الحرس الثوري يسخر من دعوات ترامب: "واشنطن تتفاوض مع نفسها فقط"

الأربعاء 25/مارس/2026 - 02:01 م
طباعة الحرس الثوري يسخر حسام الحداد
 
تتداخل ألسنة اللهب المندلعة من المنشآت الحيوية في الخليج مع سحب الدخان الكثيفة فوق المدن الإسرائيلية، لترسم مشهداً سريالياً في اليوم السادس والعشرين من المواجهة العسكرية الشاملة التي وضعت العالم بأسره على حافة الهاوية. فبينما تواصل الآلة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية دكّ أهداف استراتيجية في العمق الإيراني، وترد طهران برشقات صاروخية باليستية لا تهدأ، بدأت تلوح في الأفق بوادر "دبلوماسية قسرية" تجري تحت أزيز الطائرات وصافرات الإنذار؛ حيث تسعى قوى إقليمية، تقودها باكستان ودول جارة، إلى حياكة ثوب نجاة لنزع فتيل أزمة طاقة عالمية طاحنة تسببت في شلل الأسواق الدولية وقفزات تاريخية في أسعار الوقود عقب إغلاق مضيق هرمز.
هذا الحراك الدبلوماسي المحفوف بالمخاطر يأتي في وقت كشفت فيه التسريبات عن "خطة الـ15 بنداً" التي طرحتها إدارة ترامب كخارطة طريق لوقف إطلاق النار، وهي الخطة التي وُصفت في أروقة صنع القرار بأنها "مقامرة كبرى" تهدف لانتزاع تنازلات سيادية من طهران مقابل وقف التدمير الممنهج. ومع ذلك، لا تزال الفجوة بين الطرفين تبدو وكأنها هوة سحيقة؛ ففي حين تصر واشنطن على مبدأ "التفاوض تحت النار" لضمان خضوع الخصم، تقابل طهران هذه الضغوط بمزيج من السخرية العسكرية والانفتاح الدبلوماسي الحذر، وسط حالة من التوجس الشديد في تل أبيب التي تخشى أن تقع ضحية لـ "صفقة انتصار سريع" يبرمها البيت الأبيض لإنقاذ الاقتصاد العالمي على حساب أمنها الاستراتيجي طويل الأمد.

دبلوماسية "الوسطاء": طهران تترقب وعينها على الجيران
في تطور دبلوماسي لافت يعكس تحولاً في استراتيجية طهران وسط استمرار الحرب الأمريكية-الإيرانية، كشف المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، عن مشاورات مكثفة ومستمرة تجريها الجمهورية الإسلامية مع عدد من الدول الصديقة والمجاورة، وفقاً لما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية في تقريرها اليوم. وتصدرت باكستان قائمة هذه الدول التي تُجرى معها الاتصالات بشكل مباشر، إلى جانب دول أخرى لم يُكشف عن أسمائها بعد، كما أفادت به وكالة «العربية نت». وتهدف هذه المشاورات إلى بحث العروض الوساطية المقدمة من هذه الدول، في محاولة لإيجاد مخرج دبلوماسي يُنهي التصعيد العسكري المستمر منذ نحو أربعة أسابيع.
وأكد بقائي خلال تصريحه أن طهران «مستعدة للاستماع إلى أي مقترحات مستدامة وجادة» من شأنها أن تضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار وتُعيد الاستقرار إلى المنطقة، بحسب ما نقلته قناة «DW عربي» في تغطيتها المباشرة للمؤتمر الصحفي. وشدد على أن القلق الإقليمي المتزايد من تداعيات توسع الحرب بات المحرك الرئيسي وراء هذه التحركات الدبلوماسية، خاصة مع تأثر دول الجوار مباشرة بإغلاق ممرات الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة ومخاطر الانتشار الجغرافي للصراع، كما أبرزت «RT العربية» في تحليلها للتصريحات الإيرانية. ويبدو أن طهران ترى في هذه الوساطات الإقليمية فرصة لتخفيف الضغط الدولي دون التنازل عن خطوطها الحمراء.
ورغم هذا الانفتاح الدبلوماسي الواضح تجاه الوسطاء الإقليميين، لا تزال طهران تُصر رسمياً على نفي وجود أي قنوات اتصال مباشرة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حتى اللحظة، وفقاً لما أكدته مصادر إيرانية رسمية نقلتها «الشرق الأوسط» في السياق نفسه. ويأتي هذا النفي المتكرر في سياق محاولة الحفاظ على صورة الموقف المبدئي القوي، مع الإبقاء على الباب موارباً أمام الوساطات غير المباشرة التي قد تُفضي إلى تهدئة دون أن تبدو إيران وكأنها تُفاوض تحت الضغط العسكري الأمريكي، كما لاحظت «العربية نت» في تعليقها على التصريحات.

