الأيقونة والخط بين الدين والسياسة... شربل داغر يطرح الأسئلة الشائكة
الخميس 02/أبريل/2026 - 11:54 ص
طباعة
روبير الفارس
في كتابه «الأيقونة، وأقلام الخط، واللوحة: الصورة بين الدين والسياسة» يطرح الناقد والباحث اللبناني البروفسور "شربل داغر" مشروعاً فكرياً طموحاً يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ الصورة في المشرق العربي، متجاوزاً القراءات الاختزالية التي حصرت الفن الإسلامي في الزخرفة والخط، أو فصلت بين التصوير المسيحي والإسلامي باعتبارهما عالمين منفصلين. حيث
ينطلق داغر من ملاحظة لافتة: كما لا يجد الباحثون حرجاً في ربط فن اللوحة الزيتية في بغداد القرن العشرين بصور العصور الواسطي في القرن الثالث عشر، أو ربط الخط العربي منذ مصحف عثمان بمدرسة الحروفية الحديثة، فلماذا يُستبعد الربط بين تجليات التصوير المسيحي في القرون الأولى، وبين ما تلاها من تعبيرات تصويرية في ظل الدولة الإسلامية؟
ويطرح المؤلف سؤالاً إشكالياً مركزياً:
هل استمرت تقاليد الصورة المسيحية بعد قيام دولة الإسلام؟ وهل أثّرت في ما اصطلح على تسميته بالتصوير الإسلامي؟
وهو يوسّع السؤال ليشمل العلاقة بين الدين والسياسة:
هل يمكن فصل خيوط العقيدة عن خيوط السلطة في تشكل «سياسات الصورة»؟ أم أن الصورة كانت دوماً ساحة صراع بين الإيمان والهيمنة؟
يعالج القسم الأول من الكتاب حقبة الغلبة الإسلامية، خصوصاً العهد الأموي، متوقفاً عند تحولات الصورة في: النقود الإسلامية الأولى و القصور الأموية في بادية الشام والزخارف والفسيفساء في المساجد
والأيقونات في الأديرة والكنائس
ويشير داغر إلى أن «الكشوفات» الأثرية في القصور الأموية، وكذلك النقود المبكرة، كشفت عن حضور صوري لم يكن معروفاً، بل بدا مناقضاً لفكرة «تحريم الصورة» السائدة في الخطاب الفقهي المتأخر. وهنا يلمّح إلى أن تكسير الأصنام في مكة لم يتحول فوراً إلى نظرية فنية مكتملة، بل ظل موضوع الصورة محل تفاوض وصراع.
كما يضع المؤلف مسألة «حرب الأيقونات» البيزنطية في سياقها الموازي للحقبة الأموية، متسائلاً إن كانت مجرد صراع لاهوتي داخلي أم جزءاً من توتر أوسع بين عالمين متجاورين: البيزنطي والإسلامي.
« الصورة» كصراع دائم
يرى داغر أن الصورة لم تكن يوماً مسألة فنية محضة، بل قضية سياسية-عقائدية. فالدولة – سواء مسيحية أم إسلامية – لعبت دوراً حاسماً في تحديد ما يجوز تمثيله وما يُحظر. ومن هنا يتحدث عن «إدارة المقدس» أكثر من حديثه عن تحريم مطلق.
ويؤكد أن الصورة ظلت موضوع نزاع داخل المعتقد الواحد نفسه، ما بين الإباحة والتحفظ، وبين الإنتاج والكفّ عنه.
العهد العثماني: من الأيقونة إلى اللوحة الزيتية
في القسم الثاني، ينتقل الكتاب إلى الحقبة العثمانية، متسائلاً:
هل انتهى الصراع حول الصورة بعد فتح القسطنطينية؟ أم تغيّر شكله؟
يلفت داغر إلى استقدام سلاطين عثمانيين مصورين إيطاليين إلى البلاط، وهو ما مثّل انفتاحاً على تقنيات اللوحة الزيتية الأوروبية، خصوصاً في تصوير الحاكم. وهنا يبرز سؤال آخر:
هل كان «توطن» اللوحة الزيتية قبولاً فنياً طبيعياً، أم فرضاً سلطوياً أو استعمارياً لاحقاً؟
وفي المقابل، يدرس تحولات الأيقونة في الأديرة والكنائس العربية، متفحصاً ما طرأ عليها من تغيرات في المواد والبناء والموضوع، نتيجة الاحتكاك الأوروبي.
ويرجّح أن التفاعل بين الأيقونة واللوحة الزيتية مهّد لظهور الفن الحديث في الولايات العربية العثمانية.
بين الدين والسياسة
لا يقدم الكتاب إجابات نهائية بقدر ما يفتح مسارات بحثية. فهو يسعى إلى مساءلة فكرة «تحريم الصورة» كمعطى مطلق كما تتبع استمرارية الصورة عبر التحولات السياسية وايضا دراسة تداخل العقيدة بالسلطة في إنتاج الفن
ثم إعادة وصل ما انقطع بين الأيقونة، والخط، واللوحة
ويرى داغر أن «كيان الصورة بات إشكالياً»، أي أنه تحوّل إلى مسألة خلاف ونزاع، لا مجرد ممارسة فنية.
تكمن أهمية الكتاب في كونه محاولة لكتابة تاريخ غير مكتوب إجمالاً، إذ يشير المؤلف إلى أن الدراسات السابقة كانت «جزئية أو قطاعية أو محلية»، بينما يسعى هو إلى بناء رؤية جامعة لمسار الصورة في المشرق.
إنه كتاب يقع عند تقاطع التاريخ الفني، واللاهوت، والسياسة، وعلم الاجتماع الثقافي، ويعيد طرح سؤال جوهري:
هل كان التدين الإسلامي ضد الصورة حقاً، أم أن العلاقة كانت أكثر تعقيداً وتنوعاً مما استقر في الوعي العام؟
بهذا المعنى، لا يقدم شربل داغر تاريخاً للفن فحسب، بل يقدّم قراءة نقدية لـ«مسألة الصورة» بوصفها مرآة لصراعات السلطة والهوية في الشرق العربي عبر قرون.
