مقتل خبراء حوثيين في العراق.. يكشف أبعاد التنسيق مع "الحشد" واستراتيجية "وحدة الساحات"

الثلاثاء 31/مارس/2026 - 12:24 م
طباعة مقتل خبراء حوثيين فاطمة عبدالغني
 
في تطور يعكس عمق التنسيق اللوجستي والعسكري بين الأذرع الإيرانية في المنطقة، شكل يوم 30 مارس 2026 نقطة تحول لافتة، إذ أسفرت سلسلة غارات جوية أمريكية دقيقة عن مقتل سبعة من أبرز خبراء مليشيا الحوثي داخل الأراضي العراقية، وتأتي هذه الضربة التي استهدفت مواقع تابعة لفصائل "الحشد الشعبي"، في سياق تصعيد عسكري متواصل يرمي إلى تفكيك شبكات الطيران المسير وضرب البنية التحتية العابرة للحدود التي يعتمد عليها محور طهران.

تفاصيل الضربة: استهداف العقول المدبرة للمسيرات

كشفت المعلومات الاستخباراتية الواردة من مصادر يمنية وعراقية متطابقة أن القصف، الذي نفذته القيادة المركزية الأمريكية، تركز على منشآت حيوية للتدريب والصيانة تتبع لحركة "النجباء" العراقية، وقد استهدفت الغارات غرف عمليات مشتركة، مما أسفر عن مقتل نخبة من الكوادر الحوثية، انقسموا إلى فئتين:

أربع قيادات عسكرية رفيعة: كانت تتولى مهام الإشراف على التنسيق الميداني وتطوير برمجيات الطيران المسير.

ثلاثة خبراء فنيين: تركزت مهامهم في تشغيل وصيانة الطائرات دون طيار بعيدة المدى.

خريطة التواجد الحوثي واستراتيجية "وحدة الساحات"

لم يكن هؤلاء السبعة سوى جزء من شبكة أوسع، إذ أماطت التقارير الاستخباراتية اللثام عن وجود أكثر من 22 قيادياً عسكرياً حوثياً داخل الأراضي العراقية حتى تاريخ الضربة، ينخرط هؤلاء في برامج تدريب وتسليح مشتركة لتحقيق أهداف استراتيجية تتلخص في:

تبادل الخبرات القتالية وتطوير المنظومات العسكرية خارج الجغرافيا اليمنية.

تأمين وتسهيل خطوط الإمداد اللوجستي والعسكري من العراق إلى اليمن عبر شبكة معقدة من الممرات البرية والبحرية.

التنسيق الميداني المباشر لتفعيل استراتيجية "وحدة الساحات"، وهي خطة مركزية يشرف عليها "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، تهدف إلى توحيد تحركات المليشيات الموالية لطهران لخدمة مصالحها الإقليمية.

ومن المنظور الأمريكي، تأتي هذه الضربات كضرورة حتمية لحماية المصالح الغربية في المنطقة، ولقطع شرايين الإمداد التي باتت تهدد الملاحة الدولية والأمن الإقليمي، لا سيما مع وتيرة التصعيد المتصاعدة منذ أواخر فبراير الماضي.

الحوثيون والحشد الشعبي: جذور التحالف والتوسع

لم تنشأ هذه العلاقة المعقدة بين ليلة وضحاها. فباعتبارها سلطة أمر واقع غير معترف بها دولياً (باستثناء إيران وسوريا)، وجدت مليشيا الحوثي في الفصائل شبه الحكومية الموالية لطهران في العراق متنفساً حيوياً وشريكًا استراتيجيًا.

تعود البدايات الموثقة لهذا التنسيق إلى عام 2012، حين أرسل الحوثيون مقاتلين للقتال في سوريا جنباً إلى جنب مع المليشيات العراقية واللبنانية دعماً لنظام الأسد. ومع تدخل التحالف العربي في اليمن عام 2015، أوفد الحوثيون وفداً رفيعاً إلى بغداد لطلب الدعم الشامل، وتحديداً من قوات "الحشد الشعبي".

