هندسة التوحش الأيديولوجي: قراءة في آليات "داعش" لاختطاف القضية الفلسطينية

الأحد 05/أبريل/2026 - 09:03 ص
طباعة هندسة التوحش الأيديولوجي: حسام الحداد
 
تُمثل افتتاحية العدد (541) من صحيفة "النبأ" التي يصدرها تنظيم داعش والمنشورة مساء الخميس 2 ابريل 2026، وثيقة إيديولوجية بالغة الأهمية، فهي تأتي في توقيت جيوسياسي حساس يسعى فيه تنظيم "داعش" لاستعادة فاعليته الإعلامية عبر استغلال الساخن من الأحداث الإقليمية، وعلى رأسها تصاعد التوترات في القدس والقرار الإسرائيلي المتعلق بالأسرى. لا تكتفي الافتتاحية بتقديم قراءة للمشهد، بل تمارس نوعاً من "الهندسة المعرفية" التي تهدف إلى إعادة صياغة أولويات العقل السني الجمعي، من خلال تفكيك الرموز التقليدية للمقاومة وإعادة تركيبها داخل إطار طائفي ضيق، يخدم استراتيجية التنظيم في البقاء والتمدد الذهني رغم الانحسار الميداني.
إن الخطورة الكامنة في هذا النص تتجاوز مجرد التحريض التقليدي، إذ يعتمد الكاتب على ترسانة من الأدوات البلاغية والشرعية والتاريخية لشن حرب "نزع شرعية" شاملة ضد كافة الفاعلين في المشهد الفلسطيني والإقليمي. من خلال لغة تجمع بين "أدب المحنة" و"فقه الدماء"، يسعى التنظيم إلى خلق قطيعة وجدانية بين قواعده وبين أي مشروع إسلامي أو وطني لا يذوب في بوتقته، محاولاً بذلك احتكار مفهوم "الجهاد" وتحويله من أداة للتحرر الوطني أو الديني العام إلى وسيلة لتصفية الحسابات المذهبية العابرة للحدود.
هندسة التوحش الأيديولوجي:

استراتيجية "المقارنة والمفاضلة" (بغداد مقابل القدس)
يعتمد كاتب افتتاحية النبأ على أسلوب "المقايضة الأيديولوجية"، حيث لا يكتفي بعرض معاناة المعتقلين في العراق، بل يضعها في كفة الأسرى الفلسطينيين لإحداث صدمة لدى القارئ. من خلال التساؤل الاستنكاري حول غياب الضجيج الإعلامي والحقوقي عن سجون العراق مقابل الزخم الممنوح لفلسطين، يحاول التنظيم "تفتيت المركزية" التي تحظى بها القضية الفلسطينية في الوجدان الإسلامي. الهدف هنا هو إشعار المتلقي بأن هناك "مؤامرة صمت" عالمية ومحلية، تبالغ في تصوير انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي (الذي لم يعدم الأسرى طوال 78 عاماً حسب زعم المقال) بينما تتغافل عن "إبادة ممنهجة" تجري في العراق، مما يخلق نوعاً من الغيرة الأيديولوجية التي تدفع الشاب السني للانكفاء نحو قضايا التنظيم الخاصة.
ينتقل النص من المقارنة الحقوقية إلى عملية "إعادة تعريف العدو"، حيث يتم تصوير النظام العراقي والقوى الحليفة لإيران (المحور الرافضي) بوصفهم خطراً وجودياً يتجاوز في وحشيته وفتكه خطر الاحتلال الصهيوني. هذه المناورة تهدف إلى ضرب "شرعية" أي تحالف أو تعاطف مع القوى الشيعية حتى وإن كانت في حالة صراع مع إسرائيل. من خلال استخدام توصيفات مثل "سجون المقاومة الرافضية" و"الإعدام كشربة ماء"، يسعى التنظيم إلى إقناع قاعدته بأن المعركة الحقيقية والواجبة شرعاً هي "تطهير الداخل" أولاً، معتبراً أن الخيانة الداخلية والارتهان للمشروع الإيراني هي العائق الحقيقي أمام أي نصر مستقبلي، وبذلك تتحول بوصلة العداء من الصراع الوجودي مع المحتل الخارجي إلى صراع مذهبي دموي محلي.
