استراتيجية "التجهيل" السياسي والانسحاب من الواقع
الأحد 29/مارس/2026 - 09:58 ص
طباعة
حسام الحداد
تأتي افتتاحية صحيفة "النبأ" في عددها (540)، الصادر مساء الخميس 26 مارس 2026، كوثيقة أيديولوجية مكثفة تلخص استراتيجية تنظيم "داعش" في إدارة الوعي الجمعي لأتباعه وسط عالم يزداد تعقيداً واضطراباً. لا تكتفي الافتتاحية التي جاءت بعنوان "الوحي لا التخرصات" بتقديم وعظ ديني تقليدي، بل تتحول إلى أداة "هندسة اجتماعية" تهدف إلى صياغة عقلية انتحارية منقطعة عن الواقع، ومحصنة ضد أي مدخلات عقلانية أو سياسية قد تخلخل بنية التنظيم الفكرية، خاصة في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
تعتمد هذه الافتتاحية على لغة "حاسمة" و"إقصائية" تسعى من خلالها القيادة التحريرية للتنظيم إلى فرض سيادة معرفية مطلقة، عبر الادعاء بأنها الوحيدة التي تملك "بوصلة الوحي" في مقابل "تيه" العالم أجمع. إن فحص هذا النص يكشف عن محاولة يائسة لترميم الجدار العازل بين الأتباع والواقع، واستبدال أدوات التحليل السياسي والمنطقي بمسلّمات عقدية صلبة تُستخدم كوقود للاستمرار في مواجهة صفرية لا تقبل القسمة على الحلول الوسط أو المراجعات الفكرية.
استراتيجية "التجهيل" السياسي والانسحاب من الواقع
تعتمد الافتتاحية استراتيجية "التحقير المعرفي" لكل ما هو خارج إطار النص الديني بتفسيره المتشدد، حيث تصف التحليل السياسي والعسكري بـ "التخرصات" و**"التكهنات"**. هذا الوصف ليس مجرد نقد لآراء المحللين، بل هو محاولة لتعطيل أدوات الفهم البشري لدى المتلقي؛ فمن خلال تصوير محاولة فهم الواقع وتوازنات القوى كنوع من "الرجم بالغيب" الذي لا طائل منه، يتم إقناع الفرد بأن إعمال عقله في الأحداث الجارية هو مضيعة للوقت أو انحراف عن الجادة. الهدف النهائي هنا هو خلق شخصية "مستسلمة معرفياً"، لا تشكك في الرواية الرسمية للتنظيم ولا تحاول موازنتها بالحقائق الموضوعية، مما يسهل عملية القيادة والتحكم في الاتباع.
يمارس النص ما يمكن تسميته بـ "التسطيح المتعمد للمشهد"، حيث يعمد إلى اختزال صراعات العالم المعقدة—بكل ما فيها من تقاطعات جيوسياسية، وتاريخية، واقتصادية—في ثنائية حدية صلبة: (إيمان محض مقابل كفر محض) أو (وحي مقابل أوهام). هذا التبسيط يرفع عن كاهل "المجند" عبء التفكير النقدي أو محاولة استيعاب موازين القوى المعاصرة، إذ يُقال له إن "العقيدة أصل والبقية تبع". من خلال هذا الاختزال، يتم إلغاء "المنطقة الرمادية" أو إمكانية وجود مصالح مشتركة أو تسويات سياسية، مما يحول الصراع في نظر الأتباع من واقع سياسي يمكن حله أو فهمه إلى قدر ديني "حتمي" لا خيار فيه إلا المواجهة الصفرية.
يسعى التنظيم من خلال شعار "الوحي لا التخرصات" إلى فرض حصار معرفي على أتباعه، عبر قطع صلتهم بكافة مصادر المعلومات الخارجية، سواء كانت قنوات إخبارية، أو دراسات سياسية، أو حتى آراء فقهية مخالفة. يُصور النص العالم الخارجي كمحيط من "التيه والأوهام" و"قنوات المضللين"، بينما يقدم إصداراته الخاصة بوصفها "المعين الصافي" و"المنهاج النبوي". هذه القطيعة المنهجية تهدف إلى حبس المتلقي داخل "فقاعة إدراكية" (Echo Chamber)، حيث لا يسمع إلا صدى صوت التنظيم، مما يجعله عاجزاً عن المقارنة أو التمييز، ويصبح الانقياد الأعمى للمنظمة هو المخرج الوحيد المتاح له للنجاة في الدنيا والآخرة كما يزعم الخطاب.
