إسلام المتصوفة.. جدلية الحب والمعرفة والسلطة

الأربعاء 15/أبريل/2026 - 10:55 ص
طباعة إسلام المتصوفة.. حسام الحداد
 
يأتي كتاب "إسلام المتصوفة (الإسلام واحداً ومتعدّداً)" للباحث التونسي محمد بن الطيب ليحفر في واحدة من أعقد المساحات الفكرية في التراث الإسلامي، متجاوزاً بذلك المقاربات التقليدية التي حصرت التصوف إما في دائرة "الكرامات" والتبجيل، أو في خانة "البدع" والضلال. ينخرط هذا العمل ضمن مشروع فكري أوسع يشرف عليه الدكتور عبد المجيد الشرفي، يهدف بالأساس إلى خلخلة التصورات الماهوية الثابتة حول "الإسلام الواحد" والمطلق، واستبدالها برؤية "تاريخانية" و"أنثروبولوجية" قادرة على رصد التعددية الحركية والفكرية التي أنتجتها الحضارة الإسلامية عبر قرون من التفاعل بين النص والواقع المعيش.
ويسعى بن الطيب في هذا المؤلف إلى تقديم "تشريح بنيوي" للظاهرة الصوفية، لا بوصفها مجرد شطحات روحية معزولة، بل باعتبارها إحدى المؤسسات الكبرى التي صاغت الهوية الدينية والاجتماعية للمسلمين. ومن خلال منهجية تحليلية رصينة، يتتبع الكتاب مسار تحول التصوف من "رد فعل أخلاقي" بسيط ضد ترف السلطة في العصور الأولى، إلى "منظومة معرفية" متكاملة تعتمد الذوق والكشف بديلاً عن العقل والنقل، وصولاً إلى تحوله إلى "مؤسسة اجتماعية" (الزوايا والطرق) ملأت الفراغات السياسية والاقتصادية في المجتمع، مما يجعل من هذا الكتاب محاولة جادة لأنسنة التاريخ الصوفي وفهمه كصيرورة بشرية استجابت لضغوط الواقع وتحولاته.

التحليل المنهجي (الرؤية والمنطلق)
ينطلق محمد بن الطيب في دراسته من رؤية "تاريخانية" و"أنثروبولوجية" تتوخى خلخلة المفهوم الجوهري الثابت لـ "الإسلام الواحد" المطلق، لصالح الكشف عن "إسلامات" متعددة تشكلت في سياق الصيرورة التاريخية. فالمؤلف لا يتعامل مع الإسلام بوصفه كتلة صماء، بل باعتباره نصاً مؤسساً أفرز عبر التاريخ أنماطاً متباينة من الفهم والتجربة الدينية، حيث يشكل "إسلام المتصوفة" أحد هذه الأشكال التاريخية الكبرى التي اتخذها الإسلام في مسار تطوره. ومن خلال هذا المنطلق، يتجاوز الباحث "القراءات السجالية" التقليدية التي سادت لدى الفقهاء أو السلفيين، والمنحصرة في ثنائية (الدفاع أو الإدانة)؛ فهو لا يروم الانتصار للتصوف أو دحضه، بقدر ما يسعى إلى تفكيكه بوصفه "ظاهرة بشرية" وثقافية ناتجة عن تفاعل النص الديني مع الواقع السياسي والاجتماعي المعقد، وهو ما يجعله ينظر إلى التصوف كظاهرة "تشكلت داخل المجتمع الإسلامي وتفاعلت مع سياقاته"، بعيداً عن منطق التبجيل الروحي أو التكفير العقدي.
يتجلى التماسك المنهجي للكتاب في "بنيته الثلاثية" التي اعتمدت تقسيماً منطقياً يتتبع مسار التصوف من اللحظة الجنينية إلى التمأسس الاجتماعي، وهو تقسيم يهدف إلى ردم الفجوة بين "النص الروحي" المتخيل و"الواقع المادي" المعيش. يبدأ هذا المسار بتحليل "النشأة التاريخية" التي ربطت بذور الزهد الأولى بالتحولات السياسية والصراع على السلطة، ثم ينتقل في مستوى ثانٍ إلى تشريح "البنية الفكرية والروحية" التي صاغت مفاهيم الحب الإلهي والمعراج الروحي ونظرية الكشف. وفي المستوى الثالث، تكتمل الرؤية المنهجية بتحليل "التجليات المؤسسية" للتصوف، حيث يرصد المؤلف كيف تحولت التجربة الوجدانية الفردية إلى "مؤسسة اجتماعية واسعة التأثير" تتمثل في الطرق والزوايا. هذا الربط المنهجي يسمح بتقديم قراءة متكاملة تبرهن على أن التصوف ليس مجرد "شطحات" معزولة، بل هو منظومة متكاملة تؤدي وظائف اجتماعية، واقتصادية، وسياسية داخل النسيج الحضاري الإسلامي.