الحرس الثوري يسخر من "خطة الـ15 بنداً"
على الجانب الآخر، واجهت المؤسسة العسكرية الإيرانية التصريحات الأمريكية بلهجة اتسمت بالحدة والسخرية الشديدة، وفقاً لما نقلته «RT العربية» في تغطيتها المباشرة لردود الفعل الإيرانية اليوم. ووصف العقيد إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم مقر "خاتم الأنبياء" في الحرس الثوري الإيراني، الحديث الأمريكي عن المفاوضات بأنه "مونولوج عبثي"، قائلاً صراحة: "الأمريكيون يتفاوضون مع أنفسهم فقط"، في تصريح أوردته صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية ضمن تقريرها عن التطورات العسكرية-الدبلوماسية. ويأتي هذا الموقف كجزء من استراتيجية الحرس الثوري للرد على أي إشارات أمريكية تتحدث عن تهدئة، مع التأكيد على أن واشنطن تفتقر إلى شريك حقيقي للتفاوض.
وتأتي هذه السخرية رداً مباشراً على تقارير سربت ملامح "خطة واشنطن" المكونة من 15 بنداً لوقف إطلاق النار لمدة شهر واحد، والتي تضع شروطاً وصفت بـ"التعجيزية" من قبل الجانب الإيراني، كما أفادت به قناة «DW عربي» في تحليلها للخطة المسربة. وتشمل أبرز بنود الخطة – بحسب ما أوردته «العربية نت» – التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، وقف الدعم كلياً لـ"محور المقاومة" في المنطقة، وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً تحت ضمانات دولية صارمة. واعتبر ذو الفقاري أن هذه الشروط لا تعكس سوى "وهم أمريكي" بإمكانية فرض إملاءات على طهران بعد أسابيع من الضربات المتبادلة.
ويُرى في هذه التصريحات الساخرة محاولة واضحة من الحرس الثوري لتعزيز الروح المعنوية داخل الجمهورية الإسلامية ورفض أي تنازلات تحت الضغط العسكري الأمريكي-الإسرائيلي، كما لاحظت «الشرق الأوسط» في سياق تعليقها على ردود الفعل الرسمية الإيرانية. ويأتي الرد في توقيت يشهد استمرار الرشقات الصاروخية الإيرانية وتعزيزات أمريكية في الخليج، مما يعكس حالة من التصميم على عدم التراجع رغم الحديث عن وساطات إقليمية، وفقاً لما أبرزته «RT العربية» في تقييمها للموقف العسكري الإيراني.

أكسيوس: الضربات مستمرة حتى أثناء الجلوس على الطاولة
ميدانياً، يبدو أن خيار «التفاوض تحت النار» هو الاستراتيجية الأمريكية المعتمدة حالياً في مواجهة إيران، وفقاً لما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية نقلاً عن تقارير أمريكية حديثة. وكشفت تقارير نقلتها «العربية نت» عن موقع «أكسيوس» أن الإدارة الأمريكية لن توقف عملياتها العسكرية مطلقاً، بل ستستمر في تنفيذ ضرباتها الجوية والصاروخية حتى لو جلس الطرفان إلى طاولة المفاوضات. ويأتي هذا النهج في إطار سياسة الضغط المستمر التي تتبعها واشنطن لإجبار طهران على قبول شروط أكثر صرامة، مع الاعتقاد بأن أي تهدئة دبلوماسية لن تكون فعالة إلا تحت غطاء عسكري قوي.
وتوقعت المصادر نفسها، بحسب ما أفادت به قناة «DW عربي» في تحليلها للتطورات الميدانية اليوم، أن تستمر العمليات العسكرية الأمريكية لمدة ثلاثة أسابيع إضافية على الأقل، حتى لو انطلقت المحادثات غير المباشرة في باكستان نهاية الأسبوع الحالي. وأكدت التقارير أن الضربات لن تتوقف خلال فترة التفاوض، بل ستُكثف على أهداف استراتيجية إيرانية محددة للحفاظ على التفوق الميداني. ويُنظر إلى هذا الجدول الزمني كرسالة واضحة من الجانب الأمريكي بأن «النار» ستظل مشتعلة إلى أن تُقدم طهران تنازلات حقيقية، فيما يُعد تحولاً لافتاً في أسلوب إدارة الرئيس ترامب للأزمة.
وبينما تُصر واشنطن على أنها دمرت آلاف الأهداف الاستراتيجية الإيرانية خلال الأسابيع الماضية، تواصل إيران ردودها الصاروخية المكثفة باتجاه العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية في المنطقة، كما نقلت «RT العربية» عن مصادر عسكرية إيرانية. وتعتبر طهران التعزيزات العسكرية الأمريكية الأخيرة في الخليج «خدعة» نفسية للضغط على قادتها أثناء أي محادثات محتملة، وفقاً لما أبرزته «الشرق الأوسط» في تقريرها الميداني. ويُعكس هذا التبادل المستمر للضربات واقعاً ميدانياً معقداً يجعل أي تقدم دبلوماسي رهيناً بالتطورات على الأرض، وسط مخاوف إقليمية من امتداد الصراع إلى أسابيع إضافية.

