من الرمز إلى النزف: أسبوع الآلام يتحول إلى حقيقة يعيشها مسيحيو سوريا
الأربعاء 01/أبريل/2026 - 10:56 ص
طباعة
روبير الفارس
في مشهد يعكس حجم القلق الذي يعيشه المسيحيوّن في سوريا، عقد بطاركة الكنائس الثلاث الكبرى اجتماعاً في دار بطريركية الروم الأرثوذكس ضم كلاً من غبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، وقداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، وغبطة البطريرك يوسف العبسي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك.
الاجتماع جاء على خلفية التطورات الأخيرة، ولا سيما الأحداث التي شهدتها مدينة السقيلبية بريف حماة، حيث تعرّضت ممتلكات خاصة وأماكن دينية لاعتداءات، بينها إطلاق نار على مقام السيدة العذراء، وفق ما ورد في بيان البطريركية. وقد أثارت الحادثة موجة غضب شعبية امتدت إلى دمشق، حيث تجمع محتجون أمام أبواب البطريركية حتى ساعات متأخرة من الليل.
وفي خطوة لافتة تعكس حساسية المرحلة، وجّه البطاركة تهانيهم بعيد القيامة، داعين إلى أن تقتصر الاحتفالات على الصلوات داخل الكنائس فقط، من دون مظاهر احتفالية عامة. هذا القرار فُسِّر على أنه إجراء احترازي أمني من جهة، ورسالة ضمنية عن حجم القلق من جهة أخرى، خصوصاً في ظل تكرار حوادث وُصفت رسمياً بأنها “فردية”، فيما ترى المرجعيات الكنسية أنها ليست بالضرورة كذلك.
البيان الصادر عن بطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس أدان الاعتداءات “بأقسى العبارات”، وطالب بفتح تحقيق رسمي ومحاسبة المتورطين، وإبلاغ البطريركية بنتائج التحقيق، إضافة إلى التعويض على المتضررين، والعمل الجاد على منع تكرار مثل هذه الأحداث عبر ضبط السلاح المتفلّت، وتحمل الدولة وحدها مسؤولية حفظ السلم الأهلي.
كما شدد البيان على أن الكرامة الوطنية تُبنى بمنطق المواطنة والتكامل بين جميع الأطياف، لا بمنطق الأكثرية والأقلية، في إشارة واضحة إلى المخاوف من تنامي خطاب طائفي يهدد الصيغة التاريخية للتعايش في البلاد.
بالتوازي مع المواقف الرسمية، برزت رسالة مفتوحة موجهة إلى البطاركة حملت نبرة غير مسبوقة من النقد، عبّرت عن حالة إحباط متزايدة داخل الشارع المسيحي. الرسالة اتهمت المرجعيات الروحية بالتردد والصمت إزاء ما يجري، ودعتها إلى الانتقال من “لغة البيانات العامة” إلى “مواقف واضحة وشجاعة”، معتبرة أن الثقة الشعبية باتت على المحك.
وتحدثت الرسالة عن إرهاق اقتصادي واجتماعي يطال العائلات، وعن شعور بالعجز والقلق من المستقبل، في ظل ما وصفته بازدواجية المعايير وارتهان الموقف الكنسي للسلطات، وهو ما يعكس فجوة آخذة بالاتساع بين جزء من القاعدة الشعبية وقياداتها الدينية.
منذ وصول الجولاني
ومنذ وصول أبو محمد الجولاني إلى سدة الحكم ضمن التحولات السياسية الأخيرة، يعيش المسيحيون في سوريا حالة ترقب وحذر. فعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي تؤكد احترام التعددية الدينية، إلا أن الوقائع الميدانية – بحسب بيانات الكنائس – تشير إلى استمرار حوادث الاعتداء والترهيب، وتكرار توصيفها كحالات فردية، ما يثير مخاوف من غياب معالجة جذرية.
ويرى مراقبون أن التحولات السياسية ذات الخلفية الاصولية المتشددة سابقاً تجعل الأقليات الدينية، وفي مقدمتها المسيحيون، أكثر حساسية تجاه أي انفلات أمني أو خطاب تعبوي، خاصة في مناطق مختلطة. كما أن تراجع المظاهر الاحتفالية العلنية في أسبوع الآلام والقيامة يحمل دلالة رمزية عميقة، إذ يُعد هذا الموسم من أبرز المناسبات الدينية والاجتماعية في الوجدان المسيحي السوري.
بين الصمود والهجرة
المسيحيون الذين تناقص عددهم خلال سنوات الحرب الماضية يواجهون اليوم تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على وجودهم التاريخي في بلد يُعد مهد الكنيسة الأنطاكية، وضمان أمنهم وكرامتهم في ظل واقع سياسي وأمني غير مستقر. وبين دعوات الكنيسة إلى الصلاة والسلام، وأصوات شعبية تطالب بمواقف أكثر صرامة، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الدولة على طمأنة مكون أساسي من نسيجها الوطني.
وفي ختام بيانها، أعادت البطريركية التأكيد على عبارة بطريركها: “كفانا دماً في سوريا”، في تلخيص مكثف لحالة الإرهاق الوطني العام، ولرغبة جماعية في عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر، حفاظاً على ما تبقى من العيش المشترك في بلد أنهكته السنوات العصيبة.
