حسام الحداد يكتب: تحولات "الحق" في العقل الإخواني

الأحد 12/أبريل/2026 - 11:19 ص
طباعة حسام الحداد يكتب: حسام الحداد
 
تمثل ظاهرة "الإخوان المسلمون" مادة خصبة للدراسات السوسيو-سياسية، ليس فقط لثقلها التاريخي، بل للتفاوت الحاد في سرديات تقييمها. ويأتي كتاب "الإخوان المسلمون في ميزان الحق" ليمثل حالة فريدة في المكتبة العربية؛ حيث يتشارك مؤلفان متباينان في العنوان والهدف، ويفترقان في المسار والمنهج. فبينما يطل علينا أنور الجندي من شرفة "المفكر الموسوعي" الذي يسعى لترسيخ الجماعة كحصن للهوية وحائط صد ضد التغريب، يقدم محمد فريد عبد الخالق رؤيته من قلب "الممارسة التنظيمية" كأحد الأركان التاريخية للجماعة، محولاً العنوان من صبغة الدفاع إلى صبغة المراجعة والتشريح القانوني والسياسي.
إن أهمية هذه المقارنة تكمن في كشف الصراع بين "الصورة الذهنية" التي يراد ترويجها للجماعة كفكرة عابرة للخطأ، وبين "الواقع العملي" الذي اصطدمت فيه الجماعة بالدولة والمجتمع. ومن خلال مختبر تحليل الخطاب والنقد المقارن، نسعى لتفكيك الأدوات التي استخدمها كل مؤلف لصياغة مفهوم "الحق"؛ فالحق عند الجندي هو معيار أيديولوجي لإثبات التفوق الفكري، بينما الحق عند عبد الخالق هو معيار أخلاقي وتاريخي لاستعادة نزاهة المنهج عبر الاعتراف بزلات التنظيم، مما يجعلنا أمام نصين يعبران عن "ثنائية المثال والواقع" في العقل الحركي الإسلامي.

