جنرال "القبضة الحديدية".. ماذا يعني تعيين محمد باقر ذو القدر أميناً للأمن القومي في إيران؟
الثلاثاء 24/مارس/2026 - 05:41 م
طباعة
علي رجب
أعلنت السلطات الإيرانية تعيين الجنرال محمد باقر ذو القدر، القائد العسكري والأمني المخضرم البالغ من العمر واحدا وسبعين عاما، أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفا لعلي لاريجاني، في خطوة تعد من أبرز التحولات في بنية منظومة القرار الأمني الإيراني خلال المرحلة الراهنة.
تفاصيل المرسوم الرئاسي
كشف نائب رئيس مكتب رئيس الجمهورية الإيرانية للشؤون الاتصالية والإعلامية، محمد مهدى طباطبائي في بيان رسمي أن تعيين ذو القدر في هذا المنصب الرفيع تم بناء على رأي وموافقة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية مجتبى خامنئي، وبموجب مرسوم صادر عن الرئيس مسعود بزشكيان.
وأكد البيان أن تعيين ذو القدر يأتي في سياق إعادة هيكلة بعض أجهزة صنع القرار الأمني والاستراتيجي في البلاد، وهو ما يشير إلى أن ثمة توجها مقصودا نحو إعادة ضبط البوصلة الأمنية الإيرانية في مرحلة دقيقة تشهد تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
ويعد المجلس الأعلى للأمن القومي الهيئة العليا المسؤولة عن رسم الاستراتيجيات الأمنية والدفاعية وتوجيه السياسة الخارجية في الملفات الحساسة، ويترأسه الرئيس بحكم منصبه، فيما يتولى الأمين الإدارة التنفيذية اليومية والتنسيق الدقيق بين الأجهزة العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية.
وقد حرص مهدي طباطبائي في إعلانه على ذكر دور المرشد قبل الحديث عن المرسوم الرئاسي، في إيماءة دالة على التراتبية الفعلية للسلطة في المنظومة الإيرانية.
من هو محمد باقر ذو القدر؟
ولد محمد باقر ذو القدر عام 1955 في مدينة فسا التابعة لمحافظة فارس، انخرط في الأنشطة الدينية والسياسية قبل الثورة الإسلامية منذ مطلع مراهقته، وخلال ثورة 1979 انضم إلى الجماعات الثورية وقاتل ضد النظام الإمبراطوري.
وقبل أن تشتعل نيران الثورة، أتم دراسته الجامعية وحصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من كلية الاقتصاد بجامعة طهران، ثم أضاف إليها ماجستيرا في الإدارة العامة من الجامعة ذاتها، قبل أن يتوج مسيرته الأكاديمية بدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من جامعة الدفاع الوطني.
بعد انتصار الثورة، بدأ ذو القدر نشاطه في لجان الثورة الإسلامية، ثم التحق بالحرس الثوري الإسلامي، وخلال الحرب العراقية الإيرانية، تولى مسؤولية تدريب الحرس وقيادة عمليات القتال غير النظامي.
وعقب انتهاء الحرب، شغل ذو القدر منصب رئيس الأركان المشتركة للحرس الثوري لمدة ثماني سنوات إبان رئاسة هاشمي رفسنجاني، ثم غدا نائبا للقائد العام للحرس لثماني سنوات أخرى.
كما اضطلع بمنصب نائب علي لاريجاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، مما يجعله وارثا طبيعيا للمنصب بامتياز.
وتربط ذو القدر صلات عائلية بالدبلوماسية الإيرانية؛ إذ يذكر كاظم غريب آبادي، المندوب الدائم السابق لإيران لدى مكتب الأمم المتحدة في فيينا وممثلها لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كصهر له.
وزوجته صديقة بيجوم حجازي تشغل منصب المديرة العامة لمكتب شؤون المرأة والأسرة في منظمة الثقافة والاتصالات الإسلامية.