تطورت هذه الروابط لتثمر عن افتتاح مكتب سياسي حوثي في بغداد، وتأسيس علاقات متينة مع فصائل كبرى مثل (كتائب حزب الله، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، عصائب أهل الحق، منظمة بدر، وألوية الوعد الحق). وباتت قواعد الحشد تستضيف سراً مئات العناصر الحوثية للتدريب المتبادل. وقد تجلى عمق هذا التواجد مسبقاً في مقتل ضابط الصواريخ الحوثي "حسين مستور الشعبل" مع ستة آخرين في غارة أمريكية استهدفت منشأة لكتائب حزب الله في "جرف الصخر" في يوليو 2024. وفي سبتمبر من العام ذاته، برز مؤشر خطير آخر بنقل نحو 50 مقاتلاً حوثياً من منطقة "البوكمال" العراقية إلى سوريا بتنسيق مع الحشد، في رسالة تحدٍ واضحة لإسرائيل وتأكيدٍ على القدرة العملياتية المشتركة.

المصالح المتبادلة: تبادل التقنية مقابل الجغرافيا والتمويل

تتقاطع رؤى الفصائل العراقية واليمنية في عدائها للولايات المتحدة وإسرائيل، وسعيها للهيمنة الداخلية، وتبنيها لأجندة توسعية مغلفة بخطاب "المقاومة"، وكل ذلك تحت رعاية وإدارة مباشرة من الحرس الثوري الإيراني. هذا التقاطع الأيديولوجي ترجم إلى منافع عسكرية ومادية متبادلة:

ماذا يقدم الحوثيون للحشد؟
بفضل الدعم الإيراني وتدريبات حزب الله، راكم الحوثيون خلال عقدين خبرة واسعة في تجميع وتعديل الطائرات المسيرة (كنسخ "شاهد" و"صماد") والصواريخ الموجهة باستخدام مكونات مهربة للالتفاف على الحصار. كما يمتلكون خبرة في إسقاط الطائرات الأمريكية المسيرة (أكثر من 14 طائرة). هذه الخبرات نُقلت للفصائل العراقية التي استخدمتها لاحقاً لتعزيز دفاعاتها الجوية وإسقاط طائرات أمريكية منذ أواخر 2023.

ماذا يقدم العراق للحوثيين؟
يمثل العراق رئة جيوسياسية واقتصادية للحوثيين، ويقدم لهم مزايا استراتيجية تشمل:

الجغرافيا المهددة: الحدود العراقية-السعودية الطويلة (811 كم) وفرت نقطة انطلاق لهجمات بأسلوب المقايضة، أبرزها الهجوم المعقد على منشآت "أرامكو" (بقيق وخريص) عام 2019، والذي أثبتت التحقيقات الأممية أنه انطلق من الشمال (العراق أو إيران) وليس من اليمن، ونفذته فصائل عراقية بالنيابة عن الحوثيين، وهو سيناريو هددت فصائل عراقية بتكراره مراراً.

شرايين التهريب: تستخدم الأراضي العراقية لتهريب الأسلحة وإمداد الحوثيين بوقود عراقي مجاني أو مدعوم. تُشحن هذه المواد من البصرة إلى الحديدة عبر موانئ وسيطة باستخدام وثائق مزورة. (قدرت الأمم المتحدة عام 2019 حجم النفط الإيراني المنقول للحوثيين بـ 24.4 مليون دولار شهرياً).

تسهيل حركة الأفراد: يتم نقل المقاتلين الحوثيين بجوازات سفر مزورة عبر مطار صنعاء إلى العاصمة الأردنية عمّان، ومنها سراً إلى العراق بشكل أسرع من مسارات التهريب السابقة التي كانت تعتمد على عُمان.

التمويل وغسيل الأموال: تحول العراق إلى منصة حيوية لجمع التبرعات لصالح القوة الصاروخية الحوثية، عبر حملات علنية يقودها قادة فصائل عراقية (مثل قيس الخزعلي وأبو علي العسكري). وتعد هذه الأنشطة آليات ممنهجة للتهرب من الرقابة الدولية على غسيل الأموال، حيث تُنقل الأموال عبر شبكات "الحوالة" المعقدة.
ويرى المراقبون أن هذه الديناميكيات المتشابكة أثمرت عن تحول استراتيجي في طبيعة المليشيا الحوثية؛ فمن حركة تمرد محلية في جبال صعدة، أعادت تقديم نفسها كفاعل عسكري عابر للحدود، قادر على ضرب أهداف تبعد 1800 كيلومتر (في إسرائيل)، وإرباك حركة التجارة العالمية، وتهديد دول الخليج. ومع ذلك، تشير التطورات والضربات الدقيقة الأخيرة إلى أن مسار هذا التمدد بدأ يواجه تعقيدات وتحديات نوعية غير مسبوقة.

شارك