حسام الحداد يكتب: من "حسم" إلى "ميدان".. إعادة تدوير العنف في قوالب ديمقراطية
الأربعاء 15/أبريل/2026 - 12:13 م
طباعة
حسام الحداد
تمثل "الوثيقة السياسية لحركة ميدان" مرحلة متطورة من مراحل التكيف الحركي لتيارات الإسلام السياسي الراديكالية، حيث تأتي كمحاولة بائسة لترميم الشرعية المتآكلة لفلول حركتي "حسم" و"لواء الثورة". إن القراءة المتفحصة لهذه الوثيقة تكشف عن محاولة هندسة "هوية مستعارة" تبتعد ظاهرياً عن الرصاص والعبوات الناسفة، لتقترب من فضاء التنظير السياسي والتحريض الشعبي. هذا الانتقال ليس وليد مراجعة فكرية وطنية، بل هو استجابة تكتيكية لانسداد أفق العمل المسلح وتصنيف تلك الكيانات كجماعات إرهابية دولياً، مما دفعها لصياغة هذا الخطاب "الناعم" الذي يستهدف اختراق القوى المدنية تحت دعاوى "الاصطفاف الوطني" و"المشروع الجامع".
وترتبط هذه الوثيقة ارتباطاً عضويًا بالدعوة لما يسمى بـ "المؤتمر الوطني الأول" الذي تروج له الحركة؛ حيث تسعى "ميدان" من خلال هذا المؤتمر إلى تحويل الحبر السياسي في وثيقتها إلى واقع تنظيمي على الأرض، عبر خلق "منصة شرعية" تجمع الشتات الإخواني والقطبي تحت غطاء حواري. إن المؤتمر المقترح ليس إلا آلية لتنفيذ "استراتيجية التخفي" التي فككناها في ثنايا تحليلنا، حيث تهدف الحركة من خلاله إلى تقديم نفسها كلاعب سياسي "مدني" قادر على قيادة المعارضة، مستغلةً حالة الفراغ السياسي لدفع عناصرها المتورطة في العنف سابقاً إلى صدارة المشهد بوجوه جديدة ولغة مدجنة، مما يجعل من الوثيقة "دستوراً مؤقتاً" لمرحلة التسلل الشعبي والتمكين السياسي الجديد.
استراتيجية التخفي
تعتمد حركة "ميدان" في وثيقتها السياسية استراتيجية "الحرب بالوسائل السلمية"، حيث تسعى جاهدة لغسل سمعتها القتالية المرتبطة بكيانات تورطت في دماء المصريين مثل "حسم" و"لواء الثورة". هذا التحول ليس مراجعة فكرية شاملة أو نبذاً للعنف بقدر ما هو "تكتيك تمويهي" يهدف إلى اختراق الفضاء المدني عبر لغة براجماتية مغلفة بمصطلحات ديمقراطية مثل "الكتلة الحرجة" و"الإرادة الشعبية". إن محاولة الحركة الظهور بمظهر "المنصة الوطنية" الجاذبة للقوى السياسية هي في جوهرها محاولة لإعادة إنتاج مشروع "الجبهة الوطنية" التي لطالما استخدمها تنظيم الإخوان كظهير سياسي يوفر له الحماية والشرعية في أوقات الانكسار، مما يجعل هذا الخطاب التوافقي مجرد واجهة لانتظار لحظة انقضاض جديدة، مستغلةً حالة السيولة السياسية لتمرير أجندتها الراديكالية تحت ستار "المصلحة العليا".
أما على الصعيد التنظيمي، فإن ادعاء الحركة بأنها "مظلة مفتوحة" تتجاوز الأطر الحزبية الضيقة هو في الحقيقة محاولة لتفكيك العزلة التي فرضت على التيار القطبي والإخواني بعد عام 2013. هذا "السيولة التنظيمية" ليست انفتاحاً، بل هي آلية لخلق "خلايا نائمة" سياسياً وتجميع شتات العناصر الهاربة والمنشقة في كيان هجين يصعب رصده أمنياً أو تصنيفه قانونياً. إن نفي الانغلاق التنظيمي يهدف إلى استقطاب الشباب غير المنظم والمحبط من المعارضة التقليدية، لزجهم في مشروع "ميدان" الذي يتبنى فكر "العمل الثوري الشامل" مع استبدال "البندقية" بـ "التحريض الشعبي". وبذلك، تظل الحركة وفية لجذورها في "العمل السري"، حيث لا يمثل الانفتاح المزعوم إلا وسيلة لتوسيع قاعدة التجنيد وتشتيت المسؤولية الفكرية، مع الحفاظ على نواة صلبة من القيادات التاريخية التي لا تزال تؤمن بأن الصدام مع الدولة هو الغاية، وأن السياسة ليست سوى محطة انتظار.
