د اكرم حبيب هناك نبوات عن اسرائيل وايران في الكتاب المقدس (2)
الإثنين 30/مارس/2026 - 10:54 ص
طباعة
روبير الفارس
في الجزء الأول من حوارنا مع المفسر الدكتور أكرم حبيب تحدثنا عن تقاطع النبوة والحرب في الكتاب المقدس، وفي هذا الجزء نناقش أمثلة لمفسرين أخطأوا في تفسير النبوات.
ما الذي يدفعنا أن نبحث في الكتاب المقدس عن تفسيرات نبوية للأحداث؟ يقولون إنه يجب الفصل بين المجالين، وأنه لا يجب تسييس الدين، ألا توافق على هذا؟
بالتأكيد الهدف ليس تسييس الدين، فنحن لا نعرف هذا المبدأ. ولكن مرة أخرى موضع اهتمامنا الوحيد هو الكتاب المقدس، كل الكتاب، بما فيه من نبوات، وهي كثيرة. فلننسَ السياسة قليلًا، ونركز في الكتاب المقدس الذي نؤمن به، ونعتمد عليه في حياتنا. لو اتفقنا أنه توجد نبوات في الكتاب المقدس، فهل يكون المطلوب منا أن نتجاهلها؟ البعض يرسلون رسائل لي ويطالبونني صراحة بتجاهل هذا المكوّن والتركيز على باقي تعاليم الكتاب المقدس، وهذا أمر لا يرتضيه ضميري. إذا كان في الكتاب المقدس نبوات، فعليّ أن أهتم بها، وأعرفها، وأدرسها، وأتعلم منها. قد يراها البعض أنها تتماس مع السياسة، ولكن لا شأن لي بما يعتقدونه أو بما يرونه. لا يجب أن نتجاهل النبوات الكتابية حتى ولو اتهمنا البعض بأنه تدخل في عالم السياسة. تجاهل النبوات الكتابية أو الجهل بها خطية أمام الله. والرب يسوع وبّخ علماء اليهود قديمًا لأنهم فشلوا في فهم بعض النبوات الكتابية، فما بالك بمن يتجاهلها عمدًا حتى لا يُتهم بأنه يُسيّس الدين؟ نعم، في إنجيل متى الإصحاح 16، وبّخ السيد المسيح علماء اليهود لهذا الخطأ، واتهمهم بأنهم جيل فاسق وشرير، وفي إنجيل لوقا دعاهم مرائين للسبب نفسه، وتعجب من جهلهم بفهم النبوات، وقال لهم قوله الشهير: «إذا رأيتم السحاب تطلع من المغارب فللوقت تقولون: إنه يأتي مطر، فيكون هكذا، وإذا رأيتم ريح الجنوب تهب تقولون: إنه سيكون حر، فيكون. يا مراؤون! تعرفون أن تميزوا وجه الأرض والسماء، وأما هذا الزمان فكيف لا تميزونه؟».
2- كيف نفرّق بين القراءة الروحية للنصوص المقدسة والقراءة السياسية التي تُسقط الواقع الحالي على النبوات؟
كلمة «روحية» كلمة مطاطة للأسف تُستخدم في غير موضعها، أو بالأحرى يُساء استخدامها. أما القول بوجود قراءة سياسية للكتاب المقدس، فهذا أمر مهم ويجب توضيحه بدقة، وإن كنت أعتقد أن هذا القول من قبيل الحق الذي يُراد به الباطل. نحن لا نقرأ الكتاب المقدس ولا نفسره بأهداف سياسية مسبقة، فهذا مرفوض، بل مستحيل أن نقوم به، لأن فعل ذلك أولًا إهانة للكتاب المقدس. رسالتنا في الحياة هي الكتاب المقدس، وليس الشأن السياسي. لا توجد لدينا أي أجندة سياسية ولا أهداف سياسية، بل هدفنا الوحيد هو الكتاب المقدس فقط، لأنه الكتاب الذي يحمل رسائل الله لنا، فكيف نهمله أو نتهاون معه؟
وفي رسالة تيموثاوس الثانية الإصحاح الثالث مكتوب أن كل الكتاب هو موحى به من الله، وأنه نافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر، فنحن لا نرفض ولا نتجاهل أي جزء من الكتاب المقدس.
أقول هذا لأنه لا يمكن لأي مفكر عاقل أن ينكر أن الكتاب المقدس يحتوي على العديد من الأمور، فهو ليس مجرد كتاب نسكي صوفي كما يحاول البعض أن يصوره، بل هو كتاب شامل يحتوي على نصائح، وعلى تاريخ، وعلى أشعار، وعلى نبوات، وعلى أمور يمكن أن تُوصف بأنها من قبيل الشأن السياسي أيضًا.
