بالأسماء والاعترافات.. تفاصيل إجهاض أضخم عملية تسلل وتخريب لحركة "حسم"
الأحد 29/مارس/2026 - 03:12 م
طباعة
حسام الحداد
في خطوة تعكس تطور أدوات "الأمن الاستباقي" واستراتيجية التفكيك الصامت، نجحت وزارة الداخلية المصرية في إجهاض واحد من أخطر مخططات حركة "حسم" الإرهابية، التي سعت من خلاله القيادات الفارة إلى تركيا لاستعادة موطئ قدم ميداني داخل البلاد. المخطط الذي تم كشف خيوطه بدقة متناهية، لم يكن مجرد محاولة لاختراق الحدود، بل كان استراتيجية متكاملة تدمج بين التسلل الفعلي عبر الدروب الوعرة، والتدريب العسكري المتقدم في معسكرات خارجية، وبين شن حرب نفسية عبر "بروباجندا" إعلامية تهدف إلى ضرب الروح المعنوية للشارع المصري وزعزعة الاستقرار الاقتصادي والأمني في توقيت دقيق.
ولم تتوقف الضربة الأمنية عند حدود الإحباط الميداني، بل امتدت لتمثل "زلزالاً تنظيمياً" بانتزاع اعترافات مدوية من أحد أثقل العقول المدبرة للحركة، القيادي علي محمود عبد الونيس، الذي سقط في قبضة الأمن بعد رحلة هروب في العمق الأفريقي. هذه الاعترافات، التي بُثت بنبرة غلب عليها الندم والمراجعة، لم تكشف فقط عن تفاصيل المخطط الفاشل لاستهداف الطائرة الرئاسية، بل عرت ما وصفه بـ "حرب الكراسي والسلطة" داخل أروقة الجماعة بالخارج، موجهةً طعنة نافذة للسردية التنظيمية التي طالما غرر بها الشباب، لتضع الحركة برمتها أمام مرحلة جديدة من التآكل الداخلي والارتباك السياسي.
تسلل عبر الحدود ودعاية «صحراوية»
كشف البيان الرسمي لوزارة الداخلية عن تحركات مكثفة تقودها كوادر حركة "حسم" المقيمة في الأراضي التركية، تهدف إلى بعث النشاط الميداني للحركة بعد فترة من الخمول والضربات الأمنية المتلاحقة. وأوضح البيان أن هذه القيادات سعت لتجاوز العوائق الجغرافية عبر التخطيط لعمليات تسلل غير شرعي، من خلال دفع مجموعات من العناصر التي خضعت لتدريبات عسكرية متقدمة وشاقة، مراهنين على استغلال بعض الدروب الوعرة للدخول إلى البلاد بطرق غير قانونية بعيداً عن المنافذ الرسمية، وذلك بهدف تشكيل خلايا عنقودية قادرة على التحرك السريع.
تضمن المخطط جانباً لوجستياً خطيراً تمثل في رصد معسكرات تدريبية أقيمت في مناطق صحراوية نائية بإحدى الدول المجاورة، حيث خضعت العناصر الإرهابية لتدريبات على فنون القتال واستخدام الأسلحة الثقيلة والمتفجرات. ووفقاً للتحقيقات، فإن اختيار هذه المناطق الحدودية كان يهدف إلى تسهيل عملية المناورة والتمويه، وضمان وجود قاعدة إسناد قريبة من الحدود المصرية تسمح للعناصر بالتدريب في بيئة مشابهة للطبيعة الجغرافية التي كانوا يخططون للعمل فيها، مما يرفع من كفاءتهم القتالية قبل ساعة الصفر.
