جعفر الصادق: الإمام الذي تعلم على يديه أبو حنيفة ومالك

الإثنين 20/أبريل/2026 - 10:24 ص
طباعة جعفر الصادق: الإمام حسام الحداد
 
في مثل هذا اليوم، العشرين من أبريل، تُحيي الأمة الإسلامية ذكرى ميلاد الإمام جعفر الصادق (80 - 148 هـ)، تلك الشخصية الاستثنائية التي لم تكن مجرد إمام سادس لدى الشيعة الإثنا عشرية، بل كانت وما زالت مرجعاً علمياً كونياً ومنارة فقهية أثرت في وجدان المذاهب الإسلامية كافة. وتأتي هذه الذكرى لتسلط الضوء على عمق الروابط العلمية التي جمعت بين أطياف الأمة؛ فالإمام الصادق هو "أستاذ الأئمة" الذي تخرج من مدرسته كبار الفقهاء والمفكرين، وهو ما يفسر المكانة الرفيعة التي يحظى بها في وجدان مدرسة الوسطية الإسلامية "الأزهر الشريف"، التي لم تكتفِ بتقديره تاريخياً، بل جعلت من فقهه جزءاً حياً يُدرس في أروقتها، إيماناً منها بأن إرث آل البيت هو ملكية مشاع لكل طالب علم يبحث عن سعة الشريعة وسماحة الإسلام.
لم يكن الإمام جعفر الصادق مجرد فقيه في جيل التابعين، بل كان صاحب أول أكاديمية علمية شاملة في الإسلام، حيث تحولت المدينة المنورة في عهده إلى قبلة لطلاب المعرفة من شتى بقاع الأرض. تميزت مدرسته بتدريس "الفقه المقارن" قبل أن يتبلور كمصطلح، فكان مجلسه يضم أصحاب التوجهات المختلفة، وتتلمذ على يديه أئمة المذاهب السنية كأبي حنيفة ومالك بن أنس، مما جعله "أستاذ الأئمة" بلا منازع. وما ميز هذه المدرسة هو كسرها للجمود المعرفي؛ إذ امتدت دروسه لتشمل العلوم التجريبية التي كانت تُعتبر حينها علوماً وافدة، فكان الملهم الأول لمؤسس علم الكيمياء جابر بن حيان، الذي ملأ مؤلفاته بعبارة "حدثني سيدي جعفر"، كما ناقش في مجلسه نظريات الفلك والطب وفلسفة الوجود، واضعاً بذلك حجر الأساس للمنهج العلمي الذي يجمع بين الوحي والعقل.
عاصر الإمام الصادق واحدة من أخطر مراحل التحول في التاريخ السياسي الإسلامي، وهي مرحلة سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية (قرابة عام 132 هـ). وفي الوقت الذي كانت فيه الحركات السياسية تتصارع على "كرسي الخلافة"، تبنى الإمام استراتيجية "الجهاد العلمي"، معتزلاً الصراع المسلح والمباشر على السلطة. رأى الصادق ببعد نظره أن حماية الأمة لا تكمن في تغيير الحاكم فحسب، بل في تحصين "الهوية الفكرية" من التيارات والإلحادية والزندقة التي بدأت تتسرب عبر الترجمات والاتصال بالحضارات الأخرى. فكان بمثابة صمام أمان حافظ على نقاء العقيدة، موجهاً طاقات الشباب نحو البحث والتدوين، مما جعل إرثه الفقهي والفكري "عابراً للطوائف" وقادراً على البقاء والاستمرار كمرجعية روحية وعلمية اتفقت على جلالتها كافة المدارس الإسلامية عبر العصور.

لماذا يُدرّس مذهبه (المذهب الجعفري) في الأزهر الشريف؟
تتجلى عبقرية المؤسسة الأزهرية في قدرتها على الجمع بين الأصالة والانفتاح، ويعد إدراج المذهب الجعفري ضمن مناهجها التعليمية تجسيداً حياً لهذه السياسة الوسطية التي لا ترى في التعدد المذهبي عبئاً، بل ثراءً فكرياً يخدم المقاصد الكلية للشريعة. إن احتضان الأزهر لإرث الإمام جعفر الصادق الفقهي لا ينبع من مجرد مجاملة سياسية أو رغبة عابرة في التقريب، بل يستند إلى ركائز علمية وتاريخية ومنهجية راسخة، تجعل من دراسة هذا المذهب ضرورة لاستكمال تكوين العقلية الأصولية القادرة على استيعاب آفاق الاجتهاد الإسلامي الفسيح، وهو ما يمكن تفصيله عبر النقاط الجوهرية التالية:

فتوى الشيخ محمود شلتوت (1959م)
شكلت فتوى الإمام الأكبر محمود شلتوت عام 1959م وثيقة تاريخية ودستوراً لمنهج التقريب بين المذاهب الإسلامية، حيث لم تكن مجرد رأي عابر، بل قراراً مؤسسياً جريئاً أعلنه شيخ الأزهر ليعيد الاعتبار للمذهب الجعفري (الاثني عشري) كخامس المذاهب الإسلامية المعترف بها تعليمياً وتعبدياً في رحاب الجامع الأزهر. وقد استند شلتوت في فتواه إلى مبدأ حرية التعبد، مؤكداً أن الإسلام في أصوله وجوهره لم يلزم المسلم باتباع مذهب بعينه، بل أتاح له الانتقال بين المذاهب الفقهية المعتبرة التي استوفت شروط الاجتهاد الصحيح واستنبطت أحكامها من الكتاب والسنة؛ وبناءً عليه، أقرّت الفتوى بأن "المذهب الجعفري" مذهب فقهي أصيل يجوز التعبد به شرعاً كالمذاهب السنية الأربعة، مما ساهم في كسر حواجز العزلة المذهبية، وفتح الباب أمام دراسة الفقه المقارن على أسس من الوحدة والاعتراف المتبادل، سعياً لجمع كلمة المسلمين ونبذ الفرقة والتعصب.

