مخاض عسير في غزة.. هل تحول نزع السلاح من بند تفاوضي إلى فتيل للحرب القادمة؟

الثلاثاء 21/أبريل/2026 - 12:48 م
طباعة مخاض عسير في غزة.. حسام الحداد
 
تواجه التهدئة الهشة في قطاع غزة أخطر اختبار لها منذ انطلاقها، حيث اصطدمت طموحات السلام الدولي بجدار المطالب الأمنية والميدانية المتضاربة. ومع دخول "خطة ترامب ذات النقاط العشرين" مراحلها الحرجة، يلوح في الأفق شبح العودة إلى التصعيد الشامل.

"خطة الـ 20 نقطة" تحت المجهر
تُمثل "خطة الـ 20 نقطة" الأمريكية، والتي صاغتها إدارة ترامب تحت مسمى "السلام المستدام"، الركيزة الهيكلية التي استند إليها الاستقرار النسبي في قطاع غزة بعد عقود من الصدام. تهدف هذه الرؤية الشاملة إلى إحداث تحول جذري في القطاع عبر مسارين متوازيين؛ الأول اقتصادي وتنموي يسعى لدمج غزة في منظومة إقليمية أوسع من خلال مشاريع بنية تحتية عملاقة، وإنشاء مناطق صناعية مشتركة، وفتح ممرات تجارية تنهي حالة العزلة الدولية. أما المسار الثاني فهو أمني صارم، يفرض رقابة دولية مشددة ويضع آليات تحقق دقيقة لضمان توجيه موارد إعادة الإعمار نحو الأهداف المدنية حصراً، مما خلق حالة من التوازن القلق التي صمدت طوال الأشهر الماضية.
ومع ذلك، بدأت ملامح التفاؤل تتلاشى مع اصطدام الأطراف بضبابية "المرحلة الثانية" من الاتفاق، وهي المرحلة التي كان من المفترض أن تنقل غزة من "الهدنة المؤقتة" إلى "الاستقرار الدائم". يكمن جوهر الخلاف في التفسيرات المتضاربة للبنود المتعلقة بالسيادة الأمنية وتفكيك القدرات العسكرية للفصائل، حيث ترى القوى الدولية أن الاستمرار في ضخ الاستثمارات الاقتصادية مشروط بـ "ضمانات أمنية نهائية"، بينما تعتبرها الأطراف المحلية شروطاً تعجيزية تمس بجوهر قدرتها على الردع. هذا الغموض المتعمد في صياغة البنود الانتقالية حوّل الاتفاق من خريطة طريق للسلام إلى "لغم سياسي" يهدد بانهيار كامل للمنظومة الأمنية، مما يعيد شبح المواجهة الشاملة إلى الواجهة مرة أخرى.

عقدة نزع السلاح: 
تتحول العاصمة المصرية، القاهرة، إلى ساحة لمواجهة دبلوماسية محتدمة، حيث اصطدمت جهود الوساطة بـ "عقدة نزع السلاح" التي باتت تُهدد بتفريغ التفاهمات السابقة من محتواها. ففي الرابع عشر من أبريل، طرح "مجلس السلام" (Board of Peace) ورقة عمل تقترح آلية لـ "نزع السلاح المرحلي"، تبدأ بسحب الأسلحة الثقيلة والمنظومات الصاروخية بعيدة المدى من يد الفصائل، مقابل حزمة من "التسهيلات السيادية" التي تشمل فتحاً دائماً للمنافذ البرية والبحرية، وتدفقاً غير مشروط لتمويلات إعادة الإعمار. هذه المقايضة تضع الفصائل أمام خيار صعب: المقايضة بالأدوات العسكرية مقابل إنعاش اقتصادي شامل، وهو ما تعتبره القوى الدولية الضمانة الوحيدة لتحويل غزة إلى منطقة مستقرة إقليمياً.
في المقابل، قوبلت هذه المقترحات بـ تصلب راديكالي في مواقف قادة حماس والمكاتب السياسية في القاهرة، حيث يُنظر إلى "سلاح المقاومة" كخط أحمر غير قابل للتفاوض أو الإدراج في أي "بورصة" للمكاسب المالية. وترى الحركة أن القبول بنزع السلاح تحت مسمى "المرحلية" هو انتحار سياسي وميداني يترك القطاع مكشوفاً أمنياً قبل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل والشامل. هذا الاستعصاء التفاوضي حوّل أروقة الاجتماعات إلى جولات من "عض الأصابع"، حيث تصر الفصائل على أن "الأمن القومي للقطاع" لا يُباع مقابل وعود اقتصادية، بينما يتمسك الوسطاء بأن تجاوز هذه النقطة هو المفتاح الوحيد لمنع عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية وتثبيت أركان الهدنة.