قلق في تل أبيب.. هل يبيع ترامب "النصر" لإسرائيل؟
في غضون ذلك، يسود توتر واضح داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية، حيث يتابع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التحركات الأمريكية بقلق شديد وشكوك عميقة، وفقاً لما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية في تقريرها اليوم عن ردود الفعل الإسرائيلية. ويأتي هذا التوتر وسط مخاوف متزايدة من أن تكون الإدارة الأمريكية على وشك تقديم تنازلات استراتيجية كبرى لإيران، في مقابل الحصول على «صورة نصر» سريعة يستطيع الرئيس دونالد ترامب تسويقها داخلياً. وترى تل أبيب أن هذه التنازلات قد تأتي على حساب المصالح الأمنية الإسرائيلية طويلة الأمد، خاصة في ظل استمرار الضربات المتبادلة والمفاوضات غير المباشرة التي تجري خلف الكواليس.
وتخشى إسرائيل تحديداً أن يسعى ترامب إلى إنهاء سريع لأزمة الطاقة العالمية التي أحدثت قفزات تاريخية في أسعار الوقود بسبب إغلاق مضيق هرمز، كما أفادت به قناة «DW عربي» في تحليلها للموقف الإسرائيلي. ويُعتقد في تل أبيب أن الرئيس الأمريكي قد يضحي ببعض المكاسب العسكرية مقابل تهدئة تُعيد تدفق النفط وتُخفض الأسعار عالمياً، مما يُقدم له انتصاراً سياسياً واقتصادياً يُبرر استمرار الحرب لأسابيع. ويُنظر إلى هذا الاحتمال كتهديد مباشر للاستراتيجية الإسرائيلية التي تعتمد على إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية بشكل جذري، لا مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.
ورغم أن البنود الـ15 للخطة الأمريكية تبدو مستحيلة القبول من جانب طهران – بحسب ما نقلته «العربية نت» عن مصادر إسرائيلية مطلعة – إلا أن المخاوف الإسرائيلية لا تزال تتركز على احتمال أن يتضمن أي اتفاق نهائي تخفيفاً ملموساً للقيود على برنامج التخصيب النووي الإيراني مقابل مكاسب جيوسياسية مؤقتة للولايات المتحدة. ويحذر مسؤولون إسرائيليون، كما أبرزت «RT العربية» في تغطيتها، من أن مثل هذه التنازلات قد تُعيد إيران إلى مربع التهديد النووي خلال سنوات قليلة، مما يُعرض أمن إسرائيل لخطر وجودي. ويبقى السؤال المطروح في تل أبيب: هل سيضع ترامب مصلحة «النصر السريع» فوق التزاماته التاريخية تجاه حليفته الإستراتيجية؟

خاتمة 
في نهاية المطاف، يبقى الميدان هو الحكم الفصل في هذه المواجهة الوجودية؛ فبينما يتأرجح مصير المنطقة بين مطرقة "الضغط العسكري الأقصى" وسندان "دبلوماسية الصمود"، يدرك الجميع أن الوقت بات سلعة نادرة وباهظة الثمن. إن نجاح الوساطات الإقليمية في تحويل "خطة الـ15 بنداً" من ورقة ضغط إلى قاعدة للحوار يظل رهيناً بمدى قدرة الأطراف على التراجع خطوة عن حافة الانفجار الشامل، في ظل واقع مرير يثبت يومياً أن "النصر" في هذه الحرب قد لا يعني سوى من يمتلك القدرة على تحمل الألم لفترة أطول، وسط ترقب عالمي لما ستسفر عنه الأيام القادمة في أخطر مواجهة عسكرية يشهدها القرن الحادي والعشرون.

شارك