حسام الحداد يكتب:
المنهجية والموقع من الحدث (Positionality)
لا يمكن فهم الفوارق الجوهرية بين كتابي "الإخوان المسلمون في ميزان الحق" دون تحليل "التموضع المعرفي" لكل من أنور الجندي ومحمد فريد عبد الخالق؛ فالموقع الذي ينطلق منه الكاتب يحدد سلفاً زاوية الرؤية، وطبيعة الأدوات التحليلية، وحتى النتائج التي يخلص إليها. في هذا القسم، نفكك التباين بين خطاب ينطلق من "خارج" التجربة التنظيمية ليدافع عن "الفكرة"، وخطاب ينطلق من "قلب" التجربة ليمارس نقد "الممارسة"، مستعرضين كيف أثر هذا التموضع على صياغة مفهوم "الحق" لدى الطرفين.
يتبنى أنور الجندي في كتابه موقع الذائد عن حياض الهوية، حيث ينطلق من فرضية أن الجماعة هي الرد الطبيعي والضروري على موجات التغريب التي اجتاحت العالم الإسلامي. يتسم خطابه بصبغة "تبشيرية" واضحة، حيث يسعى لإثبات شرعية الحركة انطلاقاً من دورها في إحياء القيم الإسلامية، وهو ما يظهر جلياً في تحليله الذي يربط بين نشأة الجماعة وبين سياق المواجهة الثقافية مع الغرب، معتبراً إياها "حركة بعث شاملة" (الجندي، 2013، ص 15). المنهجية هنا استعلائية إيمانية، لا ترى في الجماعة مجرد تنظيم سياسي، بل فكرة عابرة للحدود والزمان.
على النقيض تماماً، يتخذ محمد فريد عبد الخالق موقع "الشاهد الفاعل" الذي يمزج بين الخبرة التنظيمية والرؤية القانونية المنضبطة. ففي كتابه الذي يحمل ذات العنوان، لا يكتفي عبد الخالق بالسرد التاريخي، بل يقدم "شهادة مجروحة" من الداخل تهدف إلى تفكيك بنية القرار داخل الجماعة. يبتعد خطابه عن الوعظية ليدخل في مساحات "التحليل المؤسسي"، حيث يراجع المواقف المفصلية للجماعة بعين الناقد الذي عاش الحدث، مؤكداً أن المراجعة هي سبيل الحفاظ على جوهر الفكرة من انحرافات التنظيم، وهو ما يتضح في مناقشته لآليات الشورى وموازين القوة الداخلية (عبد الخالق، 1987، ص 42).
يبرز التباين في "الموقع من الحدث" من خلال الأدوات اللغوية والتحليلية المستعملة؛ فبينما يستخدم الجندي "منهج الدفاع عن الهوية" الذي يرتكز على المفاهيم الكلية والحشد العاطفي لإثبات صوابية المسار العام للجماعة، يميل عبد الخالق إلى "المنهج النقدي المقارن" بين المبادئ التي وُضعت في عهد التأسيس وبين الممارسة الفعلية على أرض الواقع. هذا الفارق الجوهري يجعل خطاب الجندي موجهاً لتعزيز الثقة بالذات الإسلامية، بينما يتجه خطاب عبد الخالق نحو "التصويب الهيكلي"، مشيراً إلى أن تغليب الجانب التنظيمي على الجانب الدعوي قد أدى إلى أزمات سياسية كبرى (عبد الخالق، 1987، ص 118).
في ميزان النقد المقارن، نجد أن "الحق" في عنوان كتاب الجندي هو "الحق المطلق" الذي تمثله الرسالة الإسلامية كما تجسدها الحركة في مواجهة الخصوم الأيديولوجيين، وهو ما يعكسه إصراره على أن الإخوان هم "ضمير الأمة اليقظ" (الجندي، 2013، ص 89). أما "الحق" عند فريد عبد الخالق، فهو "الحق النسبي" المرتبط بالصدق التاريخي والعدالة في تقييم التجربة البشرية، حيث يضع مواقف الجماعة من السلطة والعنف السياسي تحت مجهر النقد الصارم، معتبراً أن الاعتراف بالخطأ التاريخي هو أعلى درجات الالتزام بالحق، خاصة في توثيقه لأزمات الجماعة مع النظام الناصري وتداعياتها (عبد الخالق، 1987، ص 205).