العقيدة كأداة "للفصل الإقصائي"
ينقل النص مفهوم "الولاء والبراء" من سياقه التعبدي والقلبي إلى سياق "إجرائي حربي" صارم. فالتنظيم لا يقدم العقيدة بوصفها منظومة قيم أخلاقية، بل كأداة لترسيم حدود "الخندق" الذي يجب أن يقف فيه الأتباع. من خلال هذا الطرح، يتم تحويل العقيدة إلى "راداد عسكري" يفرز البشر إلى معسكرين لا ثالث لهما، مما يلغي إمكانية وجود مواقف حيادية أو تقاطعات إنسانية. هذا الاستخدام النفعي للعقيدة يهدف إلى ضمان طاعة عمياء، حيث يصبح الولاء للتنظيم هو "شرط النجاة"، والبراءة من كل ما سواه هو "برهان الإيمان"، مما يحول المتلقي من كائن اجتماعي إلى "وحدة قتالية" في صراع كوني مفترض.
يمارس الخطاب عملية "إحلال معرفي" خطيرة، حيث يقدم العقيدة (وفق تفسيره المتطرف) كبديل كامل وكافٍ عن الخبرة السياسية أو العسكرية. يدعي النص أن المسلم لا يحتاج لفهم "توازنات القوى" أو "المصالح الدولية" أو حتى مآلات المعارك، بل عليه فقط الانشغال بصحة "موضعه الشرعي". هذا الفصل المتعمد بين "الموقف العقدي" و"الواقع الميداني" يهدف إلى تجريد الأتباع من أي قدرة على تقييم الخسائر أو نقد استراتيجيات التنظيم الفاشلة. فإذا كانت المعركة خاسرة عسكرياً، يظل الأتباع مقتنعين بأنهم "منتصرون عقدياً" ما داموا يرفعون الراية التي حددها التنظيم، وهي استراتيجية تهدف لضمان استمرارية التضحية حتى في أحلك الظروف والهزائم.
تتجلى نزعة "الإقصاء الشامل" في رفض النص القاطع لجميع المعسكرات القائمة، معتمداً على تصنيف لغوي وجغرافي ("الناطقة بالعربية أو العبرية أو الإنجليزية أو الفارسية"). هذا التوصيف لا يهدف فقط إلى مهاجمة دول بعينها، بل يسعى إلى تفكيك مفهوم "الدولة الوطنية" وهدم جسور الانتماء القومي أو الإقليمي. من خلال وضع "العربية" (التي تمثل البيئة الحاضنة) في ذات الكفة مع "العبرية" أو "الإنجليزية" (التي تمثل العدو الخارجي في عرفهم)، يرسخ التنظيم فكرة "عالمية العداء"، حيث يصبح الجميع بلا استثناء أهدافاً مشروعة، ويُحصر الحق المطلق والنجاة الوحيدة في "الكيان التنظيمي" الخاص بهم، مما يعزل المنتمي إليهم عن محيطه البشري والوطني عزلاً كاملاً.
استغلال الميتافيزيقيا (الفتن والملاحم)
يمارس التنظيم في هذا الجزء "خديعة معرفية" ذكية؛ حيث يظهر في البداية بمظهر الحريص على الضبط العلمي عبر التحذير من "إنزال" أحاديث الفتن على الواقع المعاصر بشكل عشوائي، لكنه سرعان ما يستخدم هذا الحذر لتمرير أجندة أكثر خطورة. فبدلاً من تحليل الواقع بأدوات العصر، يدفع الأتباع نحو حالة من الاستنفار النفسي والبدني الدائم تحت مسمى "الاستعداد للملاحم الحتمية". هذا الانتقال يحول النص الديني من مادة للتأمل أو العبرة إلى "محرك تعبوي" يضع الفرد في حالة ترقب قلق لنهاية الزمان، مما يجعله أكثر تقبلاً للتضحية بنفسه في معارك يراها جزءاً من قدر إلهي محتوم لا يمكن رده أو تأجيله.
