من سوريا إلى بونتلاند.. قصة سقوط خلايا داعش التركية في الصومال

الجمعة 27/مارس/2026 - 05:15 م
طباعة من سوريا إلى بونتلاند.. علي رجب
 
كشفت تفاصيل أمنية وتقارير استخباراتية حديثة عن تطور خطير في مسارات تجنيد وانتقال عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي، حيث برزت منطقة "بونتلاند" في شمال شرق الصومال كوجهة استراتيجية جديدة لمقاتلين يحملون الجنسية التركية، ممن اتخذوا من العمل الإغاثي وحفر الآبار غطاء للتسلل والانضمام إلى صفوف التنظيم.

عملية “بونتلاند”.. ضبط الخلايا العابرة للحدود
في تطور ميداني لافت بدأ منذ نوفمبر الماضي، نجحت وحدات مكافحة الإرهاب في ولاية بونتلاند الصومالية في تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية استهدفت معاقل التنظيم في المناطق الجبلية الوعرة.

وأسفرت المداهمات التي شملت كهوفا يستخدمها التنظيم مراكز للقيادة والتدريب عن إلقاء القبض على ثلاثة مواطنين أتراك، وهم: حسن رافت عطار، وسنان أليكان كرم، وفيض الهاشم سليمان.

وبحسب ما أوردته صحيفة "كيسا دالغا" التركية، فإن هؤلاء العناصر يمثلون نماذج مختلفة لمسارات التطرف،
فسنان أليكان كرم تشير المعلومات إلى أنه دخل الصومال عبر قنوات رسمية، متخفيا بزي عامل إغاثة في جمعية تدعي العمل الإنساني وحفر آبار المياه، وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى حول استغلال التنظيمات الإرهابية للغطاء الرعوي والإنساني للتحرك دوليا.

أما حسن رافت عطار فهو مواطن يحمل الجنسية المزدوجة (التركية والهولندية)، ولد في هولندا وانتقل إلى تركيا عام 2015، ومنها تسلل إلى سوريا. وبعد تفكك خلايا التنظيم هناك، عاد إلى تركيا بهوية مزورة واستمر في تواصله مع القيادات حتى نقل إلى الفرع الصومالي.

وبالنسبة لفيض الهاشم سليمان فهو مقاتل متمرس انضم لداعش في سوريا أولا، ثم نقل إلى بونتلاند ضمن استراتيجية "تبادل الخبرات" التي يتبعها التنظيم لتعزيز فروعه الأفريقية.

الصومال: "ترانزيت" الإرهاب العالمي
لم تعد بونتلاند مجرد ملاذ آمن، بل تحولت إلى مركز لوجستي دولي. ووفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة في يونيو 2025، يضم فرع "داعش" في الصومال نحو 800 مقاتل ينتمون لأكثر من 50 جنسية.

يلعب هذا الفرع دورا محوريا في توفير الموارد المادية: عبر شبكات تهريب وجباية محلية، وتدريب المجندين حيث يتم إرسال "القدامى" من جبهات سوريا والعراق لتدريب العناصر الأفريقية والآسيوية الجديدة.

والتنسيق العابر للقارات ربط العمليات بين فروع التنظيم في أفغانستان وأفريقيا الوسطى.

وعلى الرغم من وجود اتفاقيات أمنية وقضائية بين أنقرة ومقدشو تشمل تسليم المجرمين وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلا أنه لم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي حول تسليم الموقوفين الثلاثة إلى السلطات التركية، حيث لا يزالون يقبعون في السجون الصومالية تحت التحقيق.

استراتيجية "الكمون" والتحول الرقمي في تركيا
بالتزامن مع هذه الاعتقالات في الخارج، كشف تقرير حديث لـ "المرصد الدولي للتطرف" في أنقرة، بإشراف الدكتور حلمي ديمير، أن التنظيم بدأ يغير جلده داخل تركيا لمواجهة الملاحقات الأمنية المكثفة.
"لقد تخلى داعش عن المركزية التنظيمية التقليدية، وانتقل إلى نموذج المجموعات الصغيرة المحلية ذات الأيديولوجية السلفية المتطرفة، مع التركيز الكامل على التجنيد في الفضاء الرقمي".

أبرز ملامح الاستراتيجية الجديدة
الواجهات الناعمة عبر استخدام المدارس الدينية، المكتبات، والجمعيات الخيرية في مدن مثل إسطنبول وبورصة وغازي عنتاب كواجهات قانونية لا تثير الشبهات، بينما تستخدم في الداخل لنشر الفكر المتطرف.

والانعزال الاجتماعي حيث تكوين مجتمعات مغلقة تكتفي ذاتيا اقتصاديا واجتماعيا، حيث تتم حالات الزواج وبناء الصداقات داخل هذه الدوائر لضمان عدم الاختراق الأمني.

وكذلك استغلال منصات مثل "يوتيوب" لبث الدروس الدينية المتطرفة، واستخدام "فيسبوك" و"إكس" (تويتر سابقا) لخلق شعور بالانتماء لدى الشباب المنعزل.

التحدي الأمني القادم
تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه تركيا استنفارا أمنيا، خاصة بعد وقوع مواجهات مسلحة في الأشهر الأخيرة في مدينتي إزمير ويالوفا أسفرت عن مقتل رجال أمن، مما كسر حالة "الهدوء النسبي" التي استمرت لسنوات.

تؤكد المصادر الأمنية أن ملاحقة التنظيم لم تعد تقتصر على الجانب المسلح فحسب، بل تمتد لتشمل تجفيف منابع التمويل وتفكيك المنصات الرقمية التي تحاول بناء "دولة افتراضية" تعوض التنظيم عن خسائره الأرضية في الشرق الأوسط. وتبقى قضية "مقاتلي الصومال" الأتراك جرس إنذار حول قدرة التنظيم على تدوير عناصره بين القارات باستخدام ثغرات العمل الإغاثي والسفر الرسمي.

شارك