لم يقتصر المخطط على الجانب العسكري الفعلي، بل امتد ليشمل حرباً نفسية ممنهجة عبر إنتاج مواد فيلمية ودعائية عالية الجودة. فقد شرعت الحركة في تصوير تلك التدريبات الصحراوية لإخراج فيديو "بروباجندا" يتوعد بتنفيذ عمليات إرهابية وشيكة تستهدف المنشآت الحيوية. وكان الغرض الأساسي من هذا المحتوى الإعلامي هو توجيه رسائل تهديد للرأي العام، ومحاولة زعزعة الثقة في كفاءة القبضة الأمنية المصرية، في محاولة لإعطاء انطباع زائف عن استعادة الحركة لقوتها وقدرتها على الاختراق الميداني.
رؤوس المخطط: قائمة الإعدامات والمؤبد
كشفت التحقيقات الأمنية الدقيقة أن الخيوط المحركة لهذا النشاط العدائي تنتهي عند أسماء قيادية بارزة مدرجة سلفاً على "قوائم الإرهاب" الوطنية والدولية. هؤلاء المسؤولون المباشرون عن إدارة المخطط من الخارج لم يكونوا مجرد عناصر تنفيذية، بل هم "عقول استراتيجية" تمتلك خبرة طويلة في التخطيط للعمليات النوعية. وتؤكد الأجهزة الأمنية أن استمرار هؤلاء القياديين في ممارسة أنشطتهم التحريضية من الخارج يبرهن على إصرار تلك الكوادر على محاولة اختراق الجبهة الداخلية المصرية، مستغلين نفوذهم داخل الهيكل التنظيمي للحركة لتوجيه الخلايا النائمة.
يبرز اسم يحيى السيد إبراهيم موسى كأحد أخطر الرؤوس المخططة، بصفته أحد المؤسسين والمشرف العام على الهيكل المسلح لحركة "حسم". ولا يقتصر دور موسى على التوجيه الإداري، بل هو العقل المدبر الذي يقف خلف أعنف العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد، وعلى رأسها قضية اغتيال النائب العام الأسبق المستشار هشام بركات. ويحمل موسى سجلاً جنائياً مثقلاً بأحكام الإعدام والمؤبد، لضلوعه في قضايا تمس الأمن القومي، منها محاولة استهداف الطائرة الرئاسية، مما يجعله المحرك الأساسي لأي محاولة تهدف لإعادة إحياء التنظيم عسكرياً.
بالتوازي مع الدور القيادي ليحيى موسى، يظهر اسم محمد رفيق إبراهيم مناع كركيزة أساسية في إدارة المخطط الجديد. ويُصنف مناع كقيادي ميداني محترف، صدرت ضده أحكام بالسجن المؤبد في قضايا تتعلق باستهداف شخصيات عامة وتخطيط لعمليات اغتيال فاشلة. وبالإضافة إلى نشاطه المسلح، كشفت السجلات الأمنية عن براعته في "تزوير المحررات الرسمية"، وهي المهارة التي تستغلها الحركة لتسهيل تحرك عناصرها بجوازات سفر وهويات مزيفة، مما يكشف عن جانب لوجستي خطير كان يهدف لتأمين عبور العناصر المتسللة بعيداً عن الرقابة الأمنية.
«حرب كراسي».. اعترافات القيادي علي عبد الونيس
شهد الملف الأمني تطوراً دراماتيكياً تمثل في الكشف عن ضبط الإرهابي علي محمود محمد عبد الونيس، الذي يعد صيداً ثميناً نظراً لثقله داخل الهيكل التنظيمي كقائد للجناح المسلح والمخطط الرئيسي السابق لعملية استهداف الطائرة الرئاسية. وجاء الإعلان عن تسلمه من إحدى الدول الأفريقية مؤخراً ليؤكد نجاح التنسيق الأمني العابر للحدود وقدرة الدولة المصرية على ملاحقة العناصر الفارة في ملاذات بعيدة، مما شكل صدمة لقيادات الحركة في الخارج الذين اعتقدوا أن كوادرهم الميدانية في مأمن من الملاحقة الدولية.
