كابو ديلجادو: هل تصبح "تورا بورا" أفريقيا بعد رحيل الروانديين؟
الأربعاء 15/أبريل/2026 - 09:27 ص
طباعة
حسام الحداد
تجد جمهورية موزمبيق نفسها اليوم عند مفترق طرق تاريخي قد يعيد تشكيل خارطة الأمن في جنوب القارة السمراء، حيث بدأت عقارب الساعة تدق منذرة بنهاية الحقبة الرواندية في مقاطعة "كابو ديلجادو". هذا التحول الدراماتيكي لم يكن وليد صدفة عسكرية، بل نتيجة ضغوط مالية وجيوسياسية خانقة، بعد تلويح الاتحاد الأوروبي بقطع شريان التمويل الحيوي عن القوات الرواندية بحلول مايو 2026. إن هذا الانسحاب المرتقب لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل هو نذير بانهيار "جدار الصد" الأقوى الذي وقف لسنوات في وجه تمدد تنظيم "داعش"، مما يضع الحكومة في مابوتو أمام معضلة أمنية وجودية، وسط مخاوف من عودة الإرهاب لابتلاع المكاسب الهشة التي تحققت بالدم والمال.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، يتجاوز القلق حدود موزمبيق ليصل إلى أروقة صناعة القرار الدولي؛ فالمقاطعة الشمالية ليست مجرد ساحة حرب، بل هي قلب اقتصادي ينبض باستثمارات غازية بمليارات الدولارات. إن الفراغ الأمني الذي سيخلفه رحيل "رأس الحربة" الرواندي يطرح تساؤلات حارقة حول قدرة الدولة الموزمبيقية على الصمود بمفردها، أو العثور على "منقذ" بديل يمتلك ذات الكفاءة القتالية والسرعة اللوجستية. وبينما تبحث مابوتو عن مخارج في أروقة "سادك" أو عبر التحالفات الثنائية مع الجوار، يراقب المسلحون الجهاديون الوضع عن كثب، مستعدين لاستغلال أي ثغرة قد يتركها المنسحبون لتحويل "فوهة البركان" إلى انفجار شامل يزعزع استقرار المنطقة بأكملها.
القوة الرواندية: من "الخلاص" إلى الانسحاب المرتقب
منذ استجابة كيجالي لنداء مابوتو في يوليو 2021، أحدث التدخل العسكري الرواندي (المؤلف من نحو 1000 عنصر) صدمة إيجابية في موازين القوى، متجاوزاً بفعاليته التنسيقات الإقليمية المتعددة الأطراف التي اتسمت بالبطء. نجحت هذه القوات في فرض واقع أمني جديد عبر عمليات "جراحية" دقيقة استهدفت المعاقل الحيوية للمتمردين، حيث تمكنت من استعادة بلدة "موكيمبوا دا برايا" الاستراتيجية التي كانت تمثل رمزاً لسيطرة التنظيمات المتطرفة. ولم يقتصر الدور الرواندي على التحرير فحسب، بل امتد لتأمين "المثلث الذهبي" للطاقة في منطقة "بالما"، مما وفر حماية حاسمة لمحيط مشاريع الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة "توتال إنيرجيز"، وهو ما أعطى انطباعاً دولياً بأن رواندا هي "الضامن الوحيد" لاستثمارات الطاقة بمليارات الدولارات في شمال موزمبيق.
ومع ذلك، بدأ هذا "الخلاص العسكري" الممول أوروبياً بنحو 40 مليون يورو يواجه مرحلة من الركود العملياتي وتآكل الفعالية على الأرض. ففي الفترة الممتدة بين أواخر 2024 وأوائل 2025، كشفت الإحصائيات عن تراجع حاد في وتيرة المواجهات المباشرة، حيث لم تُسجل سوى أربع اشتباكات فقط، مما يشير إلى تغيير في استراتيجية تنظيم "داعش" الذي انتقل من المواجهة المفتوحة إلى حرب الاستنزاف والتسلل. هذا الجمود العسكري الرواندي، توازى مع ثغرات أمنية خطيرة جعلت من المدنيين "خاصرة رخوة" وهدفاً سهلاً للهجمات الانتقامية؛ حيث استغل المسلحون تركيز القوات الرواندية على حماية المنشآت النفطية الكبرى لإعادة ترتيب صفوفهم في المناطق الطرفية، مما يضع جدوى الاستمرار في هذا النموذج العسكري تحت مجهر المساءلة الدولية، خاصة مع اقتراب موعد توقف التمويل.
