سلاح "اللايقين".. كيف تُوظف إيران حرب الألغام لشلّ مفاصل التجارة العالمية؟

الجمعة 03/أبريل/2026 - 03:06 م
طباعة سلاح اللايقين.. كيف فاطمة عبدالغني
 
في وقتٍ يترقب فيه العالم مآلات المواجهة العسكرية المحتدمة في الشرق الأوسط، أصدر المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية (ASPI) تقريراً استراتيجياً للباحث أندي بيري، يسلط فيه الضوء على "البعبع" البحري الذي تخشاه أعتى الأساطيل: الألغام البحرية الإيرانية.
 التقرير، الذي نُشر في ذروة التصعيد (أبريل 2026)، لا يتحدث فقط عن تفجير السفن، بل عن "سيكولوجية التعطيل" التي تتبعها طهران، محذراً من أن مجرد الشائعة بوجود لغم قد تكون كافية لإغلاق مضيق هرمز وإصابة حركة الملاحة في الخليج والبحر الأحمر بالشلل التام.
سحر "التكلفة الزهيدة" مقابل "الرعب العظيم"
يشير التقرير إلى أن قوة الألغام لا تكمن في قدرتها التدميرية فحسب، بل في "عدم اليقين" الذي تفرضه. فبينما قد تكلف السفينة الحربية الأمريكية مليارات الدولارات، فإن لغماً زهيد الثمن كفيلٌ بتهديد وجودها. 
ويرى المعهد الأسترالي أن حرب الألغام تنجح بفرض مخاطر "غير مقبولة"، فشركات التأمين وأطقم السفن لن تغامر بعبور ممرات مائية تُتداول أنباء عن تلغيمها، مما يعني أن الملاحة قد تتوقف بفعل "الحذر" لا بفعل "النيران" المباشرة.

الترسانة الإيرانية: مخزون ضخم وتكتيكات مرنة
رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، يوضح التقرير أن طهران لا تزال تحتفظ بجزء من مخزونها الذي كان يُقدر قبل الحرب بـ 5000 إلى 6000 لغم. وتتنوع هذه الترسانة بين:
ألغام قاعية تأثرية: مثل "مقام-2" و"مقام-7"، المناسبة للمياه الضحلة ومداخل الموانئ.

ألغام تلامسية ومربوطة: فعالة في المناطق الأكثر عمقاً (حتى 100 متر).

الألغام الطافية: وهي الأخطر لكونها "غير مسيطر عليها"، تتحرك مع التيارات وتهدد الجميع بلا تمييز.

"صداع" التطهير والجدول الزمني الممتد
يلفت التقرير الانتباه إلى تحدٍ عملياتي خطير، فعمليات مكافحة الألغام "منهجية وبطيئة جداً". ومع أن التكنولوجيا الحديثة نقلت مهام الكشف إلى الأنظمة المسيرة، إلا أن "تحييد" الألغام لا يزال يتطلب عملاً عن قرب. في ممرات ضيقة كمضيق هرمز، قد تستغرق عمليات التطهير أسابيع أو أشهراً، مما يمنح إيران وقتاً طويلاً من التعطيل الاستراتيجي بجهد عسكري محدود.

جغرافيا التهديد: من الخليج إلى باب المندب
يحذر التقرير من سيناريو "توسيع رقعة الفوضى"؛ فإيران قد لا تكتفي بالمضيق، بل قد تدفع وكلاءها (الحوثيين) لنشر الألغام في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويشير الباحث إلى أن جميع مداخل الموانئ الحيوية في الخليج —من الكويت والبحرين وصولاً إلى الإمارات وعُمان— تُعد أهدافاً سهلة للألغام القاعية الإيرانية، نظراً لطبيعة مياهها الضحلة وممراتها المعروفة بدقة للمخطط الإيراني.

العودة إلى "حرب الناقلات": دروس التاريخ
يستذكر التقرير تاريخ إيران في هذا المجال، خاصة خلال الثمانينيات عندما أصاب لغم إيراني ناقلة "إس إس بريدجتون" المحمية أمريكياً، ولغم آخر ألحق أضراراً جسيمة بالفرقاطة "صامويل بي روبرتس". ويخلص المعهد إلى أن هذا التاريخ يعزز من صدقية التهديد الحالي.

الخلاصة: السلاح الذي لا يمكن تجاهله
ينتهي التقرير بالتأكيد على أن إيران، رغم تعرض قدراتها العسكرية التقليدية لضربات قاسية منذ فبراير 2026، إلا أنها لا تزال تملك "الورقة الرابحة" في حرب الألغام، وسواء كانت قد بدأت بالفعل في زرع الحقول أو تكتفي بالتلويح بذلك، فإن النتيجة واحدة: إيران تمتلك القدرة على فرض إرادتها الاستراتيجية عبر تحويل البحار إلى حقول من الشك القاتل.

شارك