من خلال التركيز على ثنائية "الفسطاطين" (إيمان لا نفاق فيه، وكفر لا إيمان فيه)، يعمد الخطاب إلى إغلاق المجال العام تماماً أمام أي تفكير سياسي أو دبلوماسي. هذا الطرح الميتافيزيقي يحول الصراعات الأرضية القابلة للتفاوض أو الحل إلى "صراعات وجودية قدرية". فعندما يُصور الصراع بوصفه معركة كونية بين الحق والباطل، يُصبح الحديث عن "التعايش" أو "المراجعة الفكرية" أو "الانسحاب التكتيكي" نوعاً من الخيانة للمنظومة العقدية. وبذلك، ينجح التنظيم في حبس أتباعه داخل مسار إجباري ذي اتجاه واحد، حيث لا مجال للتراجع، لأن الطرف الآخر ليس خصماً سياسياً بل هو "معسكر الكفر والتنديد" الذي تجب ملاحمته.
يسعى النص إلى إعادة تعريف ذات الفرد من كونه مواطناً له تطلعات مستقبلية في الحياة، إلى كونه "محارباً في آخر الزمان". هذا الربط بين الواقع اليومي والملاحم الغيبية يمنح الأتباع شعوراً زائفاً بالأهمية التاريخية والقداسة، حيث يصور لهم أن وقوفهم في صف التنظيم هو تحقيق للنبوءات. هذه "الهوية الملحمية" تعمل كدرع واقٍ ضد الهزائم الميدانية؛ فكل انكسار يُفسر على أنه "ابتلاء" يسبق النصر الموعود في الملاحم، مما يضمن للتنظيم سيطرة مطلقة على مخيلة أتباعه وتوجيه بوصلة "شغلهم الشاغل" نحو الموت في سبيل فكرة غيبية، بدلاً من البناء أو الإصلاح في واقعهم الملموس.
تفكيك الهوية الوطنية والاجتماعية
يمارس المقال هجوماً شرساً ومنظماً على فكرة "الراية الوطنية" والقومية، واصفاً إياها بأنها طريق محتوم نحو "الضياع والهلاك". تهدف هذه الاستراتيجية إلى تجريد الفرد من انتمائه الطبيعي لمجتمعه ودولته، وتصوير الحدود السياسية والرموز الوطنية كأصنام جاهلية تتصادم مع التوحيد. من خلال هذا الطرح، يسعى التنظيم إلى خلق حالة من "الاغتراب الوطني" لدى المسلم، بحيث يشعر أن اعتزازه بوطنه أو دفاعه عن حدوده هو انتقاص من إيمانه، مما يمهد الطريق لنزع الولاء عن الدولة ومؤسساتها وتحويله بالكامل نحو "الكيان التنظيمي" الذي يقدم نفسه كبديل وحيد وشرعي.
يسعى التنظيم من خلال هذا الخطاب إلى هدم مفهوم "المواطنة" القائم على الحقوق والواجبات والمساواة، واستبداله بمفهوم "المعسكر" أو "الفسطاط" الحربي. هذا الانتقال يهدف إلى تحويل الفرد من مواطن فاعل في بناء مجتمعه إلى "جندي عابر للحدود" لا يعترف بجغرافيا ولا بمدنية. إن استبدال الدولة بـ "المعسكر" يعني إلغاء العقد الاجتماعي واستبداله بـ "بيعة" تنظيمية قهرية؛ حيث لا قيمة للإنسان بصفته البشرية أو الوطنية، بل قيمته تنحصر في مدى انصهاره داخل هذا المعسكر القتالي، مما يسهل على التنظيم حشد الأفراد وتوجيههم ككتلة واحدة في صراعات لا تخدم أوطانهم بل تخدم أيديولوجيا التوسع والتدمير.
لا يكتفي النص بمهاجمة الأفكار، بل يتعدى ذلك إلى "تحقير القائلين بها" عبر ترسانة من المصطلحات الإقصائية مثل "الرويبضة"، "الغثاء"، و"القُصاص". هذا الأسلوب يهدف إلى إحداث قطيعة نفسية وفكرية بين الأتباع وبين أي خطاب عقلاني أو ديني معتدل؛ فعندما يوصف المحلل أو الفقيه المخالف بأنه "رويبضة" (وهو التافه الذي يتكلم في أمر العامة)، يتم إغلاق باب الاستماع إليه سلفاً. إنها عملية "تحصين عدواني" تهدف إلى بناء جدار عازل حول عقول الأتباع، بحيث يتم رفض أي نصيحة أو رؤية سياسية مغايرة بوصفها "تخرصات" صادرة عن جهلة أو مضللين، مما يضمن بقاء الأفراد داخل "الغرفة المغلقة" للتنظيم، عاجزين عن رؤية أي واقع خارج سرديته المتطرفة.
