بين 1988 و2026.. هل وصلت إيران إلى لحظة "تجرع كأس السم" أمام ترامب؟

الثلاثاء 24/مارس/2026 - 05:42 م
طباعة بين 1988 و2026.. علي رجب
 
في نداء أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية الإيرانية، دعا مولوي عبد الحميد، إمام الجمعة البارز للسنة في زاهدان، المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى اتخاذ قرار شجاع بوقف الحرب الحالية، تذكرنا بمنعطفات عام 1988 الدراماتيكية، فقد استدعى الرمزية الأكثر مرارة في تاريخ الجمهورية الإسلامية "شرب كأس السم"، في ظل الحديث عن مفاوضات بين طهران وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

استدعاء ولوي عبد الحميد لتجرية "كأس السم" لم يكن مجرد استعارة لغوية، بل كان قراءة عميقة لواقع يراه عبد الحميد يتشابه في مآلاته مع شتاء عام 1988، حيث تجد الدولة نفسها أمام خيارات مريرة للحفاظ على بقائها.
«كأس السم» استعارة الهزيمة المعلنة والضرورة السياسية
في الثامن عشر من يوليو عام 1988، أعلن المرشد الأعلى الإيراني آنذاك، روح الله الخميني، موافقته على وقف إطلاق النار مع العراق، بعد ثماني سنوات من الحرب الأكثر دموية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. لم يكن بيانه مجرد إعلان سياسي، بل كان اعترافا مؤلما بالواقع الاستراتيجي، وصفه هو بنفسه بأنه "أشبه بتجرع كأس السم".

واندلعت الحرب في سبتمبر 1980، ولم يتوقع أحد أن تمتد ثماني سنوات وتودي بحياة أكثر من مليون شخص وتدمر اقتصاد البلدين، بحلول عام 1988، كانت الجبهة الإيرانية تعاني استنزافا هائلا، وفقدت إيران مناطق استراتيجية مثل مدينة الفاو.

كما أن التدخل الأمريكي المباشر عبر حوادث مثل إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية أو حى لطهران بأن الاستمرار في الحرب يعني مواجهة القوة العظمى مباشرة.

ومع تطورات الحرب وارتفاع الخسائر الإيرانية، آثر الخميني وقف القتال، واكتسبت استعارته بعدين، الأول رمزي ديني ينضح بالتضحية لإنقاذ الأمة، والثاني سياسي براغماتي أعفى القيادة من الاعتراف الصريح بالفشل العسكري، مصورا الانسحاب كخيار مرير لصالح المصلحة العليا.

عبد الحميد واستحضار الذاكرة في اللحظة الراهنة
اليوم، يعيد مولوي عبد الحميد، بوصفه أحد أبرز الأصوات الدينية والسياسية المستقلة في إيران، طرح خيار "شرب كأس السم" أمام المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، ليسقطها على اللحظة الراهنة التي تشهد مواجهات أمنية وعسكرية متصاعدة. 
بتوظيفه لهذه العبارة، أرسل عبد الحميد رسائل متعددة المستويات في مقدمتها للداخل الإيراني، مفادها أن القيادة قادرة تاريخيا على تقديم التنازلات إذا اقتضت الضرورة، وللشارع الذي يئن تحت وطأة الأزمات، بأن هناك مخرجا دبلوماسيا يمكن سلوكه.

عبر منصة التواصل الاجتماعي X، أشار عبد الحميد إلى التجربة التاريخية في نهاية الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988).
 وكتب موضحا أنه في نهاية تلك الحرب التي دامت ثماني سنوات، وللحفاظ على وحدة أراضي البلاد، تم اللجوء إلى خيار قبول قرار الأمم المتحدة رقم 598، وهو القرار الذي وصفه المرشد الراحل روح الله الخميني حينها بـ "تجرع كأس السم".

وأكد إمام زاهدان أن ذلك القرار، رغم مرارته، كان "واقعيا" وضروريا لصون الدولة، مشددا على أن الوقت قد حان الآن لاختيار طريق مماثل لوقف إطلاق النار وتجنيب البلاد والمنطقة مزيدا من الدمار.

إيران بين 1988 و2026
ثمة خيط جوهري يربط لحظة 1988 باللحظة الراهنة، ففي الحالتين تجد إيران نفسها تحت ضغط خارجي متعدد الاتجاهات يلقي بظلاله الثقيلة على الداخل الاقتصادي والاجتماعي، يتشابه المشهد أيضا في توظيف خطاب الصمود والمقاومة لإدارة التوقعات الشعبية، مع وجود انفتاح غير معلن خلف الكواليس على حلول تفاوضية لتجنب الانهيار الشامل.

لكن الاختلافات تظل جوهرية، فإيران اليوم تمتلك شبكة نفوذ إقليمي أوسع بكثير مما كانت عليه في الثمانينيات، وقدرات عسكرية وتقنية تفوق ما امتلكته في عهد الخميني. 
نفوذ الحميني يجعل من أي "تراجع" أو قبول بـ "كأس سم" جديد أمرا أكثر تعقيدا، لأن كلفته لن تقتصر على الداخل الإيراني بل ستمتد لتشمل حلفاءها الإقليميين وسردية "محور المقاومة" بأكملها.

لماذا يستدعى التاريخ الآن؟
الاستدعاء الانتقائي للذاكرة التاريخية هو أداة سياسية بامتياز، في الحالة الإيرانية، تكتسب ذاكرة الحرب العراقية الإيرانية قدسية خاصة، فهي المرجعية التي تمنح الشرعية للعديد من السياسات الحالية. حين يستحضر عبد الحميد "كأس السم"، فهو يذكر النظام بأن المرونة ليست "خيانة" كما يصفها البعض في البرلمان، بل هي إرث من الخميني نفسه.

خطاب مولوي عبد الحميد يعيد إنتاج الشرعية في لحظات الأزمة، فالشعوب التي اعتادت سردية "الفداء" قد تتقبل التضحية بالشعارات السياسية (المفاوضات) إذا غلفت بطابع ديني وتاريخي يوحي بأن القائد يتحمل الألم من أجل الشعب. 
ومع ذلك، فإن التحذير الذي أطلقه عبد الحميد: "لو أننا استمعنا إلى الشعب، لما كانت هناك حرب"، يشير إلى أن شرعية الذاكرة وحدها لم تعد تكفي في ظل واقع اقتصادي ومنهار وعزلة رقمية خانقة.

التاريخ لا يكرر نفسه.. لكنه يتردد صداه
الإجابة عن السؤال المحوري لهذا التقرير تكمن في أن التاريخ لا يكرر نفسه حرفيا، لكن القادة يوظفون أطره التفسيرية لفهم وتبرير قراراتهم، استعارة "كأس السم" في خطاب عبد الحميد هي محاولة لتأطير المستقبل عبر بوابة الماضي. 
ونداء خطيب جمعة زهدان يوفر "مخرجا آمنا" للقيادة الحالية للنزول عن شجرة التصعيد العالي، وتسبغ على القرار الصعب قدسية مستعارة.

ولقد كشفت ردود الفعل المتشنجة من التيار المتشدد، مثل تصريحات يعقوب رضا زاده الذي وصف التفاوض بـ "الخيانة"، عن مدى الحرج الذي سببه عبد الحميد باستحضار هذه الذكرى، فالتيار المتشدد يريد الحفاظ على صورة "القوة المطلقة"، بينما يذكرهم عبد الحميد بأن القوة تكمن أحيانا في القدرة على التراجع لحماية الدولة والشعب.

شارك