نشأة التصوف: من الزهد الأخلاقي إلى الموقف السياسي
يؤصل محمد بن الطيب لنشأة التصوف بوصفها "رد فعل أخلاقي" واجتماعي بالدرجة الأولى، بعيداً عن كونه مجرد تأملات فلسفية غامضة في بداياته. فقد نجح المؤلف في إبراز كيف كانت بذور الزهد الأولى نوعاً من "الاحتجاج الصامت" ضد التحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت الفتوحات، حيث أدى اتساع الثروة والصراع المرير على السلطة إلى ظهور اتجاهات نقدية داخلية عبّرت عن نفسها في "حركة الزهد". ومن هنا، يحلل المؤلف تحول الزهد من ممارسة تعبدية فردية إلى ما يمكن وصفه بـ "الأيديولوجيا المضادة" التي اتخذت موقفاً أخلاقياً صارماً من مظاهر الترف الأموي؛ إذ اختار هؤلاء الزهاد نمط حياة يقوم على التقشف والانصراف عن الدنيا، ليكون سلوكهم بمثابة "موقف نقد ممارس" للواقع السياسي والاجتماعي المأزوم آنذاك، وهو ما جعل التصوف يتسم منذ انطلاقته بطابع أخلاقي وسلوكي واضح.
يرصد المؤلف بدقة متناهية التحول الجوهري في بنية التدين الصوفي خلال القرن الثاني الهجري، وهو الانتقال من "مرحلة الزهد القائم على الخوف" إلى مرحلة جديدة كلياً برز فيها مفهوم "المحبة الإلهية" كقطب رحى للتجربة. هذا التحول الذي ارتبط بأسماء مثل رابعة العدوية، لم يكن مجرد تغيير في المصطلحات، بل كان إعادة صياغة كاملة لعلاقة الإنسان بالله؛ فبدلاً من صورة الإله "الجبار" الذي يُتقى عذابه بالبكاء والترهيب، أعاد التصوف صياغة هذه العلاقة على أساس "العشق الروحي" والشوق الخالص. ويوضح بن الطيب أن هذه النقلة النوعية هي التي سمحت لاحقاً بظهور "اتجاه تنظيري" عمل على رسم معالم الطريق الروحي للسالكين، مما حوّل التصوف من مجرد تجربة بسيطة إلى منظومة فكرية معقدة تتناول قضايا الوجود والمعرفة من منظور الحب والوصال الروحي.

الخصائص المعرفية: "الذوق" مقابل "العقل"
يحلل محمد بن الطيب البنية المعرفية للإسلام الصوفي بوصفها "قطيعة معرفية" ومنهجاً مغايراً تماماً لما استقر عليه الفقهاء والمتكلمون؛ فالمتصوفة لم يقفوا عند حدود "النقل الحرفي" للنصوص أو "الاستدلال المنطقي" الجاف، بل أسسوا نظرية معرفية قوامها "الذوق والكشف". ويوضح المؤلف أن هذه المعرفة الدينية في المنظور الصوفي هي "تجربة داخلية يكتسبها القلب بعد صفائه من الشواغل"، حيث يصبح إدراك الحقائق الإلهية متاحاً عبر الإلهام المباشر والفيض الروحي لا عبر الجدل العقلي أو الدراسة النظرية الرتيبة. إن هذا التوجه أوجد فضاءً معرفياً مستقلاً يعلي من شأن "التجربة الروحية المباشرة" كأداة للوصول إلى اليقين، مما جعل "إسلام المتصوفة" يبتعد عن صرامة القواعد الفقهية وجفاف القياس العقلي، ليؤسس بدلاً منها "طريقاً للسالكين" يتدرج فيه الصوفي عبر المقامات والأحوال حتى يبلغ مرتبة الفناء والحضور.
يثير الكتاب تساؤلاً نقدياً جوهرياً حول تداعيات هذا المنهج "الذوقي" على مسار الفكر الإسلامي، مشيراً إلى أن التصوف قدم ما يمكن تسميته بـ "العقلانية البديلة" التي لا تلغي الإدراك، بل تحوله من إدراك ظاهري إلى استبطان وجداني عميق. ومع ذلك، ينبه بن الطيب إلى أن هذه المعرفة، رغم عمقها الروحي، تظل "تجربة فردية يصعب تعميمها كمنهج علمي" منضبط بضوابط عقلية مشتركة. هذا الطابع الذاتي والمُغرق في الخصوصية جعل الخطاب الصوفي عرضة لنوع من "الانغلاق المعرفي" في مراحل لاحقة، حيث صار الطريق محصوراً في التلقي عن الشيخ والاتباع دون نقد أو تمحيص عقلي. وعليه، فإن التحول من "عقل النص" إلى "ذوق القلب" قد أضفى على التدين الإسلامي مرونة روحية هائلة، لكنه في الوقت ذاته أسهم في تراجع المناهج العقلانية البرهانية لصالح "الإشراق" الذي لا يملك أدوات برهانية لمخاطبة الآخر خارج الدائرة الصوفية.

