حسام الحداد يكتب: تحولات الإسلام السياسي في الخليج.. قراءة في فك الارتباط بين "حدس" وحركة حماس
الثلاثاء 07/أبريل/2026 - 11:33 ص
طباعة
حسام الحداد
يُمثل البيان الصادر عن "الحركة الدستورية الإسلامية" (إخوان الكويت) في السادس من أبريل 2026، منعطفاً حاداً في تاريخ علاقة تيارات الإسلام السياسي الخليجية بحركة "حماس" وجناحها العسكري، حيث تجاوز البيان لغة العتاب التقليدية ليصيغ "وثيقة استقلال وطني" كاملة الأركان. لم يكن هذا الموقف مجرد رد فعل سياسي عابر على صمت "حماس" تجاه التهديدات الإيرانية، بل هو "زلزال بنيوي" يعيد رسم خريطة الولاءات داخل العقل الحركي؛ إذ اختارت الجماعة، ولأول مرة بهذه الصراحة الجارحة، تغليب "واقعية الدولة" وجغرافيا المصالح القومية على "رومانسية التنظيم" وأيديولوجيا "وحدة الساحات".
إن أهمية هذا البيان تكمن في كونه أطلق رصاصة الرحمة على حقبة "المنطقة الرمادية" التي لطالما احتمت بها الحركات المحلية لتبرير تناقضات حلفائها في الخارج. فمن خلال الهجوم المباشر على "كتائب القسام" ونقد "ارتهانها" للقرار الإيراني، وضعت الحركة الدستورية نفسها في مواجهة مباشرة مع سرديات حركية ظلت مقدسة لعقود. نحن أمام مشهد يُعاد فيه تعريف "القضية الفلسطينية" كقضية أمة لا كأداة في يد فصيل، مما يجعل من هذا البيان "شهادة ميلاد" لنموذج جديد من الإسلام السياسي، يسعى للاندماج الكلي في النسيج الوطني للدولة الخليجية، ولو كان الثمن هو القطيعة مع "الإخوة" في الميدان.
دلالة التوقيت.. التموضع في لحظة الانكشاف
يأتي توقيت البيان في لحظة فارقة بلغت فيها الحساسية الأمنية في منطقة الخليج ذروتها، حيث لم يعد المشهد الإقليمي يحتمل أي نوع من "الميوعة السياسية" أو الوقوف في منزلة بين المنزلتين. فمع تحول المواجهة الإيرانية-الإقليمية من حروب الوكالة المستترة إلى الصدام المباشر والعلني، وجدت الحركات الإسلامية المحلية نفسها أمام استحقاق "الانكشاف الكامل"؛ إذ لم تعد أدوات "التقية السياسية" التقليدية قادرة على ردم الفجوة بين الخطاب الحركي العابر للحدود وبين مقتضيات الأمن القومي للدولة. لذا، جاء التوقيت ليعلن نهاية حقبة الموازنات الصعبة، واختيار الانحياز الصريح الذي تفرضه وحدة المصير مع الدولة والمجتمع الخليجي في مواجهة التهديدات الوجودية.
من الناحية الجيوسياسية، يمثل صدور البيان في هذا التوقيت "ضربة استباقية" تهدف إلى قطع الطريق على أي محاولات لربط الجماعة بالملف الإيراني أو اتهامها بالتماهي مع مشاريع التوسع الطهراني في المنطقة. فصمت "حماس" أو تبريرها للعدوان الإيراني وضع "إخوان الكويت" في مأزق "الارتباط العضوي" الذي يستغله الخصوم السياسيون داخلياً وإقليمياً للنيل من شرعيتهم الوطنية. ومن هنا، كان لزاماً أن يكون التوقيت فورياً وحاسماً لفك هذا الارتباط، وتحويل موقف حماس من "عبء أيديولوجي" إلى فرصة لإثبات التباين الاستراتيجي، والتأكيد على أن الجماعة لا تقبل بتقديم "المصالح الحركية" للفصائل على حساب "الأمن القومي" للمنظومة الخليجية.
على مستوى الداخل الكويتي، يخدم هذا التوقيت غرضاً حيوياً وهو "إعادة تعريف الذات"؛ فالحركة تسعى من خلال هذه الصراحة المتناهية إلى تقديم أوراق اعتمادها كـ "حركة وطنية كويتية" المنشأ والقرار قبل أن تكون ذات امتدادات أيديولوجية. هذا التوقيت المدروس بعناية يهدف إلى امتصاص أي حالة غضب شعبي محتملة قد تثار ضد التيارات الإسلامية نتيجة مواقف "حماس"، كما يعمل كدرع واقي لاستباق أي إجراءات رسمية أو تضييقات سياسية قد تُفرض تحت ضغط الظروف الراهنة. إنها محاولة واعية لنزع فتيل الأزمة قبل اشتعالها، والتموضع في صف "الإجماع الوطني" لضمان الاستمرارية والمشروعية داخل النسيج السياسي الكويتي في مرحلة لا تقبل أنصاف المواقف.