التحليل السيميائي وبنية الخطاب (Discourse Analysis)
تتجلى الفجوة المعرفية بين أنور الجندي ومحمد فريد عبد الخالق في "استراتيجيات الخطاب" المتبعة؛ فبينما يرتكن الأول إلى سلطة النص الفكري والجمالي لبناء حالة من اليقين الأيديولوجي، يعتمد الثاني على سلطة الوقائع والمنطق القانوني لزعزعة هذا اليقين لصالح المراجعة والتقويم. يهدف هذا التحليل إلى رصد الكيفية التي استُخدمت بها اللغة والمحاور والجمهور المستهدف لتشكيل صورة "الجماعة" في ذهن القارئ، وكيف تحول "ميزان الحق" من كونه أداة للدفاع الحضاري عند الجندي إلى مبضع للجراحة النقدية عند عبد الخالق.
يستند أنور الجندي إلى لغة "إنشائية حماسية" ذات طابع أدبي رفيع، حيث يطغى على مفرداته استخدام "المفاهيم الكلية" التي تهدف إلى الحشد الوجداني، مثل استخدامه المكثف لمصطلحات "الأمة، اليقظة، والزحف المقدس"، معتبراً أن خطاب الإخوان هو المعبّر الأصيل عن ضمير هذه الأمة في وجه التغريب (الجندي، 2013، ص 22). في المقابل، يتبنى محمد فريد عبد الخالق لغة "إجرائية منضبطة" تقترب من الصياغات القانونية، حيث يتخلى عن الزخرف الأدبي لصالح الدقة في وصف الوقائع وتحديد المسؤوليات التنظيمية، وهو ما يبرز في تحليله الدقيق لمسألة "البيعة" وحدود الطاعة داخل النظام الخاص، مبتعداً عن العاطفة ومنحازاً للتحليل المؤسسي (عبد الخالق، 1987، ص 54).
يتمحور خطاب الجندي حول "الجماعة كفكرة ومنهاج"، حيث يضعها في سياق صراع وجودي ضد العلمانية والمذاهب المادية، فالمحور لديه هو "الفكرة" التي لا تقبل الانكسار، والتي يراها "الحق" الذي يدمغ باطل الأيديولوجيات الوافدة (الجندي، 2013، ص 105). أما فريد عبد الخالق، فيجعل من "الجماعة ككيان بشري" محوراً لدراسته، حيث ينزع عنها صفة القداسة الفكرية ليضعها في ميزان الخطأ والصواب؛ فهو لا يناقش الفكرة في تجردها، بل يناقش "الممارسة السياسية" ومآلات القرارات القيادية التي أدت إلى تصادم الجماعة مع المجتمع أو الدولة، معتبراً أن الاعتراف بالخطأ البشري هو المدخل الوحيد للإصلاح (عبد الخالق، 1987، ص 142).
يوجه أنور الجندي خطابه نحو "القارئ العام" والشاب المسلم الباحث عن "شرعية" الانتماء لهذا التيار، مستخدماً استراتيجية "الإقناع بالجماليات" وتثبيت الأصول الفكرية، ليكون الكتاب بمثابة "مانيفستو" وجداني يعزز اليقين بصحة المسار (الجندي، 2013، ص 188). بينما يستهدف عبد الخالق بوضوح "النخبة المثقفة" والباحثين المتخصصين، بالإضافة إلى "أبناء الحركة" أنفسهم، حيث يهدف خطابه إلى إحداث صدمة نقدية تدفع نحو "المراجعة الذاتية"، وهو ما يظهر في لغته التي لا تسعى للاستقطاب بقدر ما تسعى لاسترجاع "الشرعية الدستورية" داخل أروقة التنظيم (عبد الخالق، 1987، ص 210).
ينتهي خطاب الجندي إلى تكريس صورة "الجماعة المخلّصة" التي تمثل ميزان الحق في مواجهة الباطل، مما يجعل نصه وثيقة "دفاعية" من الطراز الأول تهدف إلى صيانة الصورة الذهنية للحركة (الجندي، 2013، ص 214). وعلى النقيض، ينتهي خطاب عبد الخالق إلى تقديم وثيقة "تقويمية" بامتياز، تضع الممارسة الإخوانية في ميزان النقد المقارن مع الحقوق والحريات والواقع السياسي المعاصر، مؤكداً أن الاستمرار في إنكار الأخطاء التنظيمية هو تضييع للحق الذي قامت من أجله الجماعة، مما يجعل كتابه "مرجعاً نقدياً" يتجاوز حدود التمجيد إلى آفاق النقد السياسي الجاد (عبد الخالق، 1987، ص 302).

