د. أكرم حبيب: هذه حقيقة نبوات زوال إسرائيل في الكتاب المقدس (3)

الإثنين 30/مارس/2026 - 10:58 ص
طباعة د. أكرم حبيب:  هذه روبير الفارس
 
نستكمل في الجزء الثالث والأخير من حوارنا مع المفسر الدكتور أكرم حبيب، الذي يتميز بمنهج منفرد يقوم على أساس لاهوتي وعلمي، لندخل إلى المناطق الخطيرة في تقاطع السياسة والنبوة.

ما هي الضوابط العلمية واللاهوتية التي يجب الالتزام بها عند تفسير النبوات؟
طبعًا معك كل الحق، وبالتأكيد توجد العديد من الضوابط أو القواعد العلمية التي نلتزم بها عند تفسير النبوات، بل وغير النبوات في الكتاب المقدس. الضوابط عديدة؛ بعضها روحي يتعلق بشخصية المفسر وروحانياته وأهمية الصلاة وغيرها، لأن تفسير الكتاب المقدس ليس عملًا أكاديميًا صرفًا، بل هو عمل روحي، وعلى المفسر أن يكون منساقًا بالروح القدس قدر الإمكان.
أما الضوابط الأخرى فهي مبادئ علمية، وسأكتفي بذكر ما أعتقد أنها أهم أربعة ضوابط:

المبدأ الأول: ما جاء في رسالة بطرس الثانية، الإصحاح الأول: «عالمين هذا أولًا: أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس». أي أننا يجب أن نتخلى تمامًا عن أفكارنا المسبقة، أو معتقداتنا السياسية أو الفكرية، أو مصالحنا الشخصية، بل وحتى مخاوفنا الأمنية وتحفظاتنا السياسية قبل أن نفسر النبوة، فلا يوجد تفسير خاص للنبوة، ولا يجب أن يوجد ما يمكن أن نسميه «ترزية النبوات».

المبدأ الثاني: الفهم الدقيق، والدقيق جدًا، وأعني الفهم اللغوي للنص المكتوب. ولكي نحقق هذا المبدأ علينا أن نعود إلى اللغات الأصلية التي كُتبت بها نبوات الكتاب المقدس، فلا يجوز التفسير بناءً على ترجمة عربية أو إنجليزية فقط، بل لا بد من العودة إلى النص الأصلي، سواء العبري للعهد القديم أو اليوناني للعهد الجديد.

المبدأ الثالث: ما يُعرف في علم التفسير بالقرينة الكتابية، وهو مبدأ مبني على قول رسالة كورنثوس الأولى: «قارنين الروحيات بالروحيات». وأفضل تفسير للكتاب المقدس هو الكتاب المقدس نفسه، أي تفسير النص في ضوء نصوص أخرى، بما يحقق فهمًا متماسكًا للوحي كله.

المبدأ الرابع: تجنب التكهنات واليقين الزائف، خاصة في تحديد المواعيد والأزمنة. وتظل كلمات الرب يسوع قبل صعوده ترن في آذاننا: «ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه». لسنا مطالبين بتحديد مواعيد دقيقة، بل بالثقة في سيادة الله. وحتى دانيال النبي قال: «وأنا سمعت وما فهمت».

**هل هناك نماذج تاريخية أسيء فيها تفسير النبوات وربطها بأحداث سياسية ثم ثبت خطأ ذلك؟
نعم، حدث هذا مرات عدة، وغالبًا ما كان يتعلق بتحديد تواريخ لمجيء المسيح الثاني، رغم تحذير الرب في إنجيل متى 24: 36.
من الأمثلة: جون ويسلي الذي اقترح جدولًا زمنيًا يشير إلى أن حكم المسيح سيبدأ عام 1836م، ولم يحدث ذلك.
وكذلك ويليام ميلر في الولايات المتحدة، الذي حدد عام 1843م ثم 1844م موعدًا للمجيء الثاني، ولم يتحقق ذلك، فيما عُرف لاحقًا باسم «خيبة الأمل الكبرى».

يروج البعض لفكرة وجود نبوءات عن زوال إسرائيل، هل لهذا الكلام أساس كتابي؟
أقول بوضوح: نبوة زوال إسرائيل لا أساس لها في الكتاب المقدس، لا من قريب ولا من بعيد.
على العكس، الكتاب المقدس يتحدث عن عودة إسرائيل إلى مجدها الروحي، وعن يقظة يتبعها استقرار اجتماعي وسياسي.
صحيح أن هناك نصوصًا تتحدث عن دينونة وتأديب ومعاناة، وقد يصل الأمر إلى موت كثيرين، لكن لا يوجد نص يتحدث عن فناء تام أو زوال نهائي. بل توجد نصوص عديدة تؤكد البقاء والاستعادة.

من أبرزها نبوة زكريا (الإصحاح 13: 8-9) التي تتحدث عن تأديب شديد، لكنها تنتهي بعودة الشعب إلى الرب.
وكذلك نبوة «وادي العظام اليابسة» في حزقيال 37، التي تتحدث عن إحياء بعد موت رمزي، وعن جمع الشعب من الأمم وإعادتهم إلى أرضهم، وتكرار تعبير «إلى الأبد» أكثر من مرة، بما يؤكد الاستمرارية لا الزوال.
وفي رومية 11: 25-26 نجد الحديث عن أن «جميع إسرائيل سيخلص».

هل يتحدث الكتاب المقدس عن نهاية كيان سياسي بعينه؟
لا توجد نبوة تتحدث عن زوال كيان سياسي بعينه، لا إسرائيل ولا غيرها.
النبوات قد تتحدث عن تغيرات في أدوار دول وكيانات، لكنها لا تعلن فناء شعوب. وهي جميعًا تدور حول شخص المسيح ومجيئه، سواء الأول الذي تم، أو الثاني المنتظر.

وماذا عن التفسير الرمزي للنبوات؟
نحن لا ننكر وجود الرمزية في الكتاب المقدس، لكنها لا تُلغي المعنى الحرفي.
فالنبوة، بحسب تعريفها الكتابي، إعلان مسبق عن حدث سيقع فعلًا. ويؤكد سفر التثنية 18: 21-22 أن تحقق النبوة حرفيًا هو معيار صدقها.
والنبوات التي تمت في الماضي — مثل سقوط أورشليم والسبي البابلي، أو عودة الشعب بمرسوم كورش — تمت حرفيًا لا رمزيًا.

خذ مثال نبوة إشعياء 17 عن دمشق: «هوذا دمشق تزال من بين المدن وتكون رجمة ردم». النص واضح في حديثه عن مدينة حقيقية. واللجوء إلى تفسير رمزي بحت يفرغ النبوة من معناها الأصلي. يمكن قبول التأمل الرمزي كتطبيق روحي، لكن ليس كبديل عن التفسير الحرفي.

وفي الختام، نحن لا نهرب من النصوص الصعبة، ولا نلجأ إلى إسقاطات رمزية لتجنب الحرج، بل نقبل ما أعلنه الله في كلمته، ونحوّل النبوات إلى موضوع صلاة، من أجل الشعوب، ومن أجل السلام، ومن أجل أن تتم مشيئة الله كما أعلنها.

شارك