتباك. ولم يقتصر الأمر على المشاة، بل تم إسناد القوات المقتحمة بنيران كثيفة من أسلحة متوسطة وثقيلة، شملت رشاشات مضادة للطائرات مثبتة على عربات دفع رباعي سريعة الحركة (Technicals)، وقواذف RPG-7 التي استُخدمت بدقة لتعطيل الآليات المدرعة داخل المعسكرات، مما شل حركة القوات المدافعة ومنعها من تنفيذ أي هجوم مضاد أو انسحاب منظم.
وفي المرحلة اللاحقة لاقتحام المواقع، طبق التنظيم استراتيجية "الأرض المحروقة" كأداة للإنهاك العسكري والدعاية البصرية في آن واحد؛ حيث تعمدت الوحدات الهندسية التابعة للمهاجمين إحراق كافة الأصول اللوجستية التي تعذر نقلها، بما في ذلك الشاحنات العسكرية، العربات المصفحة، والمباني الإدارية، فضلاً عن تدمير مخازن الوقود. تهدف هذه السياسة الممنهجة إلى ضمان خروج هذه القواعد عن الخدمة لفترات طويلة ومنع الجيش النيجيري من استرداد أي معدات صالحة للاستخدام، مع توظيف مشاهد النيران المتصاعدة في الإصدار المرئي كأداة "حرب نفسية" تهدف لإظهار هشاشة المقرات السيادية وعجز القوات النظامية عن حماية حصونها في وجه الزحف المسلح.

الغنائم والقدرات اللوجستية
كشف الإصدار المرئي عن حصيلة ضخمة من "الغنائم الحربية" التي تعكس حجم الانهيار الدفاعي في المواقع المستهدفة؛ حيث استعرض التنظيم كميات هائلة من الذخائر الحية المرتبة في أحزمة مخصصة للرشاشات المتوسطة من طراز (بي كي تي)، إلى جانب عشرات البنادق الآلية وصناديق الذخيرة المتنوعة التي تُعد شريان الحياة لعمليات المشاة. ولم تقتصر الغنائم على السلاح الفتاك فحسب، بل شملت معدات لوجستية وميدانية متكاملة، من بزات عسكرية وأحذية قتالية وأجهزة اتصال لاسلكي، مما يتيح لعناصر التنظيم إمكانية التمويه وارتداء زي القوات النظامية لتنفيذ عمليات اختراق مستقبلية، فضلاً عن تعزيز قدراتهم على القيادة والسيطرة الميدانية عبر الوسائل التقنية المستولى عليها.
أما على صعيد القدرة على الحركة (Mobility)، فقد وثق الفيديو الاستيلاء على ترسانة من المركبات شملت دراجات نارية سريعة تستخدم عادة في عمليات الاستطلاع والتسلل عبر الأدغال، بالإضافة إلى عربات دفع رباعي قتالية. وتبرز في هذا السياق العربة ذات الرقم الكودي "BCC 103"، التي ظهرت بحالة فنية ممتازة ومجهزة بمنصات إطلاق نيران، مما يمثل إضافة نوعية لأسطول التنظيم الميكانيكي. إن الاستيلاء على هذه الآليات لا يحرم الجيش النيجيري من موارد استراتيجية فحسب، بل يمنح التنظيم تفوقاً في سرعة الانتشار والمناورة، ويوفر له "مخزوناً متحركاً" من العتاد يقلل من اعتماده على خطوط الإمداد التقليدية، مما يجعل من كل هجوم ناجح منصة انطلاق لعمليات أكثر اتساعاً.

الرسائل الدعائية (البروباجندا)
وظّف التنظيم المشهد الوارد في الدقيقة (04:49) كذروة درامية لإصداره المرئي، حيث ظهر أحد العناصر يتحدث بلهجة محلية هجين ممزوجة بعبارات عربية فصحى، ليرسل برقية سياسية وعسكرية مفادها أن "دولة الإسلام مرت من هنا". تتجاوز هذه العبارة كونها مجرد شعار، لتصبح إعلاناً عن "السيادة المكانية" ولو لزمن مؤقت، حيث تعمد التنظيم تصوير هذا المتحدث وسط أنقاض المعسكر المحترق وأزيز الرصاص لتعزيز صورة "الفاتح" الذي لا يُقهر. تهدف هذه الدعاية الممنهجة إلى استقطاب مؤيدين جدد عبر إظهار "التمكين الميداني"، وفي المقابل، شن حرب نفسية شرسة تستهدف تفتيت الروح المعنوية لجنود القوات النظامية، من خلال إبراز هشاشة تحصيناتهم وسهولة استباحة مراكزهم السيادية في قلب ولاية "بورنو".
وعلى مستوى التخطيط الاستراتيجي لعام 2026، يسعى هذا الإصدار إلى تكريس صورة فرع "ولاية غرب أفريقيا" (ISWAP) كأحد أكثر أفرع التنظيم حيوية وفتكاً على الخارطة العالمية؛ فالكلمات الحماسية المرافقة للقنابل الضوئية التي أنارت سماء "ميل 4" لم تكن مجرد استعراض، بل هي "رسالة استمرارية" موجهة للقيادة المركزية وللمجتمع الدولي بأن الضغوط العسكرية لم تنجح في تحجيم قدراتهم. إن دمج الخطاب الأيديولوجي بصور الغنائم والحرائق يهدف إلى خلق انطباع بوجود "قوة صاعدة" تمتلك زمام المبادرة وتتحكم في إيقاع المعارك، مما يضعف الثقة الشعبية في قدرة الدولة على بسط الأمن، ويحول هذه الإصدارات إلى أدوات تجنيد عابرة للحدود تعتمد على "بريق الانتصارات" الميدانية الموثقة.

