من تصدير الميليشيات إلى استدعائها للداخل.. استراتيجية إيران في الاستعانة بـ "جيوش الظل"

الإثنين 06/أبريل/2026 - 01:53 م
طباعة من تصدير الميليشيات فاطمة عبدالغني
 
في لحظة إقليمية مشتعلة، تتقاطع فيها الضربات العسكرية مع حروب النفوذ، تبدو إيران وكأنها تعيد تعريف أدوات بقائها، فالنظام الذي اعتاد توظيف الميليشيات خارج حدوده، من العراق إلى سوريا واليمن، بات اليوم—بحسب معطيات متزايدة—يستدعي هذه الأدوات إلى الداخل نفسه. هذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة الضغوط التي تواجهها طهران: ضربات أمريكية وإسرائيلية متصاعدة، توتر داخلي متراكم، ومخاوف من انفجار اجتماعي قد يتجاوز قدرة الأجهزة التقليدية على الاحتواء.
طهران تستنجد بميليشياتها.. من الخارج إلى قلب الأزمة
في هذا السياق، جاء تصريح وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني ليضع هذا التحول في صيغة مباشرة، معتبرًا أن طهران لم تعد تكتفي بإدارة شبكاتها المسلحة في الخارج، بل بدأت حشدها داخل إيران بإشراف الحرس الثوري. 
ووفق هذه الرواية، فإن عناصر من الحوثيين، إلى جانب مقاتلين من حزب الله، وميليشيات "فاطميون" و"زينبيون"، تم استقدامهم إلى الداخل الإيراني، في خطوة تعكس—بحسب وصفه—حالة تعبئة شاملة لمواجهة احتمالات اضطراب داخلي.

هذا الطرح تعززه مؤشرات ميدانية وإعلامية، فقد نشرت وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري مقطع فيديو يظهر موكبًا لمركبات تابعة لميليشيا "فاطميون" في شوارع طهران، في مشهد رمزي حمل عنوان "الشراكة في الدم". 
ظهور هذه التشكيلات، التي اعتادت العمل في ساحات خارجية كالحرب السورية، داخل العاصمة الإيرانية، يمثل تحوّلًا لافتًا في وظيفة هذه القوات، من أداة تمدد إقليمي إلى أداة ضبط داخلي.
ميليشيا "فاطميون" نفسها تُعد نموذجًا لهذه البنية العابرة للحدود، فقد أنشأها الحرس الثوري عبر تجنيد مهاجرين أفغان شيعة، وزجّ بهم في معارك سوريا كقوات خط أول، مقابل حوافز تتعلق بالإقامة والدعم المالي. ومع تراجع بعض ساحات القتال الخارجية، يبدو أن هذه القوة—ومثيلاتها—أصبحت جزءًا من احتياطي أمني يمكن إعادة توظيفه داخل إيران.

الأمر لا يقتصر على "فاطميون"، تقارير متعددة تحدثت عن دخول عناصر من الحشد الشعبي العراقي إلى مناطق حساسة في خوزستان، تحت غطاء "قوافل إغاثة"، مع مؤشرات على نقل معدات عسكرية خفيفة. 
وفي موازاة ذلك، تم رصد حضور جماعات أخرى مرتبطة بالحرس الثوري، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، داخل مراكز تدريب أو نقاط انتشار محددة. هذه التحركات تعكس نمطًا واضحًا: إعادة نشر شبكة الوكلاء داخل المجال السيادي الإيراني نفسه.
الردع بالوكلاء.. إيران تكشف أوراقها في مواجهة الداخل
هذا الاستخدام ليس جديدًا بالكامل، فشهادات نشطاء وتقارير حقوقية سبق أن أشارت إلى دور هذه الميليشيات في قمع احتجاجات سابقة، بما في ذلك انتفاضة "امرأة، حياة، حرية" عام 2022، حيث تحدث شهود عن وجود عناصر غير ناطقة بالفارسية في ساحات المواجهة، لكن الجديد اليوم هو حجم الحشد وطبيعته العلنية نسبيًا، ما يوحي بأن النظام لم يعد يخفي اعتماده على هذه الأدوات، بل ربما يستخدمها كرسالة ردع داخلية.

اللافت أيضًا أن هذا التوجه يأتي في ظل تراجع نسبي في كفاءة بعض أدوات القمع التقليدية، نتيجة الاستنزاف الذي تعرضت له خلال سنوات من الاحتجاجات والضغوط. هنا، تصبح الميليشيات الخارجية خيارًا جاهزًا: قوات مدربة على حرب المدن، أقل ارتباطًا بالمجتمع المحلي، وأكثر استعدادًا لاستخدام القوة دون حسابات اجتماعية أو سياسية داخلية.

إقليميًا، يفتح هذا التحول بابًا لقراءات أوسع، فاستدعاء هذه الميليشيات إلى الداخل يعني عمليًا نقل مركز ثقل "محور الوكلاء" إلى إيران نفسها، وهو ما قد يرفع منسوب التوتر مع الأطراف الدولية، خاصة إذا تم استخدام هذه القوات في سيناريوهات مواجهة مباشرة أو قمع داخلي واسع، كما أن هذا التداخل يعمق مخاوف دول الجوار من أن تتحول إيران إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، بما ينعكس على أمن المنطقة، خصوصًا في الخليج والبحر الأحمر.
انقسامات الحشد الشعبي.. ولاءات متباينة في لحظة اختبار
في المقابل، يثير هذا المسار توترات داخل البيئة الحاضنة لهذه الميليشيات نفسها. ففي العراق، على سبيل المثال، تتزايد الانقسامات داخل الحشد الشعبي بين تيارات موالية لطهران وأخرى أقرب إلى المرجعية الدينية المحلية، مع تراجع ملحوظ في مستوى الثقة الشعبية. 
هذا التباين قد ينعكس على مدى استعداد هذه الفصائل للانخراط في معارك داخل إيران، أو على الأقل يطرح تساؤلات حول تماسكها على المدى الطويل.

ويرى المراقبون أن لجوء طهران إلى هذا الخيار يعكس معادلة معقدة، فهو من جهة يعزز قدرتها على السيطرة السريعة في حال اندلاع اضطرابات، لكنه من جهة أخرى يحمل مخاطر سياسية وأمنية عميقة، إذ يرسخ صورة النظام ككيان يعتمد على قوى غير وطنية لقمع شعبه، ما قد يزيد من فجوة الثقة داخليًا، ويفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب.

وإجمالاً لا يبدو استدعاء الميليشيات إلى الداخل الإيراني مجرد إجراء أمني عابر، بل مؤشر على تحول في بنية النظام نفسه، من دولة تدير نفوذها عبر الوكلاء في الخارج، إلى نظام يستدعي هؤلاء الوكلاء لحماية مركزه في الداخل. 

شارك