البعد النفسي والتحفيز على "العزلة"
يستخدم النص لغة وعظية ذات نبرة يقينية حادة تهدف إلى خلق حالة من "الأمن النفسي الوهمي" لدى الأتباع. فمن خلال مخاطبة القارئ بصفات مثل "السعيد الفطن" و**"الفائز الناجي"**، يمنحه التنظيم شعوراً بالتفوق الأخلاقي والمعرفي على بقية العالم "التائه". هذه الطمأنينة الزائفة تعمل كمخدر موضعي يحمي الفرد من القلق الوجودي الناتج عن تعقيدات الواقع وهزائم الميدان؛ فبمجرد تبني الفرد لرواية التنظيم، يُوهم بأنه امتلك "مفتاح الحقيقة" المطلقة، مما يجعله ينظر إلى العالم الخارجي بعين الشفقة أو الازدراء، وهو ما يعزز لديه الرغبة في الانكفاء داخل "شرنقة التنظيم" هرباً من "تيه" الآخرين المزعوم.
يمارس الخطاب عملية ربط شرطي خطيرة بين الهداية الربانية وبين التواجد المادي في ساحات القتال، عبر الادعاء بأن "الهداية من بيئة الجهاد أقرب، وعن بيئة القعود أبعد". هذه الصيغة تهدف إلى سلب الشرعية الدينية عن أي حياة مدنية مستقرة، وتصوير "القعود" (أي الحياة الطبيعية) كحالة من الضلال الفكري والروحي. ومن الناحية النفسية، يسعى هذا الربط إلى حرمان الفرد من أي مساحة للتفكير في خيارات بديلة أو مراجعة مساره، حيث يُخوّف بأن مجرد خروجه من هذا الحيز القتالي يعني فقدانه لـ "نور الوحي" والسقوط في ظلمات الكفر، مما يحول "الميدان" من خيار عسكري إلى ضرورة روحية للبقاء على قيد الإيمان.
ينجح النص في تحويل عزلة التنظيم وانبوذه دولياً إلى "منحة إلهية" وميزة عقدية. فبدلاً من الاعتراف بالانعزال السياسي، يتم توجيه المتلقي عاطفياً ليعتقد أن مفارقته لجميع الأمم والمعسكرات ("العربية والعبرية والإنجليزية...") هي قمة "التجرد لله". هذا التحفيز على العزلة الشعورية يهدف إلى قطع كافة الروابط العاطفية والاجتماعية التي قد تربط الفرد بأهله أو وطنه أو بني جلدته. فالمسلم في منظور النص هو "غريب" يجد أنسه فقط في "الفسطاط" الذي حدده التنظيم، مما يسهل عملية السيطرة عليه وتوجيهه؛ إذ يصبح كائناً منقطع الجذور، لا يرى لنفسه مستقبلاً إلا من خلال المنظومة القتالية التي يدعي النص أنها "الحبل الوحيد" الذي لا ينقطع وسط أعاصير الفتن.
الخاتمة
في المحصلة، تبرز افتتاحية العدد (540) كآلية دفاعية يسعى التنظيم من خلالها إلى "تنميط" أتباعه وتحويلهم إلى كتل صماء تتحرك بوازع غيبي محض، متجردة من أي انتماء وطني أو إدراك سياسي. إن الخطورة الكامنة في هذا الخطاب لا تقتصر على التحريض القتالي فحسب، بل في قدرته على صناعة "غربة إرادية" تجعل من الفرد عدواً لبيئته ولغته وتاريخه، مقابل وعود وهمية بنصر ملحمي لا يتحقق إلا عبر بوابة الموت والدمار. هو خطاب يقتات على "الأزمات" ويخشى "الوعي"، لأنه يدرك تماماً أن اتصال المسلم بواقعه وفهمه لموازين القوى وتفكيره النقدي، هو أول مسمار في نعش الأيديولوجيا التي تحاول حجب شمس العقل بغربال "التخرصات".