حسابات الداخل.. بين "إبراء الذمة" و"تأمين البقاء"
إن اللغة الراديكالية وغير المسبوقة التي استخدمها البيان، عبر توظيف مفردات مثل "الارتهان" و"الرفض الصريح" و"الخطوط الحمراء"، تشير إلى أننا لسنا بصدد مناورة سياسية تقليدية أو عملية "تبادل أدوار" متفق عليها خلف الكواليس. فالبيان يُحدث جرحاً غائراً في الوعي الحركي المشترك، ويخلق قطيعة نفسية وسياسية متعمدة مع القواعد التنظيمية التي اعتادت لغلة التبرير. هذا التصعيد في الخطاب يهدف إلى إرسال رسالة قطعية بأن "إخوان الكويت" قرروا مغادرة مربع التحالف "العاطفي" مع حماس، وتفكيك السردية التي كانت تمنح الحركة حصانة من النقد بدواعي "المقاومة"، مما يعكس رغبة حقيقية في رسم حدود فاصلة لا رجعة عنها.
فيما يتعلق بـ "إبراء الذمة"، يسعى البيان إلى غسل يد الجماعة من التبعات الأخلاقية والسياسية لخيارات حماس الإقليمية أمام الشارع الكويتي. ففي ظل الوعي الشعبي الجمعي الذي ينظر للتغلغل الإيراني كتهديد وجودي مباشر للمجتمع والدولة، لم يعد ممكناً للجماعة أن تظل في موقع "المتفرج" أو "المبرر" لمواقف حماس الصامتة تجاه العدوان. الجماعة هنا تمارس عملية "تطهير" لصورتها الذهنية، معلنةً بوضوح: "لسنا شركاء في ارتهان القرار الفلسطيني للأجندة الطهرانية". هي محاولة جادة لفك الارتباط التاريخي في الأذهان بين "الدعم الإغاثي لفلسطين" وبين "المباركة السياسية" لتموضع حماس في المحور الإيراني.
أما على صعيد "البقاء السياسي"، فإن الحركة تدرك جيداً طبيعة المشهد الكويتي المتسم بحراك برلماني وسياسي عالي الوتيرة، حيث تخضع المواقف الوطنية لمجهر الفحص الدائم من قبل القوى السياسية المنافسة والدولة. يدرك "الإخوان" أن رصيدهم الانتخابي والاجتماعي بات مهدداً إذا ما استمر ربطهم بكيانات خارجية تتعارض مواقفها مع المصلحة الوطنية العليا. لذا، أصبحت "التضحية" العلنية بمواقف حماس وتوجيه نقد مباشر وجارح لـ "كتائب القسام" ضرورة حتمية لحماية الوجود التنظيمي والسياسي داخل الكويت. إنها عملية تفضيل واعية لـ "البقاء المحلي" كفصيل شرعي ومقبول، على حساب "التضامن الحركي" الذي بات يشكل عبئاً أمنياً وسياسياً يهدد مستقبل الجماعة في الداخل.
التصدع التنظيمي.. هل انتهى زمن "وحدة المسار"؟
يمثل هذا البيان زلزالاً تنظيماً بامتياز؛ فإقدام منصة إخوانية رسمية بوزن "إخوان الكويت" على انتقاد "كتائب القسام" بالاسم، وتوصيف تصريحات ناطقها الرسمي كجزء من مسار "مرفوض"، هو إعلان صريح عن سقوط "الحصانة الحركية" التي كانت تتمتع بها حماس لعقود. تاريخياً، كان الجناح العسكري يمثل "المنطقة المحرمة" التي يُمنع الاقتراب منها بالنقد داخل أدبيات الإسلام السياسي، إلا أن هذا البيان كسر "تابو" القداسة العسكرية، كاشفاً عن رغبة في فك الارتباط التنظيمي الذي لم يعد قادراً على تبرير "العسكرة" حين تصبح أداة في خدمة أجندات إقليمية تتعارض مع المصالح الوطنية المحلية.
من الناحية الاستراتيجية، عمد البيان إلى ممارسة عملية "تأميم" للقضية الفلسطينية، عبر إعادة سحب بساط "التمثيل الحصري" من تحت أقدام حماس. فمن خلال التأكيد على أن فلسطين هي "قضية أمة" وليست رهينة لفصيل، نجح إخوان الكويت في تجريد حماس من أقوى أسلحتها الدعائية التي كانت تُستخدم لإسكات المعارضين. هذا "الفصل الكلي" بين عدالة القضية وبين الممارسة السياسية للفصيل، يسمح للجماعة بالاستمرار في دعم فلسطين (كحق تاريخي) مع التحلل من تبعات أخطاء حماس (كطرف سياسي)، وهو ما يعكس تحولاً من "التحالف العضوي" إلى "الدعم المبدئي المشروط" بوضوح الانتماء العربي والعروبي للقضية.
