من يربح ومن يخسر في «المعادلة الإقليمية الجديدة» بعد حرب 2026؟
الإثنين 13/أبريل/2026 - 10:11 ص
طباعة
حسام الحداد
انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط في 28 فبراير 2026 لم يكن مجرد جولة تقليدية من صراع ممتد، بل مثّل الزلزال الذي أطاح بأسس النظام الإقليمي القديم وأعلن ولادة معادلة قوة قسرية. المواجهة المفتوحة التي انطلقت في 28 فبراير وضعت التحالف الأمريكي الإسرائيلي في مواجهة مباشرة مع العمق الإيراني، مسفرةً عن استهداف غير مسبوق للقيادة العليا في طهران وتفكيك مفاصل البرنامج النووي والصاروخي، وهو ما استدعى رداً إيرانياً "أفقياً" استهدف عصب الطاقة العالمي وشل حركة الملاحة في مضيق هرمز، محولاً الصراع من مواجهة عسكرية محدودة إلى حرب استنزاف اقتصادية طالت شظاياها عواصم القرار الدولي من بكين إلى واشنطن.
الواقع الميداني والجيوسياسي الذي استقر نسبياً بعد وقف إطلاق النار الهش في أبريل 2026، يكشف عن مشهد شديد التعقيد لا تخضع فيه حسابات الربح والخسارة للمنطق العسكري الصرف. فبينما تتباهى إسرائيل بتفوقها التكتيكي، وتئن إيران تحت وطأة الخسائر الاستراتيجية، تبرز قوى عالمية أخرى كلاعبين مستفيدين من حالة "الإنهاك الأمريكي"، في حين تحاول دول الخليج والمفوضية الأوروبية موازنة التبعات الاقتصادية القاسية. هذا التحليل يشرح موازين القوى الجديدة بناءً على المعطيات التي تشكلت حتى 13 أبريل، ملقياً الضوء على الفجوات التي أحدثتها الحرب في جدار الهيمنة التقليدية.
إيران: الخاسر الاستراتيجي الأكبر... مع بعض أوراق الضغط
تعرضت إيران لضربة قاسية: مقتل آلاف (بينهم مدنيون وعسكريون)، تدمير جزء كبير من قدراتها الصاروخية والبحرية، وخسائر اقتصادية تتراوح بين 145 مليار دولار وتريليون دولار. النظام فقد رأسه التاريخي، وتواجه طهران ضغطاً اقتصادياً هائلاً بسبب العقوبات المستمرة وتعطل صادرات النفط عبر هرمز (خسائر يومية تصل إلى مليارات الدولارات للمنطقة بأكملها). مع ذلك، لم تنهار طهران. اعتمدت استراتيجية «التصعيد الأفقي» الناجحة نسبياً: ضربات على منشآت طاقة خليجية، وتنظيم انتقائي للمرور في هرمز (إجبار سفن على الدوران أو دفع رسوم باليوان الصيني). ترفض إيران وقف إطلاق نار مؤقتاً، مطالبة برفع العقوبات، تعويضات، وبروتوكول أمني يعترف بنفوذها في المضيق. هذا يمنحها نفوذاً تفاوضياً، لكن على حساب استقرارها الداخلي والإقليمي. الخلاصة: خسارة استراتيجية طويلة الأمد، مع قدرة مؤقتة على فرض تكاليف على الآخرين.
إسرائيل: الرابح الرئيسي... مع مخاطر الاستمرار
حققت إسرائيل أهدافها الرئيسية: إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، تصفية قيادات عليا، وتفكيك جزء كبير من «محور المقاومة» (خسائر حزب الله تجاوزت 1400 مقاتل). استمرت عملياتها في لبنان (السيطرة على مناطق جنوبية واسعة)، مستفيدة من الضعف الإيراني. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يستغل الإنجاز لتعزيز موقفه السياسي داخلياً، ويُرى الآن إسرائيل كقوة مهيمنة عسكرياً في الإقليم. الثمن: خسائر بشرية (عشرات القتلى والجرحى)، تكاليف مالية (أكثر من 11 مليار دولار)، وتوتر مع بعض الدول الخليجية التي تتهمها بجرّ المنطقة إلى الحرب. لكن المكاسب الاستراتيجية تفوق الخسائر: إعادة رسم الردع الإقليمي لصالحها. الخلاصة: رابح واضح على المدى القصير والمتوسط، بشرط عدم الانجرار إلى حرب استنزاف.
دول الخليج: الخاسر الجانبي... لكنها تكتسب تماسكاً دفاعياً
دفعت دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، عمان) ثمناً باهظاً رغم عدم مشاركتها المباشرة: هجمات إيرانية على منشآت طاقة (رأس لفان في قطر، حقول نفط في السعودية والإمارات)، مطارات، موانئ، ومناطق سكنية، أسفرت عن عشرات القتلى ومئات الجرحى. تعطلت الملاحة في هرمز، مما كلف الدول المصدرة نحو 2 مليار دولار يومياً في مارس وحده، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً وتهديد الاقتصادات المحلية. ردّ الخليج: تصلب موقفه ضد طهران (قرار مجلس الأمن 2817 الذي أدان الضربات الإيرانية)، دعوات لتحالف دولي لإعادة فتح المضيق بالقوة، وتعزيز الدفاعات. هذا يعزز التقارب مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكنه يعرض الاستقرار الاقتصادي للخطر. الخلاصة: خسارة اقتصادية وأمنية فورية، مقابل اكتساب وعي جماعي وفرصة لإعادة ترتيب الأمن الإقليمي بعيداً عن الاعتماد على إيران.
