أذرع إيران الخفية.. كيف تخطط خلايا حزب الله لزعزعة استقرار الكويت؟
الخميس 26/مارس/2026 - 04:04 م
طباعة
علي رجب
لم يكن البيان الصادر عن وزارة الداخلية الكويتية، الأربعاء، مجرد إعلان عن عملية أمنية روتينية، بل كان بمثابة "زلزال سياسي" كشف عن حجم الاختراق الذي تحاول أذرع طهران الممتدة تحقيقه في عمق الخليج العربي.
فإحباط الداخلية الكويتية مخطط لاستهداف رموز الدولة وقياداتها، وضبط شبكة مرتبطة بتنظيم "حزب الله" الإرهابي، يعيد إلى الأذهان صراعات "الخلايا النائمة" التي حاولت مرارا زعزعة استقرار الكويت، ويطرح تساؤلات ملحة حول توقيت هذا التصعيد وأهدافه الاستراتيجية.
شبكة حزب الله من الداخل والخارج
أسفرت العملية الأمنية الكويتية عن ضبط خمسة مواطنين كويتيين وشخص سادس ممن سحبت جنسيتهم وباتوا مقيمين بصورة غير قانونية على الأراضي الكويتية.
غير أن الصورة الأكبر والأكثر تعقيدا تكمن في الأربعة عشر متهما الفارين خارج الكويت، وهو رقم يعكس أن الشبكة كانت تمتلك منظومة إنذار مبكر مكنت عددا من عناصرها من الإفلات قبيل الاعتقالات.
وكشفت التحقيقات الكويتية مع الموقوفين عن ثلاثة محاور رئيسية في نشاط الخلية: أولها التخابر لصالح جهات خارجية وهو ما أقر به المتهمون صراحة خلال جلسات الاستجواب، وثانيها التجنيد النشط لعناصر جديدة داخل الكويت بهدف تنفيذ مهام تخريبية تضر بالمصالح العليا للدولة.
أما المحور الثالث والأشد خطورة فهو الاستعداد لتنفيذ عمليات اغتيال واسعة تستهدف رموزا وقيادات بارزة في الدولة، وهو ما وصفه المتحدث الرسمي بـ"الخيانة العظمى" و"العمل الإجرامي البالغ الخطورة".
التدريبات التي خضع لها عناصر الخلية لم تكن تدريبات بدائية أو ارتجالية. أجرتها قيادات من حزب الله خارج الأراضي الكويتية، وشملت فنون الاغتيال المنظم، والتعامل مع الأسلحة والمفرقعات، فضلا عن أساليب المراقبة والرصد الاستخباراتي. هذا المستوى من التأهيل المتخصص يكشف أن ما جرى ليس مجرد خلية أيديولوجية تنشر الأفكار، بل وحدة عملياتية كانت تهيأ لمهام ميدانية محددة بأسماء وأهداف.
الكويت في مرمى طهران: سياق لا يمكن تجاهله
لفهم هذا الحدث في سياقه الأوسع، لا بد من استيعاب طبيعة العلاقة المتوترة والمتشعبة بين إيران والكويت على مدى العقود الماضية، فالكويت التي تجمعها حدود بحرية مع إيران وتضم نسبة لا يستهان بها من المواطنين ذوي الأصول الإيرانية أو الشيعية، كانت دائما ساحة حساسة في الحسابات الإيرانية الإقليمية.
وليست هذه المرة الأولى التي تكشف فيها خلايا مرتبطة بحزب الله أو بالحرس الثوري الإيراني على الأراضي الكويتية. ففي أعقاب اكتشاف مستودع أسلحة ضخم في منطقة الوفرة عام 2015، أعلنت الكويت عن شبكة تجسس مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، كانت تخزن كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات.
وأسفرت القضية آنذاك عن صدور أحكام بالإعدام والسجن بحق عدد من المتهمين، وأشعلت أزمة دبلوماسية حادة أفضت إلى طرد عدد من الدبلوماسيين الإيرانيين والكتم على العلاقات الثنائية لفترة مطولة.
المفارقة أن الكويت، وعلى الرغم من هذا التاريخ، ظلت تنتهج دبلوماسية مرنة مع طهران، وحرصت على الإبقاء على قنوات حوار مفتوحة، ساعية في أحيان كثيرة إلى دور وساطة بين إيران ودول الخليج الأخرى. غير أن الكشف المتكرر عن خلايا موالية لطهران يطرح سؤالا صعبا: هل تفسر إيران هذا الانفتاح الكويتي ضعفا يمكن استثماره، لا حسن نية يستوجب المقابلة بالمثل؟
حزب الله: من الذراع اللبنانية إلى الشبكة العالمية
ثمة نقطة جوهرية كثيرا ما تغيب في التغطيات الإعلامية لقضايا مثل هذه: حزب الله لم يعد مجرد حركة مسلحة لبنانية ذات امتداد إقليمي، ووصفه تقرير وزارة الخزانة الأمريكية بأنه من أكثر المنظمات الإرهابية ثراء وتنظيما في العالم. شبكاته اللوجستية والاستخباراتية تمتد من أمريكا اللاتينية إلى غرب أفريقيا مرورا بأوروبا والخليج العربي، وهو يعمل وفق منطق هيكلي يفصل بين الذراع السياسية والذراع العسكرية والوحدة الأمنية الخاصة المعروفة بـ"الجهاز الأمني"، وهي الجهة التي تتولى عادة إدارة العمليات الخارجية بما فيها شبكات التجسس وخلايا الاغتيال.