في العمق، يكشف البيان عن تصدع بنيوي ناتج عن تناقض وجودي في المصالح لا يمكن جسره؛ فحماس، تحت وطأة الحصار والحاجة للسلاح، باتت ترى في طهران "رئة عسكرية" لا غنى عنها للبقاء، بينما يرى إخوان الكويت في النفوذ الإيراني "خطراً وجودياً" يهدد كيان الدولة التي ينتمون إليها. هذا التباين الحاد حوّل التحالف "غير المعلن" من ذخر إستراتيجي إلى "عبء سياسي وأمني" لا يمكن تحمله أو الدفاع عنه. إننا أمام نهاية فعلية لزمن "وحدة المسار" الأيديولوجي، لصالح زمن "واقعية الدولة"، حيث أصبحت الجغرافيا والحدود الوطنية هي التي ترسم التحالفات، وليس وحدة الفكر أو الانتماء الحركي العابر للقارات.
خاتمة
ختاماً، يمكن القول إن بيان "إخوان الكويت" هو تجسيد لانتصار "الواقعية الجيوسياسية" على "اليوتوبيا التنظيمية"، حيث أدركت الحركة أن كلفة الدفاع عن "حماس" في نسختها المرتبطة بطهران باتت تهدد أمنها الوجودي في الداخل. إن هذا "الافتراق الاضطراري" في الطرق يضع حماس في عزلة متزايدة عن حواضنها التقليدية في المنطقة العربية، ويؤكد أن زمن "وحدة المسار" الأيديولوجي قد ولى لصالح زمن "أمن الدولة أولاً". هذا التحول ليس مجرد سحابة صيف أو مناورة لامتصاص الغضب، بل هو إعادة تموضع استراتيجي يضع "المصلحة الوطنية" كحجر زاوية وحيد لمشروعية أي حراك سياسي في المنطقة، لتبقى الكويت أولوية مطلقة لا تعلو عليها أيديولوجيا ولا يحكمها ارتهان.
نص البيان
رداً على بيان حركة «حماس» وجناحها العسكري بشأن العدوان الإيراني..
الحق أحقُّ أن يُتَّبع
مجلة المجتمع
ما صدر عن حركة «حماس» في بيانها السابق، وما أعقبه اليوم من تصريح للناطق باسم «كتائب القسام»، يضعنا أمام مسارٍ واضح لا يمكن تجاهله، ويستوجب بيان الموقف حياله بكل وضوح ومسؤولية.
وانطلاقاً من ذلك، وتأكيداً على وضوح الموقف دون لبس، نؤكد ما يلي:
أولاً: في لحظةٍ يُختبر فيها وضوح المواقف، يبقى أمن الكويت واستقرارها حداً فاصلاً لا يُساوَم عليه، وكل خطابٍ لا يُدين الاعتداءات الإيرانية الآثمة صراحةً يُعدّ موقفاً مرفوضاً لا يمكن قبوله أو تبريره.
ومع عدم إدانة هذا الاعتداء بوضوح من قبل حركة «حماس» أو «كتائب القسام»، فإن هذا الصمت يُعدّ موقفاً منحازاً، وهو مرفوض بشكل واضح وصريح، ولا يمكن القبول به أو تبريره تحت أي ظرف.
ثانياً: نؤكد أن القضية الفلسطينية لا تُختزل في حركة «حماس» أو غيرها من الفصائل، فهي قضية شعب وأمة، وحق تاريخي يرتبط بالأرض والإنسان، وبالمقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، ولا يمكن أن تكون حكراً على أي جهة.
ثالثاً: نؤكد أن ربط «حماس» لمسارها الإستراتيجي بإيران أضر بالقضية أكثر مما خدمها؛ إذ أدخلها ضمن مشروع التوسع والتمدد الإيراني في المنطقة، وهو مشروع يعيد توظيف القضايا ضمن حساباته، ويُخرجها من إطارها العربي الجامع إلى مسارات تُضعف حضورها وتفتح باب الانقسام حولها بدل أن توحّد الصف عليها.
رابعاً: لا يمكن لذرائع «الدعم الأكبر» أن تكون معياراً للمفاضلة، فالقضايا العادلة تُقاس بثبات مبادئها واتساع حاضنتها ووضوح انتمائها، لا بحجم ما يُقدَّم لها، وإلا انتقلت من منطق الحق إلى منطق الارتهان.
وختاماً..
تبقى القضية الفلسطينية قضية جامعة للأمة، لا يجوز توظيفها ضمن مشاريع إقليمية أو حسابات نفوذ، وأي ربط لها بمثل هذه المشاريع يضيّقها بعد أن كانت قضية أمة، ويضعفها بعد أن كانت عامل توحيد، وتبقى الكويت أولوية لا تعلو عليها أي قضية، وأمنها واستقرارها خطٌّ أحمر لا يُساوَم عليه، ولا يُقبل تجاوزه أو المساس به تحت أي ظرف، ومن لا يقف مع بلادنا في لحظة التحدي ويُحجم عن نصرتها أو يلتزم الصمت تجاه الاعتداء عليها، فقد اختار موقعه بنفسه، ولا يُنتظر منا أن نقف معه أو نُبرر مواقفه.
والله ولي التوفيق.