اخيرا يبرز سعي التنظيم لإعادة تشكيل الوعي السياسي للمقاتل أو المناصر السني عبر "تراتبية العداء". فبينما يرى العالم الأقصى كرمز جامع، يحاول المقال إثبات أن "بغداد الرشيد" هي المقياس الحقيقي للولاء والبراء، مستخدماً قاعدة أيديولوجية مفادها أن "من خان بغداد لن يعيد القدس". هذا الربط الشرطي يهدف إلى عزل الشباب عن التفاعل مع القضايا القومية أو الإسلامية العامة التي تقودها فصائل لا تتبنى منهجه، ووضعهم في حالة استنفار دائم ضد المحيط المحلي. إنها استراتيجية تهدف إلى محاصرة العاطفة الدينية وتأطيرها حصرياً ضمن سياق "المظلومية السنية" التي يدعي التنظيم أنه الوحيد القادر على الانتقام لها، معتبراً أن الطريق إلى القدس لا يمر عبر الجبهات التقليدية، بل عبر هدم الكيانات السياسية القائمة في العراق والشام أولاً.
نزع الشرعية عن "محور المقاومة" والحركات الفلسطينية
يسعى التنظيم من خلال هذا الهجوم إلى تكريس مفهوم "وحدانية التمثيل"، حيث يطرح نفسه كالجهة الوحيدة المخولة بحمل راية "الجهاد" الصحيح. بوصفه الحركات الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي) بأنها "فرط انحرافية"، هو لا ينتقد أداءها السياسي فحسب، بل يخرجها كلياً من دائرة "الإسلام السني" المقبول لديه. الهدف من هذا النفي هو منع أي تقاطع عاطفي أو ميداني بين قواعده الشعبية وهذه الحركات، وتجريدها من صفتها "النضالية" وتحويلها في ذهنية المتلقي إلى مجرد "أدوات وظيفية" تخدم أجندات خارجية، مما يمهد الطريق لفرض وصايته الأيديولوجية على مفهوم المقاومة.
يعمد المقال إلى استخدام "سلاح العقيدة" لتصفية الخصوم السياسيين، عبر وصم المحور الفلسطيني-الإيراني بـ "الشرك" و"الردة". من خلال التركيز على قضايا مثل "الاستغاثة بغير الله" (في إشارة لخطاب المدح لرموز إيرانية)، ينقل التنظيم الخلاف من سياقه السياسي أو العسكري إلى سياق عقائدي وجودي. هذا التكفير الممنهج يخدم غرضاً وظيفياً خطيراً، وهو إسقاط "عصمة الدم" عن هذه الحركات؛ فبمجرد تصنيفهم كمشركين أو منحرفين عن "منهاج النبوة"، يصبح قتالهم أو التخلي عن نصرتهم واجباً شرعياً في أدبيات التنظيم، حتى وإن كانوا في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بل ويجعل من استهدافهم أولوية تسبق مواجهة "الكافر الأصلي".
يتضح أن الهدف البعيد هو تفكيك جبهة "محور المقاومة" عبر عزل الشارع السني عن التعاطف مع أي إنجاز ميداني يحققه هذا المحور. يروج التنظيم لفكرة أن أي نصر يأتي عبر "المحور الرافضي" هو "شؤم" و"ضلال"، كما ورد في إشارته إلى أن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لم يقر إلا في عهد "الوعد الصادق". هذه القراءة تهدف إلى إحباط الجماهير وإقناعها بأن التحالف مع إيران لا يجلب إلا الكوارث، وبالتالي يجب فض الارتباط بهذا المحور والعودة إلى "المنهاج" الذي يمثله التنظيم، معتبراً أن الطريق إلى القدس لا يمكن أن يمر عبر دمشق أو طهران، بل يجب أن يمر أولاً عبر "تطهير" الصف الإسلامي من هذه الحركات التي يراها عائقاً أمام "التمكين" الحقيقي.

 التوظيف التاريخي (عمر بن الخطاب وصلاح الدين)
يعمل التنظيم على استحضار شخصيتي عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي ليس كرموز تاريخية فحسب، بل كـ "نماذج حصرية" لا تستقيم دعوى تحرير القدس إلا بالسير على خطاها وفق فهمه الخاص. من خلال ربط اسم "عمر" بالاضطهاد الذي يزعمه للسنة في العراق، يحاول التنظيم دغدغة المشاعر المذهبية وربط الصراع الحالي بصراعات صدر الإسلام. هذا الاستحضار يهدف إلى إضفاء صبغة "القداسة" على معارك التنظيم الجانبية، وإيهام الأتباع بأن معركتهم في شوارع بغداد هي امتداد طبيعي لفتوحات الفاروق، مما يحول المقاتل من مجرد عنصر في جماعة مسلحة إلى "وارث تاريخي" لجيل الصحابة في مواجهة من يصفهم بـ "أعداء الملة".