في الكويت تحديدا، يعتمد حزب الله على أفراد يحملون جنسيات مزدوجة أو لديهم ارتباطات عائلية وتجارية ممتدة، وهو ما يجعل الكشف المبكر عن خلاياه أمرا بالغ الصعوبة. فالعنصر المجند ليس بالضرورة شخصا قادما من الخارج بوجه مجهول، بل ربما يكون موظفا حكوميا أو رجل أعمال أو طالب جامعي يعيش حياة طبيعية تماما في الظاهر، بينما يؤدي مهاما استخباراتية في الخفاء. هذا النمط بالضبط هو ما تكشفه قضية الاعتقالات الأخيرة، حيث شمل الموقوفون مواطنين كويتيين إلى جانب إيرانيين ولبنانيين.
الرسالة الأمنية والسياسية في آن
لا يمكن قراءة بيان وزارة الداخلية الكويتية بوصفه مجرد إعلان أمني، إذ ينطوي على رسائل متعددة المستويات. على الصعيد الداخلي، توجه الرسالة تحذيرا صارما لكل من تسول له نفسه الانجرار نحو التجنيد لصالح جهات خارجية، مؤكدة على أن الأجهزة الأمنية تمتلك قدرات رصد واختراق تتجاوز ما قد يتوقعه أعداء الدولة.
وعلى الصعيد الخليجي والإقليمي، تأتي هذه العملية في سياق تحول أوسع تشهده المنطقة، حيث باتت دول الخليج أكثر استعدادا للتصريح العلني بالتهديدات الإيرانية بدلا من احتوائها بصمت دبلوماسي.
وفي هذا الإطار، يمثل إعلان الكويت خطوة في مسار التنسيق الأمني الخليجي المتصاعد، الذي بات يضم أجهزة استخبارات متعاونة في رصد شبكات الوكالة الإيرانية والحزب اللبناني.
أما على صعيد العلاقة مع طهران مباشرة، فإن وجود إيرانيين ضمن المتهمين الهاربين يضع الكويت أمام خيارات صعبة دبلوماسيا. فالمطالبة بتسليم مواطنين إيرانيين يشتبه في تورطهم بمخططات اغتيال على الأراضي الكويتية تعني عمليا مواجهة مباشرة مع طهران التي لا تعترف عادة بمثل هذه الاتهامات وترفض التعاون القضائي في القضايا ذات الطابع الأمني.
المنهجية الإيرانية في بناء الشبكات
ما تكشفه هذه القضية يتسق مع المنهجية الإيرانية الموثقة في بناء شبكات التأثير والضغط في دول الخليج. تعتمد طهران في العادة على ثلاث طبقات متداخلة: طبقة الدعم اللوجستي والتمويل، وطبقة جمع المعلومات والتخابر، وطبقة العمليات الميدانية.
وفي الغالب، لا تعرف كل طبقة كثيرا عن الطبقات الأخرى، مما يجعل انكشاف إحداها لا يعني بالضرورة تفكيك الشبكة بأكملها.
كذلك تعتمد إيران على ما يسمى استراتيجية "الصبر الاستراتيجي"، إذ يمكن أن تظل الخلية خاملة سنوات قبل أن تستدعى للتحرك، وهو ما يجعل رصدها في مرحلة الخمول أصعب بكثير من اكتشافها حين تبدأ في الاستعداد للتنفيذ. ويبدو أن الأجهزة الأمنية الكويتية نجحت هذه المرة في الإمساك بالخلية في لحظة الاستعداد، أي حين بدأت تغادر مرحلة التهيئة نحو مرحلة التنفيذ الفعلي.
استقرار الكويت.. خط لا يتجاوز
ويبقى التحدي الأكبر أمام السلطات الكويتية هو ملاحقة المتهمين الـ 14 الهاربين خارج البلاد. هذا الملف سيضع الدبلوماسية الكويتية في مواجهة مباشرة مع الدول التي تأوي هؤلاء العناصر، وسيتطلب تنسيقا أمنيا عاليا مع "الإنتربول" الدولي.
كما أن التحقيقات المستمرة قد تكشف عن "عقد" أخرى في هذه الشبكة، مما يستوجب استنفارا أمنيا شاملا لمراجعة كافة الأنشطة المشبوهة التي قد ترتبط بجهات خارجية.
وتظل الكويت، بموقعها الجغرافي الحساس وتنوع نسيجها السكاني وعلاقاتها الإقليمية المتشعبة، ساحة مغرية لكل من يسعى إلى استخدام أراضيها نقطة ارتكاز للتأثير في معادلات الخليج والمنطقة الأوسع.
وما كشفته العملية الأمنية الأخيرة لا يثبت فقط أن الخطر حقيقي وحاضر، بل يثبت أيضا أن الكويت باتت أكثر استعدادا من أي وقت مضى لمواجهته.
ختاما، تثبت قضية "خلايا حزب الله" في الكويت أن الصراع مع الإرهاب العابر للحدود هو معركة "نفس طويل". وبينما تحاول طهران تحريك بيادقها في المنطقة، تظل اليقظة الأمنية هي الدرع الوحيد لحماية استقرار المجتمعات الخليجية من مخططات الاغتيال والفوضى.