مأسسة التصوف: من الروحانية إلى السلطة الاجتماعية
يعد هذا القسم الأكثر حيوية في دراسة بن الطيب، حيث يرصد فيه لحظة تحول التصوف من "تجربة فردية" و"حال روحي" جواني، إلى "مؤسسة اجتماعية منظمة" تجسدت في الطريقة والزاوية منذ القرن السادس الهجري. ويوضح المؤلف من منظور سوسيولوجي كيف استطاعت هذه المؤسسات أن تملأ الفراغ الذي خلفته الدولة في كثير من الأحيان، حيث تحولت "الزوايا والخوانق" إلى مراكز حيوية للحياة الاجتماعية، تضطلع بتقديم خدمات حيوية كإطعام المساكين، وإيواء المسافرين، وتوفير فضاءات للتعليم والتربية الروحية. هذا الانتقال نحو "المأسسة" منح التصوف بنية اقتصادية صلبة قامت على "الأوقاف والهبات"، مما حوّل الرابطة الروحية بين الشيخ والمريد إلى شبكة أمان اجتماعي وتضامن جماعي، جعلت من الإسلام الصوفي قوة فاعلة وقادرة على الاستمرار والتوسع جغرافياً عبر شبكات عابرة للحدود.
يطرح الكتاب مفارقة تاريخية كبرى تتعلق بالدور السياسي للتصوف؛ فبينما كانت نواته الأولى قائمة على "الهروب من السياسة" والاحتجاج بالزهد على صراعات السلطة، انتهى به المسار في مرحلة "الطرقية" ليكون لاعباً سياسياً أساسياً لا يمكن تجاوزه. ويحلل بن الطيب هذه الازدواجية موضحاً أن الطرق الصوفية اتخذت "مواقف متباينة" تمليها الضرورات الواقعية والمصالح المؤسسية؛ ففي الوقت الذي انخرط فيه بعض المشايخ في "حركات المقاومة ضد القوى الأجنبية" دفاعاً عن بيضة الإسلام، اختار آخرون مهادنة السلطات القائمة أو التحالف معها لضمان استمرار نفوذ الزاوية وحماية أوقافها. إن هذا التحول من "الزهد في السلطة" إلى "التفاوض معها" يعكس في نظر المؤلف قدرة الإسلام الصوفي على التكيف مع السياقات المتغيرة، وتوظيف رأسماله الروحي لانتزاع مكانة مرموقة داخل الهرم السلطوي للمجتمعات الإسلامية.

القيمة العلمية والإضافات
تتجلى القيمة العلمية الكبرى لكتاب محمد بن الطيب في قدرته على "أنسنة الظاهرة الصوفية"، حيث نجح في نزع صبغة القداسة الميتافيزيقية عن المسار التاريخي للتصوف، ليظهره بوصفه "صناعة بشرية" محضة استجابت لضغوط العصور وتحولات الواقع. ومن خلال هذا المنظور التاريخاني، يرسخ الكتاب فكرة أن "إسلام المتصوفة" ليس مجرد دخيل على الدين أو هامش عليه، بل هو "تأويل مشروع للنص" وأحد الأشكال الأساسية التي اتخذها الإسلام في تاريخه. إن هذه المقاربة تفتح آفاقاً واسعة لقبول الاختلاف داخل الدائرة الإسلامية، إذ تعيد الاعتبار للتعددية بوصفها خاصية بنيوية في الفكر الإسلامي، حيث كشف المؤلف عن قدرة الظاهرة الدينية على إنتاج أنماط متعددة من التدين تتفاعل مع حاجات المجتمع وتصوراته الروحية والجمالية.
إضافة إلى ما سبق، قدم المؤلف مساهمة منهجية رصينة من خلال "الربط المعرفي" المحكم بين التجربة الوجدانية الجوانية والتجربة المادية الخارجية للظاهرة الصوفية. فلم يكتفِ الكتاب بتحليل الجوانب الروحية كـ "المقامات والأحوال" ونظريات الفناء والمحبة، بل تابع تمظهراتها الملموسة في شكل "زوايا وأوقاف" ومؤسسات اقتصادية واجتماعية. هذا الربط يمنح القارئ رؤية "مركبة" تجمع بين البعد الروحي والفكري والاجتماعي، ويخرج بالتصوف من حيز "الشطحات" الفردية المعزولة إلى فضاء "المؤسسة" الفاعلة في النسيج الحضاري. وبذلك، يخلص الكتاب إلى أن التصوف يمثل تجربة تاريخية متكاملة كشفت عن "مرونة الإسلام" وقدرته على استيعاب تطلعات المسلمين الروحية وترجمتها إلى هياكل تنظيمية خدمت المجتمع لقرون طويلة.

