استراتيجية "المشاركة الحذرة".. كيف يناور الحوثيون بين التصعيد والاحتواء؟
السبت 04/أبريل/2026 - 01:38 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في توقيت يتسم بتصاعد التوتر الإقليمي واتساع رقعة المواجهة المرتبطة بالحرب مع إيران، نشر مشروع التهديدات الحرجة (Critical Threats Project) تقريرًا تحليليًا أعدّه الباحثان ليام كار وبريان كارتر، يتناول سلوك جماعة الحوثي وخياراتها بعد دخولها الحذر في الصراع.
التقرير يرصد مزيجًا من الانخراط العسكري المحدود والرسائل التصعيدية المدروسة، ويكشف كيف تحاول الجماعة تحقيق مكاسب سياسية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تهدد موقعها الداخلي.
انخراط محدود ورسائل محسوبة
مثّلت الهجمات الحوثية الأخيرة على جنوب إسرائيل -والتي بدأت في أواخر مارس- أول مشاركة فعلية لهم في الحرب. ويُجمع المحللون على أن استهداف إسرائيل هو الخيار "الأكثر أماناً" للجماعة؛ فهي تمنحهم حضوراً رمزياً في "محور المقاومة" دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع دول الجوار أو القوى الكبرى. كما أن الرد الإسرائيلي المحدود على البنية التحتية اليمنية غالباً ما يُستغل سياسياً لتعزيز الحشد الشعبي الداخلي لصالح الجماعة.
الأهداف الاستراتيجية والتنسيق مع طهران
لا ينفصل التحرك الحوثي عن الأجندة الإيرانية؛ إذ تسعى الجماعة عبر التهديد بالتصعيد إلى إجبار واشنطن وحلفائها على تقديم تنازلات في الملفات التفاوضية مع إيران. ويظهر مستوى التنسيق العالي من خلال تزامن التحذيرات الإيرانية بشأن "جبهة جديدة" في باب المندب مع وصول عناصر من الحرس الثوري إلى اليمن، واعتراف الحوثيين صراحةً بتنسيق عملياتهم مع طهران وحزب الله.
سلاح الممرات المائية والتهديد الاقتصادي
يمتلك الحوثيون ورقة ضغط اقتصادية قوية تتمثل في مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية. التلويح بإغلاق المضيق أو استهداف السفن قد يدفع أسعار النفط لتجاوز حاجز الـ 150 دولاراً للبرميل، مما يلحق ضرراً فادحاً بالاقتصاد العالمي. ورغم أن شركات شحن كبرى (مثل ميرسك وهاباج لويد) بدأت بالفعل بتغيير مساراتها، إلا أن هذا الخيار يظل "تهديداً معلقاً" لم يدخله الحوثيون حيز التنفيذ الشامل بعد.
لماذا يتجنب الحوثيون التصعيد؟
يبرز التقرير عدة عوامل تفسر هذا الحذر:
العلاقة مع السعودية: يخشى الحوثيون نقض الهدنة القائمة مع الرياض، خاصة وأن الاقتصاد في مناطق سيطرتهم يعتمد بشكل كبير على المساعدات والرواتب التي تمر عبر التفاهمات مع السعودية.
الردع الأمريكي: تركت العمليات الجوية الأمريكية (مثل عملية "الفارس الضارب" عام 2025) أثراً بالغاً في إضعاف قدرات الجماعة الهجومية وتصفية كوادر فنية متخصصة، مما خلق حالة من الحذر من تكرار هذا السيناريو.
الجبهة الداخلية: يدرك الحوثيون أن مهاجمة دول عربية مجاورة لن يحظى بالشعبية ذاتها التي يحظى بها استهداف إسرائيل، مما قد يثير اضطرابات داخلية في ظل وضع اقتصادي متدهور.
تآكل القدرات اللوجستية وتحدي الإمداد
يؤكد التقرير أن المخزون العسكري للحوثيين، وخاصة الصواريخ البالستية، بدأ يتأثر نتيجة سنوات من العمليات العسكرية المستمرة وتشديد الرقابة على طرق التهريب (مثل ميناء بندر عباس). ورغم محاولات الجماعة التصنيع محلياً، إلا أنها لا تزال تعتمد على مكونات حيوية مستوردة، مما يجعل قدرتها على شن حملة هجومية طويلة الأمد محل شك.
وفي الختام سيبقى الموقف الحوثي معلقاً بين الرغبة في إثبات الولاء للمحور الإيراني وبين الحفاظ على المكتسبات الداخلية. ولن يتجه الحوثيون نحو تصعيد شامل (مثل استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج) إلا في حال تجاوز الولايات المتحدة لخطوط حمراء تمس أمن النظام الإيراني مباشرة، حيث يظل بقاء التحالف مع طهران هو الضمانة الأساسية لمكانتهم الإقليمية.