يقدم المقال قراءة انتقائية للتاريخ عبر تسليط الضوء على تجربة صلاح الدين الأيوبي مع الدولة العبيدية (الفاطمية)، ليخلص إلى نتيجة راديكالية مفادها أن "تطهير الداخل" شرط مسبق للانتصار على الخارج. يزعم التنظيم أن صلاح الدين لم يتجه للقدس إلا بعد إسقاط الدولة الشيعية في مصر، وهي سردية يستخدمها لتبرير استراتيجيته في تقديم قتال "العدو القريب" (الشيعة والأنظمة الحاكمة) على قتال "العدو البعيد" (إسرائيل). بهذا، يضع التنظيم "فيتو" تاريخي على أي محاولة لتحرير فلسطين لا تمر عبر تصفية الخصوم الأيديولوجيين في المنطقة أولاً، معتبراً أن غدر "الرافضة" —حسب وصفه— هو الثابت التاريخي الذي يمنع أي نصر إسلامي.
يتضح أن الغرض من هذا التوظيف هو خلق "قطيعة معرفية" مع أي مشروع مقاومة لا يتبنى نهج التنظيم. فبينما يُنظر لصلاح الدين عالمياً كقائد عسكري فذ حرر القدس، يختزله التنظيم في صورة "قامع البدع" ومصفي المذاهب المخالفة. هذه المقاربة تهدف إلى إقناع الجيل الجديد من المسلمين بأن العدو الحقيقي الذي يمنعهم من الصلاة في الأقصى ليس الجدار العازل أو الترسانة الإسرائيلية، بل هم أولئك الذين "يشتمون عمر" في العراق والشام. إنها عملية "تنميط للتاريخ" تخدم استدامة الحرب الأهلية وتشرعن سفك الدماء تحت مسمى "تمهيد الطريق للقدس"، وهو ما يفسر لماذا يوجه التنظيم فوهة بندقيته نحو صدور جيرانه قبل أن يفكر في توجيهها نحو المحتل.
 التحريض على "الذئاب المنفردة" والعنف العابر للحدود
ينتقل النص في خواتيمه من التنظير الأيديولوجي إلى "الدليل الإجرائي" للعمل الميداني، مستهدفاً تحويل الغضب الشعبي تجاه أحداث الأقصى إلى موجة عنف عشوائية عابرة للقارات. ومن خلال دعوته الصريحة لحرق الكنس اليهودية والمواقع الدينية في أمريكا وأوروبا وروسيا، وصولاً إلى دول عربية مثل تونس والمغرب والإمارات، يسعى التنظيم إلى ضرب مفهوم "الأمن القومي" للدول. هو لا يبحث هنا عن انتصار عسكري تقليدي، بل يهدف إلى إحياء استراتيجية "إدارة التوحش" عبر نقل المعركة إلى عمق المدن العالمية، وتحويل دور العبادة والأحياء السكنية إلى ساحات حرب مفتوحة، مستخدماً "تكتيك الصدمة" لإثبات قدرته على التأثير خارج حدود سيطرته الجغرافية المتآكلة.
يعمد المقال إلى توظيف أحداث المسجد الأقصى كـ "محفز عاطفي" لاستقطاب الخلايا النائمة والمتعاطفين المعزولين، أو ما يُعرف بـ "الذئاب المنفردة". من خلال الإشادة بعمليات مثل "بطلي سيدني"، يقدم التنظيم نماذج تطبيقية يُحتذى بها، مانحاً هؤلاء الأفراد شرعية دينية متوهمة لتنفيذ هجمات انتحارية أو تخريبية. هذه الدعوة تهدف إلى سد الفجوة الناتجة عن فقدان التنظيم لقواعده العسكرية الثابتة؛ فالذئاب المنفردة تمثل وسيلة قليلة التكلفة وعالية الأثر الإعلامي، تضمن بقاء اسم "داعش" حاضراً في العناوين الإخبارية العالمية كتهديد أمني دائم لا يمكن التنبؤ بموعد أو مكان ضربته القادمة.