ظهر عبد الونيس في تسجيلات مصورة بثتها وزارة الداخلية بنبرة مغلفة بالانكسار والمراجعة، حيث لخص تجربته الطويلة في العمل المسلح بعبارات قاسية وصف فيها مسيرته بأنها "عمر ضائع في كلام فاضي". وأكد القيادي المقبوض عليه أن القناعات التي كان يحارب من أجلها تبخرت أمام حقيقة الصراع، واصفاً المشهد بأنه مجرد "حرب على السلطة والكراسي" لا ترتقي للتضحية بقطرة دم واحدة، وهو ما يمثل ضربة معنوية قوية للقواعد الشبابية التي لا تزال تتلقى تعليمات من قيادات الخارج.
في فقرة هي الأكثر صراحة، وجه عبد الونيس رسالة مباشرة وشديدة اللهجة إلى قيادات جماعة الإخوان في الخارج، مطالباً إياهم بالتوقف الفوري عما وصفه بـ "المقامرة بمستقبل الشباب". وشدد في اعترافاته على أن القيادات تعيش في رغد بعيداً عن الميدان، بينما يدفع العناصر والشباب المغرر بهم ثمن هذه الطموحات السياسية خلف قضبان السجون أو في مواجهات خاسرة. واختتم شهادته بالتأكيد على أن هذا الصراع لم يعد له صلة بأي مبادئ، بل هو صراع نفوذ ومكاسب شخصية يدفع ثمنه "الجنود" في القاعدة التنظيمية.
الوضع الميداني والسياسي
أكدت وزارة الداخلية أن نجاح هذه العملية لم يكن وليد صدفة ميدانية، بل جاء ثمرة تنسيق استخباراتي رفيع المستوى ومعقد، اعتمد بشكل أساسي على ما يُعرف بـ "الأمن الاستباقي". اللافت في هذا الإعلان هو عدم تسجيل أي مداهمات صاخبة أو اشتباكات مسلحة مباشرة اليوم، مما يشير إلى أن الأجهزة الأمنية نجحت في "تفكيك المخطط معلوماتياً" وتجفيف منابعه من خلال رصد الاتصالات وتتبع التحركات العابرة للحدود. هذا الأسلوب أدى إلى شل حركة الخلايا والقبض على ركائزها الأساسية في صمت، مما يعكس تطوراً كبيراً في قدرة الدولة على تحييد المخاطر قبل وصولها لمرحلة التنفيذ الميداني.
وعلى الصعيد السياسي، ساد حالة من "الصمت المطبق" داخل أروقة جماعة الإخوان المسلمين، حيث لم يصدر أي تعليق رسمي أو بيان ينفي أو يثبت صلتها بالتحركات الأخيرة حتى ساعة إعداد هذا التقرير، وهو ما فسره مراقبون بأنه ارتباك في صفوف القيادة بالخارج بعد تسليم أحد أهم كوادرها. وفي المقابل، ضجت منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية والفضائيات بتفاصيل الاعترافات، وسط إشادات واسعة بيقظة قطاع الأمن الوطني وقدرته على تأمين المقدرات الاقتصادية والأمنية للدولة في ظل تحديات إقليمية معقدة، مما عزز من حالة الطمأنينة العامة في الشارع المصري.
تأتي هذه التطورات لتؤكد رسالة الدولة المصرية الصارمة بشأن استمرار ملاحقة كافة العناصر الهاربة والمتورطة في قضايا إرهابية، بغض النظر عن أماكن تواجدها أو المدد الزمنية المنقضية. ويُعد إحباط هذا المخطط تحديداً بمثابة رسالة حاسمة بقطع الطريق أمام أي محاولات يائسة لإعادة إحياء التنظيمات المسلحة أو بناء هياكل بديلة. ومن خلال إحكام السيطرة الكاملة على الوضع الأمني الداخلي وتأمين الحدود، تضع الدولة نهاية لمحاولات التسلل النوعي، مؤكدة أن العمق المصري بات محصناً ضد أي اختراقات تستهدف تقويض مسيرة الاستقرار الجارية.