ملاحظات نقدية (ما الذي قد يؤخذ على الطرح؟)
رغم الرصانة المنهجية التي اتسم بها طرح محمد بن الطيب، إلا أن القارئ يلحظ في بعض مفاصل الكتاب غلبة "الطابع النظري التجريدي" على التحليل السوسيولوجي والتاريخي. فقد ركز المؤلف بشكل مكثف على صياغة المفاهيم الكلية وتتبع المسارات العامة للظاهرة الصوفية بوصفها "شكلاً تاريخياً" للإسلام، لكنه لم يرفد هذا التنظير بنماذج تطبيقية كافية لرموز صوفية محددة أو طرق بعينها من المشرق والمغرب لإجراء مقارنات بينية معمقة. إن الاكتفاء بوصف "البنية الفكرية والروحية" كإطار عام دون الدخول في تفاصيل الاختلافات الجوهرية بين المدارس الصوفية (كالفرق بين مدرسة "الصحو" البغدادية ومدرسة "السكر" الخراسانية، أو خصوصية التصوف المغربي) جعل الدراسة تبدو أحياناً مستغرقة في التنظير على حساب الثراء الواقعي للظاهرة، وهو ما كان سيغني الدراسة ويجعلها أكثر قدرة على تفسير التنوع الهائل داخل "إسلام المتصوفة" نفسه.
تتمثل الملاحظة النقدية الثانية في مقاربة المؤلف للعلاقات المتقاطعة بين التصوف والتشيع؛ فبالرغم من إشارته العابرة إلى وجود "تقاطعات فكرية" أدت إلى تطور التصوف ودخوله مراحل معقدة، إلا أنه لم يتعمق بالقدر الكافي في تحليل كيفية "استعارة" التصوف للبنى المعرفية والتراتبية الإمامية. وكان من المؤمل أن يسلط الكتاب ضوءاً أكثف على تحور مفاهيم مثل "الإمامة" لتصبح "قطبانية" في الفكر الصوفي، أو كيفية تبيئة مفهوم "الوصاية" داخل الوسط الصوفي السني عبر نظام المشيخة والتلقين الذي تناوله في فصل "التجليات المؤسسية. إن الوقوف عند حدود الوصف العام للمؤسسة الصوفية دون تفكيك هذه الروابط العميقة مع المذهب الشيعي، فوت على الدراسة فرصة الكشف عن آليات "التثاقف الداخلي" بين المذاهب الإسلامية، وكيفية إعادة إنتاج المفاهيم السياسية والعقدية في قوالب روحية وسلوكية.
ختاماً، يمكن القول إن كتاب "إسلام المتصوفة" يمثل وثيقة فكرية بالغة الأهمية، كونه لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يغوص في وظائفها العميقة، كاشفاً عن وجه "الإسلام الروحي" الذي صمد طويلاً أمام جمود القوالب الفقهية وصراعات السلطة السياسية. ورغم ما قد يُسجل على الطرح من جنوح نحو التجريد النظري في بعض مواضعه، إلا أن قيمة الكتاب الحقيقية تكمن في كونه يدعو القارئ ليس للاعتناق الوجداني للتصوف، بل لفهم الميكانيزمات التي جعلت من "الحب" و"الكشف" و"الزاوية" أدوات فاعلة في تشكيل وجدان الملايين. إن إسلام المتصوفة، كما صوره بن الطيب، ليس إلا برهاناً جلياً على مرونة الإسلام التاريخي وقدرته الفائقة على التلون بألوان الحاجات الروحية والاجتماعية للإنسان، مما يجعله مكوناً أصيلاً لا يمكن تجاوزه عند صياغة أي رؤية حديثة للتعددية داخل الفكر الإسلامي.

شارك