كابو ديلجادو: مفارقة الثروة والجوع
تجسد مقاطعة "كابو ديلجادو" واحدة من أقسى مفارقات القارة الأفريقية، حيث يطفو سكانها فوق بحر من الثروات التي جعلت المنطقة محط أنظار القوى الاقتصادية العالمية، بينما يرزحون هم تحت وطأة فقر مدقع. فالمقاطعة التي تمد العالم بنحو 80% من إمدادات الياقوت، وتخفي في باطنها احتياطيات هائلة من الذهب والجرافيت والأخشاب الثمينة، تحولت منذ اكتشاف الغاز الطبيعي فيها عام 2010 إلى ساحة صراع على العوائد. هذا التهميش الممنهج والشعور العميق بالإقصاء لدى السكان المحليين، الذين رأوا ثروات أرضهم تُستنزف دون أن تنعكس على خدماتهم الأساسية، شكّل "بيئة خصبة" لنمو جماعة "أهل السنة والجماعة" (المعروفة محلياً بالشباب). حيث استغلت الجماعة هذا الغبن الاجتماعي لتقديم نفسها كبديل "شرعي" و"منقذ" من دولة عجزت عن توفير أدنى مقومات الحياة الكريمة، مما حول الثروة الطبيعية من نعمة اقتصادية إلى وقود للتمرد المسلح.
خلف هذه الأطماع الاقتصادية، تدفع كابو ديلجادو ضريبة بشرية باهظة جعلت منها منطقة منكوبة دولياً ومنعزلة عن سياق التنمية. فمنذ اندلاع شرارة التمرد الأولى في عام 2017، تحولت المقاطعة إلى مسرح لجرائم مروعة وأزمة إنسانية وصفت بأنها "ثقب أسود" يبتلع الأرواح والآمال؛ إذ تشير الإحصائيات إلى مقتل ما يقرب من 6500 شخص في نزاعات دموية وهجمات مباغتة. ولم يتوقف الأمر عند القتل، بل امتد ليشمل تمزيق النسيج الاجتماعي عبر تهجير أكثر من 1.3 مليون نازح فروا من جحيم المعارك إلى مخيمات تفتقر لأبسط المقومات الصحية والغذائية. هذا النزوح المليوني لم يؤدِ فقط إلى إفراغ القرى من سكانها الأصليين، بل خلق أزمة لجوء إقليمية وضغطاً هائلاً على دول الجوار، مما جعل كابو ديلجادو جرحاً نازفاً في خاصرة جنوب أفريقيا، حيث باتت المعاناة الإنسانية فيها تفوق في حجمها أي أرقام تتعلق بصادرات الغاز أو الأحجار الكريمة.
سيناريوهات ما بعد الانسحاب: فراغ أم بديل ثنائي؟
لا ينظر خبراء الأمن الدوليون إلى الانسحاب الرواندي المحتمل كمجرد "إعادة تموضع" عسكري، بل يصفونه بأنه "نقطة تحول هيكلية" قد تنسف المنجزات الأمنية الهشة التي تحققت في السنوات الأخيرة. إن رحيل القوات الأكثر احترافية في الميدان ينذر بخلق "فراغ سيادي" ستسارع الجماعات الجهادية لملئه، مما يضع حكومة مابوتو أمام خيارات أحلاها مرّ، حيث تتأرجح بين بعثات إقليمية أثبتت فشلها، وتدخلات قارية مكبلة بالبيروقراطية، أو المراهنة على تحالفات ثنائية محفوفة بالمخاطر اللوجستية والسياسية.