التحليل الأمني: تكتيكات "الإغارة المتزامنة" وتآكل الطوق الدفاعي 
يظهر الفيديو قدرة العناصر على التحرك والمناورة في ظلام دامس مع استخدام "القنابل التنويرية" ليس فقط للإضاءة، بل كأداة لإرباك المدافعين وتحديد الأهداف. هذا يشير إلى تدريب متقدم على التنسيق بين وحدات المشاة ووحدات الإسناد الناري في بيئة منخفضة الرؤية.
واستخدم التنظيم مزيجاً من المشاة المنغمسين، وعربات الدفع الرباعي المزودة برشاشات ثقيلة (Technicalals)، وقذائف RPG-7 لتعطيل الآليات المدرعة للجيش النيجيري منذ اللحظات الأولى للهجوم.
بالاضافة إلى نجاح التنظيم في دخول 3 معسكرات (بوراتي، جيلدري، ميل 4) وإحراقها بالكامل وتصوير الغنائم بوضوح، يعني أن القوات الحكومية اضطرت للانسحاب أو تم سحق خطوطها الدفاعية، مما منح المهاجمين "وقت الفراغ" الكافي للتخريب والتوثيق الإعلامي قبل وصول التعزيزات.
الثغرات الأمنية في الجانب الحكومي
الهجوم على 3 مواقع في ليلة واحدة يشير إلى غياب التنسيق الاستخباراتي والإنذار المبكر بين هذه النقاط العسكرية، مما سمح للتنظيم بالاستفراد بكل موقع على حدة.
كما يظهر في المقطع (00:27) سهولة اختراق السواتر الترابية والتحصينات التقليدية، مما يعكس حاجة الجيش النيجيري لإعادة تقنيات "الدفاع الثابت" وتحويلها إلى "دفاع متحرك" يعتمد على الدوريات المستمرة بدلاً من الثكنات المعزولة.
الغنائم المستولى عليها مثل العربة رقم BCC 103) ليست مجرد خسارة مادية، بل هي تعزيز مباشر لقدرة التنظيم على شن الهجمات القادمة باستخدام معدات الجيش نفسه، مما يسبب إرباكاً في التعرف على العدو من الصديق ميدانياً.

التداعيات الاستراتيجية على حوض بحيرة تشاد
تقع هذه المعسكرات في نقاط حيوية بولاية بورنو؛ السيطرة عليها أو تحييدها يعني قطع الطرق الواصلة بين القرى والمدن الكبرى، مما يعزل السكان المدنيين ويجبرهم على الخضوع لـ "نظام الجباية" الذي يفرضه التنظيم.
ويعتمد التنظيم استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تهدف إلى إنهاك الجيش النيجيري مالياً وبشرياً، مع التركيز على "إعادة التسلح" من خلال غنائم الجيش، مما يجعل الحرب "تمول نفسها بنفسها" بالنسبة للتنظيم.

خاتمة
خلاصة القول، إن ما كشف عنه الإصدار يمثل "جرس إنذار" أمني يؤكد أن تنظيم "ولاية غرب أفريقيا" قد نجح في تحويل ولاية بورنو إلى ساحة مفتوحة لعمليات الاستنزاف الممنهج، مستفيداً من الثغرات اللوجستية وضعف التنسيق الاستخباراتي بين المواقع العسكرية المنعزلة. إن استمرار التنظيم في اتباع تكتيك الهجمات المتزامنة والسيطرة على العتاد العسكري المتطور لا يهدد فقط الوجود الأمني للدولة في الشمال الشرقي، بل يمنح التنظيم فرصة ذهبية لفرض نظام إداري وجبائي بديل على المدنيين بعد عزلهم عن مراكز الدعم الحكومي. وبناءً عليه، فإن الضرورة الأمنية تقتضي الانتقال الفوري من استراتيجية "الدفاع الثابت" إلى "الهجوم الاستباقي" القائم على الرصد التقني الليلي وتكثيف الدوريات الجوية، لقطع الطريق أمام تحول هذه الغنائم إلى أدوات لتوسيع رقعة "الولاية" المزعومة في قلب القارة الأفريقية.

شارك