أوروبا: المتفرج الاستراتيجي... مع تأثيرات اقتصادية مباشرة
حافظت أوروبا على موقف حذر: دعوات متكررة لاحتواء التصعيد، رفض المشاركة العسكرية المباشرة في تأمين هرمز (رغم إعادة نشر حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول)، ودعم دبلوماسي ولوجستي هادئ للجهود الأميركية-الإسرائيلية. لم تكن أوروبا طرفاً فاعلاً، بل متأثراً: ارتفاع أسعار الطاقة يهدد نموها، وتعطل الملاحة يؤثر على سلاسل التوريد. تعمل بروكسل والعواصم الكبرى (فرنسا، ألمانيا) على وساطة دبلوماسية وتعزيز الشراكة مع الخليج، لكن غياب القدرة العسكرية المستقلة يجعلها «متفرجاً استراتيجياً». الخلاصة: خسارة اقتصادية غير مباشرة، مع عدم اكتساب نفوذ سياسي يذكر في إعادة تشكيل الإقليم.
"الرابحون الصامتون" خلف غبار المعركة
بينما تنشغل واشنطن باستنزاف قدراتها العسكرية في المواجهة المباشرة، تبرز الصين كـ "الرابح الاستراتيجي الصامت" من هذه الفوضى. فمع تعطل الملاحة التقليدية في مضيق هرمز، تحولت بكين إلى الوسيط الوحيد القادر على لجم التهور الإيراني وحماية مصالح الخليج في آن واحد، مستغلةً حاجة طهران الماسة لمنفذ اقتصادي وحاجة العواصم الخليجية لمشترٍ مستقر. هذا النفوذ لم يترجم سياسياً فحسب، بل أحدث شرخاً في النظام النقدي العالمي؛ حيث فُرض "اليوان الرقمي" كعملة أمر واقع لتسوية معاملات الطاقة العابرة للمضيق وتغطية رسوم المرور التي فرضتها إيران. وبذلك، حققت بكين حلمها التاريخي بتدويل عملتها وكسر هيمنة "البترودولار" في أهم ممر مائي في العالم، دون أن تطلق رصاصة واحدة.
أما روسيا، فقد وجدت في حرب 2026 "قبلة الحياة" لآلتها الحربية وطموحاتها الجيوسياسية. فقد أدى الانشغال الأمريكي الكامل بالجبهة الإيرانية إلى تراجع زخم الدعم العسكري لأوكرانيا، مما منح موسكو فرصة ذهبية لترسيخ مكاسبها الميدانية وسط ارتباك الغرب. اقتصادياً، استفاد الكرملين من القفزة الجنونية في أسعار النفط والغاز العالمية نتيجة توترات الخليج، مما وفر تدفقات مالية ضخمة مكنته من تجاوز العقوبات الغربية وتمويل المجهود الحربي لسنوات قادمة. الخلاصة هنا أن موسكو وبكين استثمرتا حالة "الاستقطاب الحاد" لتحويل مسار النفوذ العالمي بعيداً عن القطب الواحد، مستفيدتين من تورط واشنطن في صراع إقليمي استنزف مواردها وهيبتها الدبلوماسية.
الولايات المتحدة: "المنتصر المنهك" ومعضلة الداخل
رغم النجاح العسكري في تحجيم القدرات الإيرانية، تواجه واشنطن مأزقاً داخلياً هو الأكثر تعقيداً منذ عقود؛ إذ تأتي حرب 2026 في توقيت سياسي حساس تزامناً مع احتدام السباق نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية. هذا التوقيت فجّر موجة غضب شعبي عارمة ضد ما بات يُعرف بـ "الحروب الأبدية الجديدة"، حيث يرفض دافع الضرائب الأمريكي تحمل كلفة "إعادة إعمار" منطقة لا تزال تشتعل بالعداء، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المحلي من تبعات التضخم وارتفاع أسعار الطاقة. إن قدرة واشنطن على لعب دور "شرطي هرمز" لفترة طويلة باتت مشكوكاً فيها، ليس لعجز عسكري، بل لفقدان الإرادة السياسية والغطاء الشعبي؛ فالإدارة الحالية تجد نفسها عالقة بين التزاماتها التاريخية تجاه أمن إسرائيل والخليج، وبين ضغوط تيار "الانعزالية الجديدة" الذي يطالب بالانسحاب والتركيز على المنافسة مع الصين في المحيط الهادئ. هذا "الإنهاك الاستراتيجي" يجعل الوجود الأمريكي في المنطقة بعد الحرب هشاً، ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول من سيملأ الفراغ إذا ما قررت واشنطن "الخروج الكبير" لتجنب زلزال سياسي في صناديق الاقتراع.
وأخيرا نجد ان المعادلة الإقليمية الجديدة التي أفرزتها حرب 2026 تضع الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تاريخي؛ فهي من جهة أثبتت أن التفوق العسكري الكاسح لم يعد كافياً لفرض استقرار مستدام في ظل قدرة الأطراف المنهكة على تصدير الأزمات اقتصادياً وسيبرانياً. الربح الذي حققته إسرائيل والولايات المتحدة عسكرياً يواجه اليوم تحدي الاستمرارية أمام تصاعد نفوذ "اليوان" الصيني والتموضع الروسي الجديد، مما يعني أن المنطقة لم تعد ساحة حصرية للمصالح الغربية. إن استدامة وقف إطلاق النار الحالي مرهونة بقدرة المجتمع الدولي على صياغة بروتوكولات أمنية تضمن حرية الملاحة مقابل تسويات اقتصادية شاملة، وإلا فإن هذا الهدوء لن يكون سوى "استراحة محارب" تسبق جولة أكثر عنفاً، يكون فيها الخاسر الأكبر هو مفهوم الدولة الوطنية والاستقرار العالمي.