مسيرة حافلة بالمناصب والمحطات
شهدت مسيرة ذو القدر تنقلات واسعة في دهاليز السلطة الإيرانية. ففي عام 2005، عين نائبا لوزير الداخلية ونائبا لوزير الأمن وإنفاذ القانون في حكومة محمود أحمدي نجاد، لكنه أقيل من المنصب في ديسمبر 2007 في ملابسات لافتة، إذ أشارت تقارير إلى أن سبب إقالته يتعلق بتقديمه تحليلا أمنيا يختلف عن التوجه الرسمي للحكومة بشأن التعامل مع احتمالات الضغوط الخارجية.
وقد مثل رفض ذو القدر حضور حفل وداعه الرسمي رسالة ضمنية واضحة بأنه أبعد قسرا لا طوعا، ورغم هذه العثرة، واصل ذو القادر حضوره المؤسسي؛ إذ شغل لاحقا منصب نائب رئيس قسم الاستراتيجية في السلطة القضائية بين عامي 2012 و2020، ونائب رئيس قسم الشؤون الاجتماعية ومنع الجريمة في السلطة ذاتها.
كما أصبح مستشارا لرئيس السلطة القضائية، وعضوا كامل العضوية في مجلس تشخيص مصلحة النظام.
كما يعرف ذو القدر في الأدبيات السياسية الإيرانية بأنه من صقور المعسكر المحافظ ومعارض صريح للتيار الإصلاحي.
وقد شارك بنشاط في قمع الاحتجاجات الطلابية في يوليو 1999، وكان في عام 1997 من بين الجنرالات الذين أرسلوا رسالة شديدة اللهجة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي.
كما أنه في مراحل مبكرة من مسيرته كان من أوائل أعضاء منظمة مجاهدي خلق، قبل أن يسهم لاحقا في حلها بسبب خلافات جوهرية مع جناحها اليساري، ويتحول إلى أحد أشد معارضيها بعد إحيائها عام 1991.
دلالات التعيين في ظل المشهد الراهن
يكتسب تعيين ذو القدر ثقلا استثنائيا في ضوء جملة من التطورات المتلاحقة على الساحتين الإيرانية والإقليمية، فإيران تواجه حربا ممنذ 28 فبراير 2026، فيما تجد نفسها أمام تحديات أمنية متجددة في محيطها الجغرافي المباشر في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
ويرى بعض المحللين أن تعيين شخصية ذات خلفية عسكرية راسخة كذو القدر قد ينتج خطابا أكثر حزما في الملفات الأمنية، بينما يذهب آخرون إلى أن تجربته الطويلة في التعامل مع الملفات الدقيقة تؤهله لفهم حسابات الكلفة والعائد في أي مواجهة محتملة.
ويزيد من دلالة التعيين أن ذو القدر كان في مرحلة سابقة نائبا مباشرا لعلي لاريجاني في المنصب ذاته، مما يشير إلى أن ثمة استمرارية مقصودة في الرؤية الاستراتيجية مع تحديث في الأسلوب.
كما يشير إلى أن اختيار ذو القدر لم يكن اعتباطيا، بل يعكس قرار القيادة بتقليص المسافة بين الثوابت الأمنية والمرونة التكتيكية، وتعزيز الطابع العقائدي لإدارة الملفات الحساسة في مرحلة تتصاعد فيها الضغوط الخارجية.
كما تجسد المسيرة الطويلة المتعرجة نموذجا للقيادي الإيراني الذي يحسن التكيف مع متغيرات السلطة دون أن يتخلى عن ثوابته الأيديولوجية.
وفي المحصلة، يبقى تعيين محمد باقر ذو القدر أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي علامة فارقة في المشهد الإيراني الراهن؛ إنه يجمع بين عقل الاستراتيجي الأكاديمي وتجربة القائد الميداني وصلابة المحافظ العقائدي، في لحظة تحتاج فيها إيران إلى كل هذه الأوراق في آن واحد.
