زيارة بابا الفاتيكان تُحيي ذكرى شهداء العشرية السوداء بالجزائر

الأربعاء 15/أبريل/2026 - 11:09 ص
طباعة زيارة بابا الفاتيكان روبيرالفارس
 
 

 في مشهدٍ حمل أبعادًا روحية وتاريخية، وصل البابا لاون الرابع عشر إلى الجزائر في زيارة وُصفت بأنها محطة مفصلية في مسار الحوار الإسلامي-المسيحي. وبين محطات الزيارة التي شملت الوقوف أمام مقام الشهيد وزيارة جامع الجزائر ولقاء الجالية الكاثوليكية في كنيسة سيدة افريقيا  برزت رسالة واحدة: المغفرة أقوى من العنف، ودم الشهداء لا يضيع سدى

هذه الكلمات أعادت إلى الواجهة ذكرى واحدة من أكثر صفحات الجزائر إيلامًا، وهي صفحة شهداء الكنيسة الكاثوليكية خلال “العشرية السوداء” (1992–2002)، حين غرقت البلاد في دوامة عنف مسلح أودت بحياة عشرات الآلاف

  الجريمة التي هزّت العالم

في ليلة 26 إلى 27 مارس 1996، اقتحمت مجموعة مسلحة يُنسب تنفيذها إلى عناصر من “الجماعة الإسلامية المسلحة” دير سيدة الأطلس في قرية تيبحيرين قرب المدية، واختطفت سبعة رهبان كانوا يعيشون وسط جيرانهم المسلمين في حياة صلاة وخدمة بسيطة.
الرهبان المختطفون هم:

1. الأب كريستيان دو شيرجي
2. الأب لوك دوشييه
3. الأب ميشال فلوري
4. الأب سيلستان رانجيار
5. الأب بول فافر-ميفيل
6. الأب كريستيان ليمارشان
7. الأب جان-بيار شوماخر
وبعد نحو شهرين من الاحتجاز، أُعلن في مايو 1996 عن مقتلهم. لم يُعثر إلا على رؤوسهم، في جريمة صدمت الرأي العام الدولي، ولا تزال بعض تفاصيلها محل جدل تاريخي، لكن الثابت أن الرهبان رفضوا مغادرة الجزائر رغم تصاعد الخطر، وفضّلوا البقاء إلى جانب الشعب الذي أحبوه.

 أسقف وهران
في الأول من أغسطس 1996، قُتل أسقف وهران:

* المطران بيير لوسيان كلافري

وذلك إثر تفجير استهدف مقر إقامته، وأسفر أيضًا عن مقتل سائقه الشاب محمد بوشيخي. كان كلافري صوتًا بارزًا للحوار الإسلامي-المسيحي، وقد اعتبر أن الكنيسة في الجزائر مدعوة لأن تكون “كنيسة حضور لا نفوذ”.

شهداء آخرون
بين عامي 1994 و1996 قُتل عدد من الراهبات والكهنة الذين اختاروا البقاء في الجزائر رغم المخاطر، وهم:

* الأخت جانين دكو (راهبة)
* الأخت أوديت برونيه (راهبة)
* الأخت أنجيلا ليتلجون
* الأخت بيبيان لوكليرك
* الأخت إستير بانياغوا ألونسو
* الأخت كاريداد ألفاريز مارتين
* الأب آلان ديولانغار
* الأب شارل ديكرز
* الأب جان شيفيار
وبذلك بلغ عددهم تسعة عشر شهيدًا، تم إعلان تطويبهم رسميًا عام 2018 في احتفال أقيم بمدينة وهران، في خطوة حملت دلالة قوية على أن الجزائر نفسها أرادت أن تكون أرض اعتراف بذكراهم.
 من العشرية السوداء إلى زيارة بابوية
حين وقف البابا أمام مقام الشهيد في العاصمة، لم يكن يستحضر فقط شهداء الثورة الجزائرية، بل أيضًا هؤلاء الرجال والنساء الذين سقطوا في سنوات الإرهاب. رسالته لم تكن سياسية بقدر ما كانت روحية:
أن الذاكرة لا تُستدعى للانتقام، بل لبناء مستقبل مختلف.
زيارته للجامع الكبير، ولقاؤه رجال الدين المسلمين، جاءت لتؤكد أن دماء التسعينيات يجب ألا تتحول إلى جدار فصل، بل إلى جسر حوار. فالكنيسة التي فقدت أبناءها في الجزائر، لم تغادر البلاد، بل واصلت حضورها الهادئ في خدمة التعليم والعمل الاجتماعي.

 رسالة الزيارة
حملت  زيارة البابا لاون الرابع عشر ثلاث رسائل واضحة:

اولا الاعتراف بالألم دون الوقوع في أسر الماضي.
ثانيا تأكيد أن التعايش ليس شعارًا بل اختيارًا يوميًا.
ثالثا الإيمان بأن دم الشهداء – أيًا كانت ديانتهم – يمكن أن يكون بذرة سلام.

وبين مقام الشهيد وكنيسة سيدة افريقيا، بدا المشهد وكأنه مصالحة رمزية بين ذاكرة وطن جريح ورسالة كنيسة اختارت أن تبقى.
في الجزائر اليوم، وبعد أكثر من ربع قرن على سنوات النار، يعود صوت جديد ليُسمع:
ليس صوت الرصاص… بل صوت يقول إن المغفرة أقوى من العنف، وأن الشهادة ليست نهاية الحكاية بل بدايتها.

شارك