تستهدف هذه الاستراتيجية التحريضية إحراج الأنظمة العربية والإسلامية بشكل مباشر، خاصة تلك التي ترتبط بمعاهدات سلام أو علاقات دبلوماسية مع الأطراف الدولية. فمن خلال الدعوة لتنفيذ هجمات داخل حدود هذه الدول، يسعى التنظيم إلى خلق حالة من الفوضى الأمنية التي تضع هذه الأنظمة في مواجهة ضاغطة مع شعوبها من جهة، ومع التزاماتها الدولية من جهة أخرى. إن الهدف الاستراتيجي هنا هو ضرب "السلم الأهلي" وتشويه صورة الاستقرار في المنطقة، لإثبات فرضية التنظيم القائلة بأن "المنظومة الدولية" فاشلة في حماية المقدسات، وأن "العنف المسلح" غير المنضبط هو السبيل الوحيد المتبقي للتعبير عن النصرة، وهو ما يخدم أجندة التنظيم في تحويل المنطقة إلى بؤر صراع ملتهبة يسهل فيها التمدد مجدداً.
 خطاب "المظلومية" والروحانية القتالية
يعمد التنظيم في هذا الجزء إلى توظيف "أدب المحنة" بشكل مكثف، من خلال التركيز على تفاصيل حسية بالغة القسوة مثل "الاكتظاظ الذي يتجاوز المئتين بالمئة" و"الأوبئة في صيف العراق الحارق". هذه الصورة ليست مجرد نقل لواقع، بل هي عملية "هندسة عاطفية" تهدف إلى تحويل السجين من مجرد معتقل سياسي أو أمني إلى "أيقونة قدسية" تعاني في سبيل العقيدة. ومن خلال إدراج صور "الأمهات والأخوات الأسيرات" ووصفهن بـ "القانتات العابدات"، يضرب التنظيم على وتر النخوة والغيرة لدى الشاب السني، محاولاً تحويل الشعور بالعجز إلى طاقة غضب كفيلة بدفع المتعاطفين الجدد نحو الانخراط في أعمال انتقامية تحت شعار "فك الأسرى".
ينتقل النص من تصوير معاناة الأسرى إلى بناء صورة "البطل الأسطوري" للمقاتلين في الميدان (المرابطين)، عبر استحضار تفاصيل تقشفية قاسية مثل أكل "الحنطة بغير ملح" لأكثر من عامين. هذا الخطاب يهدف إلى صبغ الفشل العسكري واللوجستي والانحسار الميداني بصبغة "الزهد الجهادي". إنها محاولة ذكية لإعادة تدوير الهزيمة وتحويلها إلى "ملحمة صمود" تضاهي قصص الصدر الأول من الإسلام، مما يمنح العناصر المنكفئة أو المحبطة شعوراً بالفوقية الأخلاقية والروحية على خصومهم، ويحول الحرمان المادي إلى دليل على "صدق العهد" وصحة المنهج.
وكذلك يربط التنظيم بين هذه المعاناة وبين مفهوم "الابتلاء الإلهي"، وهو تكتيك سيكولوجي بارع لامتصاص الصدمات والهزائم المتتالية. فبدلاً من مراجعة الأخطاء الاستراتيجية، يتم إقناع الأتباع بأن كل ما يمرون به هو "قدر محتوم" يسبق "التمكين"، تماماً كما حدث مع الأنبياء. هذا الخطاب الروحاني القتالي يهدف بالدرجة الأولى إلى إيقاف التآكل في صفوف التنظيم، وإعادة شحن الروح المعنوية للعناصر عبر إيهامهم بأنهم "الغرباء" في زمن الفتن، وأن "خذلان الأمة" لهم هو شهادة على نبل مقصدهم، مما يغلق الباب أمام أي نقد ذاتي ويضمن استمرارية الولاء الأعمى للقيادة تحت أقسى الظروف.

خاتمة
في المحصلة، تظهر افتتاحية "النبأ" أن تنظيم "داعش" ما يزال يراهن على "الفوضى الأيديولوجية" كبيئة مثالية لضمان استمراريته. إن محاولته القفز على القضية الفلسطينية وتوظيف آلام الأسرى في العراق وفلسطين لخدمة أجندة "العداء للقريب" تكشف عن براغماتية حادة تتستر بعباءة العقيدة. فالتنظيم لا يرى في القدس هدفاً عسكرياً مباشراً في الوقت الراهن، بل يستخدمها كـ "رافعة دعائية" لإعادة رص صفوف عناصره المحبطين، وتحريض "الذئاب المنفردة" على ضرب الاستقرار العالمي. لذا، فإن مواجهة هذا الخطاب تتطلب تفكيك هذه السرديات التاريخية والدينية المشوهة، وكشف زيف المظلومية التي يحاول التنظيم بناءها على أنقاض قضايا الأمة العادلة.

شارك