التلاعب بمفهوم "المرجعية الإسلامية"
تستخدم حركة "ميدان" في وثيقتها السياسية صياغات لغوية مراوغة للالتفاف على أزمات الفكر الإخواني التقليدي، حيث تحاول تسويق مفهوم "المرجعية الإسلامية" في ثوب حداثي يدّعي رفض "الثيوقراطية" و"الكهنوت". إن هذا الرفض المعلن ليس إيماناً حقيقياً بفصل الدين عن السلطة، بل هو محاولة لتجريد المؤسسات الدينية الرسمية (كالأزهر) من سلطتها الأدبية، لفتح الباب أمام "الاجتهاد الحركي" الذي تمارسه قيادات التنظيم. ومن خلال ادعائهم رفض "احتكر رجال الدين للفهم"، هم في الواقع يكرسون لاحتكار "النخبة الحركية" لتفسير الدين وتطويعه لخدمة أجنداتهم السياسية. هذا التلاعب يهدف إلى طمأنة القوى المدنية والمجتمع الدولي، بينما تظل المرجعية في جوهرها "قطبية" مغلفة بمصطلحات ليبرالية، حيث يتم استبدال "سلطة الفقيه" بـ "سلطة التنظيم" التي تقرر وحدها ما يوافق صحيح الدين وما يخالفه تحت مسمى "المصلحة".
وفيما يتعلق بوصف الإسلام بأنه "دواء" والدولة بأنها "مدنية إسلامية"، فإن الحركة تمارس نوعاً من "التدليس السياسي" عبر دمج المتناقضات. فاستخدام مصطلح "الاجتهاد المقاصدي" هنا ليس إلا أداة لتمييع الثوابت القانونية والتشريعية للدولة لصالح رؤية الحركة المتقلبة، حيث تُمنح السيادة للشعب "ظاهرياً" بينما تظل مقيدة بمرجعية دينية هلامية يحدد التنظيم أطرها. إن تعريف الدولة بأنها "مدنية" هو مجرد "قناع ديمقراطي" لامتصاص الغضب الشعبي من تجارب "الدولة الدينية" الفاشلة، وهو تكتيك يهدف لخلط الأوراق وتسكين المخاوف مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي الأسمى وهو "أسلمة المجال العام" وفق رؤية حركية راديكالية. إن هذا الدمج القسري بين المرجعية الدينية والأدوات الديمقراطية الحديثة لا يعدو كونه "فخاً خطابياً" يستهدف إعادة إنتاج مشروع التمكين بنسخة أكثر ذكاءً وقدرة على التخفي خلف الشعارات المدنية.
تشخيص "اللحظة الراهنة" وأدوات التغيير
تتبنى حركة "ميدان" خطاباً نقدياً مزدوجاً يستهدف تقويض شرعية المعارضة التقليدية بقدر ما يهاجم السلطة، وذلك في محاولة لتقديم نفسها كـ "منقذ" وحيد من حالة الاستقطاب المزمنة بين التيارات المدنية والإسلامية. إن نقد الحركة للمعارضة ووصفها بالانقسام وغياب المشروع ليس اعترافاً بخلل بنيوي بقدر ما هو "عملية إحلال" تهدف إلى تصفية الرموز السياسية القائمة لصالح "قيادة بديلة" قادمة من خلفيات راديكالية. ومن خلال إدعاء رفض التدخل الخارجي، تسعى الحركة لبناء "حصانة وطنية" زائفة تدرأ عنها تهمة العمالة التي لاحقت حركات العنف السابقة، لكنها في الواقع تكرس لمفهوم "الدولة داخل الدولة" عبر طرح مشروع "بناء البديل" الذي يتجاوز مفهوم مؤسسات الدولة القائمة ويؤسس لهياكل موازية تستمد شرعيتها من حالة "السيولة الثورية" المزعومة.
