أربعينية المرشد في كنيسة أرمنية بطهران… بين الطقس والرسائل االسياسية
الأربعاء 15/أبريل/2026 - 10:55 ص
طباعة
روبيرالفارس
أثار تنظيم مراسم “الأربعين” لوفاة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي داخل كاتدرائية القديس سركيس في طهران عاصفة من الجدل، بعدما تحوّل الحدث من مجرد ذكرى دينية إلى قضية ذات أبعاد طائفية وسياسية ورمزية عميقة.
ففي الثقافة الشيعية، يُعدّ اليوم الأربعون بعد الوفاة محطة أساسية في الحداد، ويُعرف في إيران باسم “جهلم” (Chehelom).
يرتبط الرقم أربعون في الوجدان الديني بمعانٍ روحية عميقة، أبرزها أربعينية الإمام الحسين، حيث تُقام المجالس وتُتلى آيات القرآن وتُستعاد سيرة الراحل ومواقفه.
وعادةً تُقام هذه المراسم في المساجد أو الحسينيات أو عند القبور. لذلك، فإن إقامتها داخل كنيسة شكّل خروجًا واضحًا عن السياق التقليدي، ما دفع مراقبين للتساؤل: هل كان ذلك تعبيرًا عن “وحدة وطنية”، أم خطوة بروتوكولية فرضتها ظروف سياسية؟
الكنيسة والطائفة
المراسم أُقيمت في كاتدرائية القديس سركيس، وهي المقر الرئيسي لأبرشية الأرمن الأرثوذكس في طهران، وتتبع الكنيسة الأرمنية الرسولية، إحدى الكنائس المعترف بها رسميًا ضمن الأقليات الدينية في الجمهورية الإسلامية.
والأرمن في إيران يتمتعون بتمثيل برلماني خاص وبإدارة ذاتية لشؤونهم الدينية، لكنهم — كسائر الأقليات — يعملون ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.
هل كان الأمر طقسًا مسيحيًا؟
بحسب ما نُقل عن الحاضرين، لم تتحول المراسم إلى قداس مسيحي تقليدي، بل أقيمت كلمات تأبينية ورسائل رسمية بحضور شخصيات حكومية وممثلين عن الأقليات.
أي أن الكنيسة كانت مكانًا للاحتفال الرمزي، لا لإقامة طقس مسيحي خاص بالمرشد الراحل.
وهنا يبرز الفرق المهم:
لم تُصلِّ الكنيسة “صلاة مسيحية على روح المرشد” بمعناها الطقسي الليتورجي، بل استُخدم المبنى الكنسي في إطار فعالية رسمية ذات طابع وطني.
هل أُجبرت الكنيسة؟
لا توجد بيانات موثقة تشير إلى استخدام القوة أو الإكراه العلني.
لكن في السياق الإيراني، حيث تخضع المؤسسات الدينية غير الإسلامية لإشراف الدولة، يرى مراقبون أن مثل هذه الفعاليات لا يمكن أن تتم دون تنسيق مباشر مع السلطات العليا.
بمعنى آخر، لم يظهر دليل على “إجبار بالقوة”، لكن من الصعب تصور أن المبادرة كانت مستقلة تمامًا عن القرار السياسي.
رسائل الحدث
إقامة أربعينية زعيم شيعي بارز داخل كنيسة مسيحية تحمل أكثر من رسالة:
اولا رسالة داخلية تضم التأكيد على أن الدولة تمثل جميع مكوناتها الدينية.
ثانيا رسالة خارجية وهي إظهار صورة “تعددية دينية تنفي الاضطهاد المثبت” أمام الرأي العام الدولي.
ثالثا رسالة سياسية: تعمل علي ربط شخصية المرشد بإطار وطني جامع، لا طائفي صرف.
لكن في المقابل، اعتبر بعض المنتقدين أن استخدام الكنيسة في حدث ذي طابع سياسي ثقيل قد يضع الأقليات في موقف حساس، خاصة في ظل التوازن الدقيق الذي تعيشه داخل النظام الإيراني.
بين الطقس والسياسة
طقس الأربعين في جوهره تقليد ديني شيعي مرتبط بالذاكرة والهوية والحداد الجماعي.
أما حين يُنقل إلى فضاء كنسي مسيحي، فإنه يتحول من مجرد ذكرى روحية إلى حدث سياسي رمزي.
وهكذا، لم تكن القضية مجرد “صلاة في كنيسة”، بل لحظة كاشفة عن تداخل الدين بالسياسة، وعن الطريقة التي تُستخدم بها الرموز الدينية لإعادة صياغة المشهد العام.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل كان الحدث تعبيرًا صادقًا عن وحدة وطنية عابرة للطوائف؟
أم مشهدًا بروتوكوليًا يعكس توازنات الدولة أكثر مما يعكس قناعة روحية؟
في الحالتين، ستظل أربعينية المرشد داخل كنيسة أرمنية واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ العلاقة بين الدولة الإيرانية وأقلياتها الدينية.
