بعد عقد من المأساة.. القضاء العراقي يقتص من مغتصبي وقاتلي الإيزيديين
الأحد 05/أبريل/2026 - 01:50 م
طباعة
علي رجب
في خطوة قانونية جديدة نحو ترسيخ العدالة وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، أصدرت محكمة جنايات الكرخ في العاصمة العراقية بغداد، اليوم الأحد، حكما بالإعدام بحق مدان بالانتماء لتنظيم "داعش" الإرهابي.
ويأتي حكم محكمة جنايات الكرخ بعد ثبوت تورط المدان في عمليات وحشية استهدفت القوات الأمنية والمواطنين، مع التركيز بشكل خاص على دور الجاني في منظومة جرائم الحرب التي استهدفت الأقلية الإيزيدية في قضاء سنجار إبان صيف عام 2014.
تفاصيل الحكم والجريمة الموثقة
أوضح مجلس القضاء الأعلى في بيان رسمي أن المدان اشترك مع مجموعته الإرهابية في تنفيذ مخططات إجرامية مروعة داخل قضاء سنجار، تزامنت مع سيطرة التنظيم المتطرف على مدينة الموصل وأجزاء واسعة من الأراضي العراقية. وكشفت أوراق القضية أن الجرائم المنسوبة للمدان شملت عمليات خطف ممنهجة للنساء الإيزيديات وقتل الرجال بدم بارد، وهي أفعال صنفها القضاء بأنها تهدف إلى زعزعة السلم الأهلي وبث الرعب الممنهج تحقيقا لأجندات التنظيم الظلامية.
واستندت المحكمة في قرارها إلى أحكام المادة الرابعة/1 وبدلالة المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005. ولأول مرة في سياقات مشابهة، تم الاستدلال بأحكام قانون الناجيات الإيزيديات رقم 8 لسنة 2021، وهو التشريع الذي يمنح الجرائم المرتكبة بحق هذه الأقلية خصوصية قانونية باعتبارها جرائم إبادة جماعية تستوجب أقصى العقوبات.
جرح سنجار: ذكرى مأساة 2014
يعيد هذا الحكم للأذهان أحداث أغسطس 2014، حين اجتاح تنظيم "داعش" قضاء سنجار، الموطن التاريخي للإيزيديين. تلك الحملة أسفرت عن كارثة إنسانية موثقة دوليا، حيث تعرض الآلاف للقتل الجماعي، واقتيدت النساء والفتيات كسبايا في واحدة من أبشع فصول الانتهاكات في العصر الحديث. ورغم تحرير القضاء في نوفمبر 2015 بجهود قوات البيشمركة والتحالف الدولي، وإعلان النصر النهائي على التنظيم في 2017، إلا أن التداعيات النفسية والاجتماعية لا تزال تنخر في جسد المجتمع الإيزيدي.
وتؤكد التقارير الدولية، ومنها بيانات وزارة الخارجية الأمريكية، أن حجم الكارثة يفوق الوصف؛ إذ لا تزال أكثر من 2600 امرأة وفتاة إيزيدية في عداد المفقودين حتى يومنا هذا، وسط مخاوف من مصير مجهول يلاحقهن بعد مرور أكثر من عقد على الجريمة.
وعلى صعيد البحث عن الرفات، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية في قضائي سنجار والبعاج، لكن البطء في الإجراءات الفنية أدى إلى فتح 32 مقبرة فقط حتى الآن. وبحسب البيانات الرسمية، جرى استخراج رفات أقل من 700 ضحية، وتم التعرف على هوية 243 شخصا فقط عبر فحص الحمض النووي (DNA)، مما يترك آلاف العائلات في حالة من الانتظار المرير لمواراة ذويهم الثرى بكرامة.
مسار العدالة: بين البطء والأمل
تواجه الدولة العراقية تحديات هائلة في ملف محاكمات "داعش"؛ فبينما يرى ذوو الضحايا أن الأحكام القضائية الصادرة، مثل حكم الإعدام الصادر اليوم، تمثل انتصارا معنويا، تشير منظمات حقوقية دولية إلى ضرورة ضمان معايير المحاكمات العادلة لضمان عدم إفلات أي مجرم من العقاب الحقيقي.
ويرى مراقبون أن استخدام "قانون الناجيات الإيزيديات" كمرجع قانوني في المحاكمات الجنائية يمثل تحولا جوهريا، حيث ينتقل القضاء من مجرد معاقبة "الإرهاب العام" إلى معالجة "الإبادة النوعية". إن كل حكم إعدام يصدر بحق من تلطخت أيديهم بدماء أهل سنجار يمثل لبنة في جدار العدالة الانتقالية، وخطوة نحو تضميد جراح الطائفة الإيزيدية التي تنتظر اعترافا كاملا بحقوقها واستعادة رفات أبنائها من باطن الأرض الحزينة.
يبقى الطريق طويلا أمام العراق لغلق ملف "داعش" نهائيا، لكن القضاء يثبت اليوم أن مرور السنوات لن يسقط الجرائم ضد الإنسانية بالتقادم، وأن قصص الضحايا في سنجار ستظل حاضرة في قاعات المحاكم حتى ينال كل ذي حق حقه.