أما فيما يتعلق بأدوات التغيير، فإن رفض الوثيقة لـ "عسكرة الصراع" ووصفها بـ "الخراب المزدوج" لا يمثل توبة عن العنف، بل هو "إعادة تموضع استراتيجي" تمليه ضرورة البقاء وتجنب الاستئصال الأمني الكامل. إن الدعوة إلى "العصيان" و"الضغط السياسي" هي بمثابة "انتقال من الصدام المسلح الصريح إلى الصدام الشعبي المفتوح"، حيث يتم توظيف المظالم الاجتماعية والاقتصادية كوقود لحرق استقرار الدولة تحت مسمى "المقاومة غير العسكرية". إن رؤية "ميدان" للدولة لا تزال مسكونة بهاجس "هدم المعبد" لإعادة بنائه على أنقاض المؤسسات، وهي رؤية عدمية تلتقي مع فكر "إدارة التوحش" في مراحلها الأولى، حيث يتم إضعاف الدولة تدريجياً عبر أدوات "اللا-عنف" تمهيداً للسيطرة الكاملة، مما يجعل هذا الخطاب "الناعم" مجرد مرحلة انتقالية في دورة حياة التنظيم الراديكالي المتطور.اعد كتابة هذا الجزء بشيء من التفصيل في فقرتين موجها النقد لحركة ميدان ومفككا رؤية الجماعة للدولة والمعارضة
القراءة النقدية التحليلية
تواجه حركة "ميدان" معضلة وجودية تتمثل في "فجوة المصداقية" التي تفصل بين خطابها الحداثي وتاريخ قياداتها الملطخ بالانتماء لتنظيمات العنف المسلح مثل "حسم" و"لواء الثورة". إن استخدام مصطلحات ديمقراطية براقة ليس في جوهره إلا استنساخاً لاستراتيجيات "التمويه الرقمي والسياسي" (Ghost Protocol)، التي تهدف إلى الالتفاف على قوائم الإرهاب الدولية وتجنب الملاحقات الأمنية عبر "تبييض" السيرة الذاتية للتنظيم. هذا التحول الشكلي يفتقر إلى مراجعات فكرية حقيقية تُعلن القطيعة مع العنف كأداة للتغيير، مما يجعل من "الوثيقة" مجرد غطاء سياسي هش لا يصمد أمام الحقائق التاريخية التي تؤكد أن العقلية التي أدارت "اللجان النوعية" هي ذاتها التي تصيغ اليوم بيانات "العمل الشعبي".
وفيما يخص رؤية الحركة للدولة، تبرز الوثيقة كنموذج لـ "الغموض الاستراتيجي" المتعمد، حيث تغرق في شعارات فضفاضة تجمع بين المتناقضات مثل "الدولة المدنية الإسلامية". إن هذا العجز عن تقديم تعريف إجرائي واضح لكيفية فض الاشتباك بين المرجعية الدينية المطلقة والتشريع المدني المتغير، يؤكد أن الحركة تعيد إنتاج ذات المأزق التاريخي لمشروع الإخوان المسلمين. فالحركة لم تقدم أي إجابات حول قضايا الحريات العامة، أو حقوق الأقليات، أو السيادة التشريعية في حال تعارض "النص" مع "المصلحة"، مما يشير إلى أن "المدنية" في قاموس "ميدان" ليست إلا مرحلة مؤقتة لتسكين المخاوف، تمهيداً لفرض رؤية شمولية فور التمكن من مفاصل المجتمع.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الحركة تمارس "انتهازية سياسية" فجة عبر استغلال الأزمات المعيشية الخانقة، كالتضخم والديون، لتحويلها إلى وقود لاستهداف استقرار الدولة. إن التركيز المكثف على "دغدغة مشاعر الطبقات الكادحة" ليس برنامجاً اقتصادياً للإصلاح، بل هو استراتيجية تقليدية لتوسيع القاعدة الجماهيرية (Grassroots Mobilization) في أوقات الانسداد السياسي. تراهن "ميدان" على تحويل السخط الاجتماعي إلى رافعة لمشروعها الراديكالي، متجاهلةً تعقيدات المشهد الاقتصادي العالمي، لتقدم حلولاً شعبوية هدفها الحقيقي هو التحريض لا البناء، مما يكشف عن رغبة دفينة في استثمار "أوجاع البسطاء" لتحقيق مكاسب سياسية عجزت عن انتزاعها عبر صناديق الاقتراع أو فوهات البنادق.
في الأخير تظل وثيقة حركة "ميدان" مجرد قناع سياسي حديث لجوهر تنظيمي عتيق يؤمن بالصدام وسيلة وبالتمكين غاية. إن محاولة الجماعة القفز من مركب الإرهاب الغارق إلى بر السياسة المدنية تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية التاريخية والوضوح الفكري، حيث يظل "الغموض الاستراتيجي" حول مفهوم الدولة والتلاعب بالمرجعيات الدينية دليلاً قاطعاً على أن الحركة لا تسعى لبناء وطن، بل لتأمين مساحة آمنة لإعادة إنتاج الفوضى بأسلوب "ناعم". إن اليقظة حيال هذه المناورات السياسية تقتضي تفكيك خطابها وكشف زيف تحولها، فالبندقية التي وُضعت جانباً في هذه الوثيقة، لا تزال معلقة في خيال قياداتها، تنتظر لحظة الضعف للانقضاض على الدولة والمجتمع من جديد.
