اغتيال قائد بحرية الحرس الثوري في ضربة إسرائيلية ببندر عباس
الخميس 26/مارس/2026 - 08:33 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في خضم تصعيد إقليمي متسارع يضع الشرق الأوسط على حافة مواجهة مفتوحة، تتكثف الضربات العسكرية وتتشابك الحسابات السياسية بشكل غير مسبوق، خاصة مع انتقال الصراع إلى ممرات الطاقة الحيوية، وبينما تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز—شريان النفط العالمي—برز تطور لافت قد يعيد رسم ملامح المواجهة، تمثل في إعلان إسرائيل اغتيال أحد أبرز القادة العسكريين الإيرانيين.
حيث أعلنت تل أبيب الخميس 26 مارس تنفيذ غارة جوية وصفتها بـ"الدقيقة والقاضية" استهدفت مدينة بندر عباس جنوب إيران، وأسفرت—وفق الرواية الإسرائيلية—عن مقتل الأدميرال علي رضا تنكسيري، قائد القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب عدد من كبار الضباط.
ويكتسب هذا الحدث ثقله من توقيته الحساس، إذ يأتي في قلب صراع يدور جزئيًا حول السيطرة على الملاحة في الخليج، وفي ظل محاولات دولية لإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة.
وبحسب ما نقلته تقارير إعلامية، فإن الضربة استهدفت واحدة من أهم القواعد البحرية المطلة على مضيق هرمز، حيث كان تنكسيري يقود العمليات المرتبطة بما يُعرف بالحرب البحرية غير المتكافئة—وهي الاستراتيجية التي تعتمد على الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والألغام البحرية لتعطيل حركة السفن وفرض واقع ميداني معقد.
ورغم إعلان إسرائيل، لم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي واضح من الجانب الإيراني، وهو ما يترك مساحة من الغموض حول تفاصيل العملية ونتائجها الفعلية، خاصة في ظل سوابق مماثلة شهدت تضاربًا في الروايات خلال الأسابيع الماضية.
يُنظر إلى تنكسيري داخل الأوساط العسكرية باعتباره أحد العقول الرئيسية وراء خطط إغلاق مضيق هرمز، الممر الذي تعبر من خلاله نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية، وخلال التصعيد الحالي، ارتبط اسمه بشكل مباشر بمحاولات تعطيل الملاحة وفرض قيود على حركة الناقلات، ما جعله هدفًا عالي القيمة في الحسابات العسكرية.
سيرة قائد "الحرب البحرية غير التقليدية"
وُلد علي رضا تنكسيري عام 1962 في محافظة بوشهر جنوب إيران، ونشأ في بيئة ساحلية قريبة من الخليج، قبل أن ينتقل مع عائلته إلى خوزستان، انخرط مبكرًا في الحرس الثوري، وشارك في حرب إيران–العراق، بما في ذلك ما عُرف بـ"حرب الناقلات" في ثمانينيات القرن الماضي، وهي تجربة شكلت ملامح عقيدته العسكرية لاحقًا.
تدرّج في المناصب داخل القوات البحرية للحرس الثوري، حيث تولى قيادة المنطقة البحرية الأولى في بندر عباس، ثم شغل منصب نائب قائد القوات البحرية لعدة سنوات، قبل أن يُعيَّن قائدًا لها عام 2018 بقرار من المرشد الإيراني، خلفًا للأدميرال علي فدوي.
خلال سنوات قيادته، ركّز تنكسيري على تطوير قدرات بحرية غير تقليدية، تقوم على المرونة والسرعة بدل المواجهة المباشرة، فدعم استخدام الزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والألغام البحرية، في محاولة لتعويض الفارق مع القوى البحرية الكبرى، كما ارتبط اسمه بتعزيز برامج التصنيع العسكري، خصوصًا في مجال المسيّرات.
وعُرف بتصريحاته الحادة تجاه الولايات المتحدة والغرب، إذ كرر في أكثر من مناسبة التهديد بإغلاق مضيق هرمز، مؤكدًا قدرة إيران على مراقبة السفن الأجنبية وتعطيل الملاحة عند الضرورة، هذه المواقف جعلته ضمن قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية منذ عام 2019.
تأثير الاغتيال: ضربة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟
يرى محللون أن اغتيال تنكسيري يمثل مكسبًا استخباراتيًا مهمًا، كونه يستهدف شخصية محورية في إدارة العمليات البحرية الإيرانية. ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن تأثير غيابه قد يظل محدودًا على المدى البعيد، نظرًا لطبيعة هيكل الحرس الثوري الذي يعتمد على تعدد مراكز القيادة.
في المقابل، قد يؤدي غيابه إلى إرباك مؤقت في العمليات البحرية، خاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما قد ينعكس على حركة النفط والأسواق العالمية. لكن هذا التأثير يبقى رهينًا برد الفعل الإيراني، الذي قد يتخذ مسارًا تصعيديًا يعيد خلط الأوراق.
مشهد مفتوح على احتمالات متعددة
يأتي هذا الاغتيال ضمن سلسلة أوسع من الضربات التي استهدفت قيادات إيرانية بارزة منذ اندلاع المواجهة الحالية، ما يشير إلى استراتيجية تهدف إلى تقويض مراكز القرار العسكري في طهران. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تؤدي هذه الضربات إلى إضعاف حقيقي للقدرات الإيرانية، أم أنها تدفع نحو مزيد من التصعيد؟
في ظل غياب رد إيراني واضح حتى الآن، يظل المشهد مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين احتواء التوتر مؤقتًا، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة، لتطال أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية.