 النقد المقارن للمضامين
تعد قضية "المضامين" هي الجوهر الذي يفترق عنده الكتابان رغم اتحاد العنوان؛ فبينما ينشغل أحدهما بتثبيت "المثال الفكري"، يغوص الآخر في تشريح "الواقع العملي". هذا التباين في المضمون يعكس رؤيتين مختلفتين لمعنى "الحق" وكيفية قياس الجماعة بمقتضاه، مما يجعل المقارنة بينهما دراسة في تحولات الخطاب من التنظير إلى المراجعة.
يركز أنور الجندي في مضامينه على تقديم الإخوان كبديل "عقدي" متكامل في مواجهة الأيديولوجيات الوافدة. الميزان لديه هو ميزان "الحق والباطل" بمعناه الأيديولوجي، حيث يضع أطروحات الجماعة في كفة، والمذاهب المادية (كالماركسية والليبرالية) في كفة أخرى، ليخلص إلى أن الجماعة هي الحصن الأخير للهوية. فالمضمون هنا يدور حول "شمولية الإسلام" وقدرته على الحل، معتبراً أن نجاح الإخوان يقاس بمدى صمود فكرتهم أمام "الزحف الثقافي" الغربي الذي استهدف عقل الأمة (الجندي، 2013، ص 45).
على النقيض من ذلك، ينتقل محمد فريد عبد الخالق بالمضمون إلى ميزان "الممارسة والواقع". هو لا يقارن الجماعة بخصومها الأيديولوجيين، بل يقارنها بـ "ذاتها" وبمبادئها الأولى التي قامت عليها. يركز المضمون هنا على رصد الانحرافات التي شابت المسيرة، خاصة فيما يتعلق بتغول الجانب "التنظيمي" على الجانب "الدعوي"، مؤكداً أن الحق يقتضي مواجهة النفس بالأخطاء التاريخية التي وقعت فيها القيادة، سواء في علاقتها بالسلطة أو في إدارتها للأزمات الداخلية (عبد الخالق، 1987، ص 88).
يفرد فريد عبد الخالق مساحة واسعة لنقد "التنظيم الخاص"، وهو مضمون يغيب تماماً عن كتاب الجندي الذي يراه مجرد ضرورة تاريخية. في ميزان عبد الخالق، كان هذا التنظيم يمثل "انحرافاً" عن منهج الدعوة العلنية وسقوطاً في فخ العنف الذي جانبه الصواب. يوثق عبد الخالق كيف أن الوسائل غير المشروعة قد أفسدت المآلات السياسية للجماعة، معتبراً أن ميزان الحق لا يستقيم إذا اختلت شرعية الوسائل، مهما بلغت نبل الغايات (عبد الخالق، 1987، ص 156).
تتجلى الفجوة في المضامين عند النظر إلى "الغائية"؛ فمضمون كتاب الجندي يهدف إلى "التثبيت" النفسي والفكري للقاعدة الإخوانية والتعريف بالجماعة أمام الرأي العام كحركة إصلاحية شاملة لا تشوبها شائبة، واصفاً إياها بأنها "النموذج التطبيقي للإسلام في العصر الحديث" (الجندي، 2013، ص 192). بينما يهدف مضمون كتاب عبد الخالق إلى "التصويب" البنيوي؛ فهو يرى أن الصمت عن الأخطاء (مثل أزمة مارس 1954) هو خيانة لمفهوم الحق، ولذلك يقدم نقداً نابعاً من الحرص على "الأصل" الفكري للجماعة لا هدمها، محاولاً إنقاذ "الفكرة" من عثرات "التنظيم" (عبد الخالق، 1987، ص 240).

الخاتمة النقدية
في الختام، يظهر النقد المقارن أن كتاب أنور الجندي ظل محبوساً في إطار "الدفاعيات التقليدية" (Apologetics)، حيث تعامل مع الجماعة ككتلة صلبة ومثالية في مواجهة الخارج، مما أضعف من قدرته على رصد التصدعات الداخلية أو الأزمات الهيكلية التي أدت لاحقاً إلى تراجع دور الجماعة. إن خطاب الجندي، برغم قوته الأدبية، يفتقر إلى "الحس النقدي" اللازم لفهم أسباب الفشل السياسي، مفضلاً الهروب إلى "المفاهيم الكلية" وتصوير الأزمات كجزء من مؤامرة كونية على الهوية الإسلامية، وهو ما يجعل كتابه وثيقة وجدانية أكثر منها مرجعاً تحليلياً رزيناً.
على الجانب الآخر، يمثل كتاب محمد فريد عبد الخالق طفرة في "أدبيات المراجعة"، حيث كسر حاجز القداسة التنظيمية وقدّم نموذجاً للشخصية القانونية التي لا تطوع الحقائق لخدمة التنظيم، بل تطوع التنظيم لميزان الحق. لقد نجح عبد الخالق في إثبات أن "نقد الذات" هو أعلى درجات الوفاء للفكرة، وأن الانحرافات التي شابت "التنظيم الخاص" والقرارات السياسية لم تكن مجرد عثرات عابرة، بل كانت نتاج خلل بنيوي في فهم العلاقة بين الدعوي والسياسي. وبذلك، يظل كتاب عبد الخالق هو الأبقى أثراً في دوائر البحث الجاد، كونه وضع مِبضع الجراح على مواطن الألم، داعياً إلى استعادة "الشرعية الدستورية" داخل الفكر الحركي بعيداً عن حماسات التنظير الانشائي.

شارك