العديد من تعاليم الكتاب المقدس تتناول حقائق سياسية لا تزال تبدو معاصرة للغاية؛ فالكتاب يتحدث كثيرًا عن السلطة، وعن الإمبراطورية، وعن العدالة، وعن القومية، وعن الحرب، بل وعن العلاقة بين الدين والدولة. وبينما لا يُعدّ الكتاب المقدس كتابًا في العلوم السياسية، إلا أن هناك نصوصًا تتناول مواضيع سياسية، وأغلبها لا يزال وثيق الصلة بواقعنا اليوم.
فعندما يعلمنا الرب يسوع قائلًا: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» (في إنجيل متى الإصحاح 22، الآية 21)، أليس هذا متعلقًا بضبط العلاقة بين الدين والدولة؟ وكذلك عندما تتحدث رسالة رومية (رومية 13) في نص مطول عن أهمية الخضوع للسلاطين السياسية وأجهزة الحكم، وتقول إن السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، وإن من يقاومونها «سيأخذون لأنفسهم دينونة»، أليس هذا حديثًا في الشأن السياسي، بل والمعاصر؟
كما تتحدث نبوة ميخا عن أهمية تحقيق العدل ورعاية الضعفاء، وتدعونا نبوة إشعياء صارخة: «اطلبوا العدل، أصلحوا الظلم…». أليست هذه مواضيع رئيسية في الخطاب السياسي اليوم؟ وعندما يحذرنا سفر صموئيل الأول (الإصحاح الثامن) من انحراف الحكم الملوكي، أليس هذا أيضًا حديثًا سياسيًا؟
ثم إن غالبية النصوص النبوية في الكتاب المقدس تثير أمورًا يمكن وصفها بالشأن السياسي الخالص. ألا تُعدّ نبوة دانيال 7 في صميم القضايا السياسية الحساسة؟ ألم يتنبأ دانيال أمام الإمبراطور بسقوط أنظمة وإمبراطوريات؟ لقد فسر دانيال للملك نبوخذنصر الرؤيا النبوية بوضوح، وكشف للملك بلشاصر النبوة، وشرحها في أيام داريوس المادي، واستخدم الكتاب المقدس مصطلح «الوحش» للإشارة إلى الإمبراطوريات القمعية. الحديث كان واضحًا عن أنظمة شمولية وقمع سياسي ومقاومة للظلم.
وأهم الأجزاء التي قد يراها البعض سياسية هي النصوص النبوية، مع أن ثلث الكتاب المقدس نبوات. فماذا نفعل؟ هل نرفضها أو نتجاهلها؟
أعتقد أن أكثر الفئات تسييسًا في تعاملها مع قضايا الكتاب المقدس هم من يهاجمون المنهج النبوي الكتابي. هجومهم على التمسك بالنبوات ينطلق من منطلق سياسي واضح، فهم يسعون إلى دعم سرديات سياسية معينة.
3- هل يحتوي الكتاب المقدس بالفعل على إشارات يمكن ربطها بصراعات معاصرة مثل الصراع بين إسرائيل وإيران؟
نعم، توجد العديد من النبوات الكتابية التي تتحدث عن صراعات وحروب بين دول. بعضها يتناول الحروب بشكل عام، وأغلبها يحدد أطرافها بوضوح، ودولًا تاريخية ما زالت موجودة حتى اليوم بالاسم والموقع، ومنها مصر. بعض النبوات تبدو غامضة لأنها كُتبت منذ آلاف السنين عن كيانات لم تكن دولًا بالمعنى الحديث وقتها، لكن الغالبية تتحدث عن دول معروفة.
خذ مثلًا نبوة حزقيال عن حروب مصر، المعروفة بحروب تمساح النيل العظيم، وهي نبوة طويلة ومفصلة جدًا، تمتد من حزقيال 29 إلى 32، في 97 آية تقريبًا، ويُذكر فيها اسم مصر ستًا وثلاثين مرة، وتبدأ بقول: «يا ابن آدم، اجعل وجهك نحو فرعون ملك مصر وتنبأ عليه وعلى مصر كلها». فكيف نتجاهل نبوة بهذا التفصيل؟
وغالبية هذه الحروب تتعلق بموسم المجيء الثاني للسيد المسيح، أو ما يُسمى بالأيام الأخيرة. وعندما حصل دانيال على هذه النبوات، قيل له: «جئت لأفهمك ما يصيب شعبك في الأيام الأخيرة»، وكلمة «شعبك» تعني شعب إسرائيل.
أغلب نبوات الأيام الأخيرة تتعلق بإسرائيل، ومنها ما يُعرف بمعركة هرمجدون. وفي دانيال 11 نجد حديثًا عن حروب ضد إسرائيل يقود إحداها «ملك الجنوب»، ونعتقد أنه ملك مصر لأنها جنوب إسرائيل. ونصلي ألا تنجر مصر إلى حروب جديدة.
الخلاصة: نعم، يحتوي الكتاب المقدس على إشارات يمكن ربطها بصراعات معاصرة مثل الصراع بين إسرائيل وإيران، وهي ليست مجرد إشارات، بل نبوات واضحة ومحددة.