المرجعية العلمية المشتركة
ترتكز الرؤية الأزهرية للإمام جعفر الصادق على اعتباره مرجعية علمية جامعة تتجاوز الأطر المذهبية الضيقة، حيث ينظر إليه الأزهر الشريف بوصفه أحد أعمدة آل بيت النبوة الذين أجمع المسلمون بمختلف مشاربهم على إمامتهم وجلالة قدرهم العلمي والروحي. وتكتسب هذه المرجعية صبغة "الأصالة المشتركة" بالنظر إلى الدور التأسيسي الذي لعبه الإمام الصادق في صياغة العقل الفقهي السني نفسه؛ فقد كان أستاذاً مباشراً أو غير مباشر لأقطاب المذاهب الأربعة، لا سيما الإمامين أبي حنيفة ومالك بن أنس، مما جعل فقهه رافداً أساسياً لا ينفصل عن التراث الإسلامي العام. ومن هذا المنطلق، لا يتم التعامل مع المذهب الجعفري في أروقة الأزهر ككيان غريب، بل كجزء أصيل من علوم "السلف الصالح" يُدرس في مادة الفقه المقارن لاستحضار آرائه واجتهاداته، إيماناً بأن إرث الإمام الصادق هو ملكية فكرية مشاع لجميع المسلمين، وأن تجاهله يمثل فجوة في فهم تطور التشريع الإسلامي وتكامله.

منهج "الفقه المقارن"
يعتمد الأزهر الشريف في فلسفته التعليمية على منهج "الفقه المقارن" كأداة رئيسية لترسيخ الوسطية الموسوعية، حيث لا تقتصر دراسة الشريعة في كلياته على مذهب واحد، بل تمتد لتشمل استعراضاً تحليلياً دقيقاً لآراء المذاهب السنية الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية) جنباً إلى جنب مع المذهب الجعفري والزيدي وغيرهما من المذاهب الإسلامية المعتبرة. تهدف هذه المقاربة العلمية إلى تدريب الطلاب على أدوات الاستنباط الفقهي والموازنة بين الأدلة الشرعية المختلفة، مما ينمي لديهم ملكة النقد الفقهي والقدرة على اختيار الرأي الأنسب لمقتضيات العصر وواقع الناس؛ فإدراج المذهب الجعفري في هذا السياق الأكاديمي يعكس إيمان الأزهر بأن سعة الشريعة تكمن في تعدد أفهام علمائها، وأن دراسة الخلاف الفقهي المنضبط هي السبيل الأمثل لتخريج عقلية أزهرية منفتحة تدرك أن "الاختلاف في الفروع رحمة"، وتستطيع تقديم حلول تشريعية مرنة تستوعب تنوع المجتمعات الإسلامية.

وحدة الأمة والتقريب بين المذاهب
يضطلع الأزهر الشريف بدور ريادي في ترسيخ وحدة الأمة من خلال تبنيه لمشروع "التقريب بين المذاهب الإسلامية"، وهو التوجه الذي توّج قديماً بالمساهمة في تأسيس "دار التقريب" بالقاهرة، حيث يمثل تدريس المذهب الجعفري داخل أروقته أداة استراتيجية لتحقيق هذا الوئام. تهدف هذه المقاربة التعليمية إلى تفكيك جدران الجهل المتبادل بين أتباع المذاهب المختلفة، واستبدال الصور النمطية المشوهة بمعرفة علمية رصينة مستقاة من المصادر الأصلية، مما يؤكد وبشكل قاطع أن مساحات الاختلاف بين السنة والشيعة هي في جوهرها اختلافات "فرعية" وتعدد في وجهات النظر الفقهية التي لا تمس الثوابت والأصول العقائدية المشتركة. ومن خلال هذا المنهج، يسعى الأزهر إلى إعداد جيل من العلماء والباحثين المتسلحين بأدوات الحوار "الإسلامي-الإسلامي"، القادرين على إدارة النقاشات المذهبية بروح من التسامح والموضوعية، بعيداً عن نعرات التعصب أو الإقصاء، بما يخدم المصالح العليا للأمة ويصون نسيجها المجتمعي من الفتن المذهبية.
خلاصة القول: إن تدريس مذهب الإمام جعفر الصادق في الأزهر هو اعتراف بالقيمة العلمية لهذا الإمام، وتجسيد لروح الانفتاح التي تميزت بها الحضارة الإسلامية، حيث العلم يُطلب لذاته بغض النظر عن الانتماء المذهبي.

شارك