معضلة "سادك":
العودة إلى مظلة إقليمية مثقوبة يبرز سيناريو استدعاء قوات "مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية" (SADC) من جديد كخيار بديهي من الناحية الدبلوماسية، إلا أنه يواجه واقعاً ميدانياً محبطاً. فالتجارب السابقة لبعثة (SAMIM) كشفت عن ثغرات لوجستية وتنسيقية هائلة، حيث اتُّهمت الدول الأعضاء بالتقاعس عن الوفاء بالتزاماتها المالية والعسكرية، مما أدى لانسحابها التدريجي وترك الساحة لرواندا. واليوم، يبدو هذا الخيار مستبعداً في دهاليز القرار بموزمبيق، نظراً لأن المتمردين باتوا يمتلكون "زخماً معنوياً" بعد إعلان انتصارهم المزعوم على قوات المجموعة في مايو 2024، مما يجعل عودتها تحت نفس الظروف مخاطرة أمنية غير محسوبة النتائج.
خيار الاتحاد الأفريقي:
"المادة 4" المعطلة وبيروقراطية التدخل على الورق، يمتلك الاتحاد الأفريقي مسوغات قانونية قوية للتدخل المباشر بموجب المادة 4 (ح) من قانونه التأسيسي، التي تمنحه الحق في التدخل في حالات الجرائم ضد الإنسانية والنزاعات الدامية التي تهدد الاستقرار القاري. ورغم أن الوضع في كابو ديلجادو يطابق هذه التوصيفات، إلا أن الواقع السياسي يشير إلى أن هذا الخيار يظل "بعيد المنال"؛ فالاتحاد الأفريقي أظهر تردداً مزمناً في تفعيل هذه المادة دون دعوة صريحة من الدولة العضو، كما أن تعقيدات التمويل والبيروقراطية القارية قد تجعل أي بعثة أفريقية تصل "بعد فوات الأوان"، مما يقلص من فعالية هذا السيناريو في مواجهة خطر داهم يتطلب سرعة استجابة رواندية الطراز.
الرهان التنزاني:
تحالف الثنائية الاضطراري ومخاطر الحدود المفتوحة يظل السيناريو الأكثر ترجيحاً وواقعية هو تعزيز التحالف الثنائي مع الجارة الشمالية، تنزانيا، التي تجد نفسها "مجبرة" على التدخل لحماية أمنها القومي. فدار السلام تمتلك مصلحة استراتيجية في منع تحول شمال موزمبيق إلى قاعدة خلفية لتصدير التطرف عبر حدودها المفتوحة، خاصة مع تورط مواطنين تنزانيين في صفوف الجماعات المسلحة. ومع ذلك، فإن هذا الرهان يواجه تحديات جسيمة؛ فزيادة الوجود العسكري التنزاني (المتواضع حالياً بنحو 300 جندي) تتطلب إرادة سياسية صلبة وتمويلاً ضخماً قد لا تقوى مابوتو على تأمينه بمفردها، فضلاً عن الحساسيات التاريخية المعقدة في المنطقة، مما يجعل هذا التحالف بمثابة "جراحة اضطرارية" قد لا تضمن الشفاء التام من سرطان التمرد.
في نهاية المطاف، تظل الحقيقة القاسية هي أن المدافع والحراب الرواندية، رغم براعتها، لم تكن سوى "مسكنات" لم تلامس جذور الأزمة العميقة؛ فجرح "كابو ديلجادو" ينزف بسبب الفقر المدقع والتهميش الذي جعل من "منجم الياقوت" العالمي بيئة طاردة لأبنائها وجاذبة للتطرف. إن الانسحاب الرواندي الوشيك يجب أن يكون جرس إنذار لموزمبيق والمجتمع الدولي بأن الاستقرار لا يُشترى بالتمويل الخارجي وحده، وأن أي نصر عسكري سيظل ناقصاً وهشاً ما لم يرافقه مشروع تنموي حقيقي يعيد الثقة بين المواطن والدولة. وبدون ذلك، سيبقى رحيل القوات الأجنبية بمثابة "هدية مجانية" للتنظيمات المتطرفة، ليعلن التاريخ مرة أخرى أن الأرض التي لا يحميها أبناؤها بعدالة اجتماعية، ستظل دوماً عرضة للاختطاف من قبل عابري الحدود.