موقف حماس والضمانات المطلوبة
تتمسك حركة حماس بموقف راديكالي يرفض بشكل قاطع إدراج "القدرات الصاروخية والترسانة العسكرية" ضمن أي طاولة مفاوضات راهنة، معتبرة أن سلاحها يمثل "ضمانة وجودية" للشعب الفلسطيني وليس مجرد أداة قتالية خاضعة للمساومات السياسية. وترى الحركة أن أي نقاش حول نزع السلاح في ظل استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل القطاع هو "محاولة لتجريد غزة من أوراق قوتها"، مؤكدة أن سلاحها هو الرادع الوحيد الذي حال دون تصفية القضية، وبالتالي فإن القبول بمقترح "مجلس السلام" (Board of Peace) يُعد، من وجهة نظرها، انتحاراً استراتيجياً لا يمكن المضي فيه مهما بلغت الضغوط الدولية.
وفيما يخص الترتيبات الميدانية، وضعت الحركة شرط "الانسحاب الشامل والكامل" كأولوية قصوى لا تسبقها أي خطوة أخرى؛ حيث تصر على عودة قوات الجيش الإسرائيلي إلى خطوط ما قبل الهدنة وإخلاء كافة المناطق العازلة والمحاور الحيوية التي تم احتلالها. ولا تكتفي حماس بالمطالب الميدانية، بل رفعت سقف شروطها في اجتماعات القاهرة الأخيرة لتشمل الحصول على "ضمانات دولية مكتوبة" وملزمة، موقعة من أطراف وازنة مثل الولايات المتحدة والقوى الإقليمية، تضمن عدم استئناف إسرائيل لعملياتها العسكرية أو تنفيذ عمليات اغتيال واجتياح بمجرد البدء في تنفيذ أي تفاهمات تقنية أو تسليم أجزاء من العتاد العسكري القديم.
هذا التصلب في المواقف ألقى بظلاله القاتمة على أروقة الوساطة الدولية، حيث عكس تصريح المنسق الدولي نيكولاي ملادينوف حالة من الإحباط العميق بوصفه للفجوة بين الطرفين بأنها "أعمق من أي وقت مضى". وحذر ملادينوف من أن إصرار كل طرف على شروط "صفرية" يجعل من الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من اتفاق السلام "مهمة شبه مستحيلة"، مشيراً إلى أن غياب "التنازلات المتبادلة المؤلمة" سيعني حتماً انفراط عقد الهدنة وعودة الميدان للغة النار، مما يضع المجتمع الدولي أمام طريق مسدود يهدد بانهيار كامل لكل ما أُنجز في الأشهر الستة الماضية.

واقع ميداني متفجر وأزمة إنسانية
بينما تنشغل الصالونات السياسية في القاهرة وواشنطن بصياغة البنود وتفكيك العقد التفاوضية، ترسم الوقائع الميدانية على أرض غزة صورة مغايرة تماماً، حيث يواجه "الاستقرار الهش" اختباراً يومياً تحت وطأة الرصاص والقذائف. إن الفجوة بين لغة الدبلوماسية ولغة الميدان بدأت تتسع بشكل ينذر بانهيار التهدئة من الداخل، مدفوعة بسلسلة من الخروقات الأمنية التي حولت "الخط الأصفر" الفاصل بين القوات إلى منطقة اشتباك رمادية، تُهدد بجرف كافة التفاهمات الإنسانية والسياسية التي أُنجزت خلال الأشهر الستة الماضية.
ميدانياً، كشف الجيش الإسرائيلي (IDF) عن رصد 14 انتهاكاً صارخاً للهدنة في الفترة ما بين 8 و16 أبريل، شملت عمليات قنص، وإطلاق قذائف هاون، ومحاولات تسلل وُصفت بالانتحارية، مما دفع القوات الإسرائيلية للرد باستهداف ما أسمته "خلايا تهديد مباشر". وفي المقابل، ترفض حماس هذه الرواية، متهمة الجانب الإسرائيلي بممارسة "سياسة القضم" عبر الخروقات الجوية المستمرة والقصف المدفعي المتقطع الذي يستهدف المزارعين في المناطق الحدودية؛ هذا التراشق الميداني والاتهامات المتبادلة حوّل الهدنة إلى حالة من "اللا حرب واللا سلم" التي تفتقر لأدنى مقومات الثقة.
أما على الصعيد الإنساني، فإن الفاتورة تبدو باهظة بما يفوق قدرة القطاع على الاحتمال، حيث توثق تقارير (BBC) ومصادر طبية ميدانية سقوط أكثر من 700 قتيل منذ الإعلان الرسمي عن الهدنة. هذه الحصيلة لم تكن وليدة اشتباكات مباشرة فحسب، بل هي نتاج انفجار مخلفات الحرب غير المنفجرة، والاحتكاكات الميدانية الدامية، فضلاً عن الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية. ويتزامن هذا النزيف مع بطء شديد ومتعمد في تدفق المساعدات وعرقلة دخول الوقود والمعدات الطبية، مما ولد شعوراً عاماً لدى سكان غزة بأن "الهدنة" لم تكن سوى أداة سياسية لتجميد الصراع، دون أن تنجح في تأمين "الأمن الغذائي" أو إنهاء المأساة المعيشية التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

السيناريوهات المستقبلية
يجد قطاع غزة نفسه اليوم في "منطقة برزخية" معقدة، حيث يقف الاتفاق الأمريكي عند مفترق طرق حاسم لا يقبل القسمة على اثنين. فبينما تحاول القوى الدولية الحفاظ على مكتسبات الأشهر الستة الماضية، يبدو أن الصراع قد وصل إلى نقطة "الاستعصاء الاستراتيجي" التي تجعل من استمرار الوضع القائم أمراً في غاية الصعوبة. إن مصير التهدئة لم يعد معلقاً بمدى صمود وقف إطلاق النار الميداني فحسب، بل بمدى قدرة الوسطاء على صياغة معادلة مستحيلة توازن بين الرغبة الإسرائيلية في التجريد العسكري الشامل، والإصرار الفلسطيني على الاحتفاظ بسلاح الردع.
ويتجسد السيناريو الأول والأكثر قتامة في "الانهيار الشامل والعودة إلى مربع الصفر"؛ إذ يرى المحللون أن إصرار تل أبيب على ربط تدفق أموال الإعمار والاعتراف بالوضع السياسي الجديد بملف "نزع السلاح" كشرط لا يقبل التفاوض، سيقابل بالضرورة بتصلب ميداني من جانب حماس. وفي حال وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، فإن "المرحلة الثانية" لن تكون جسراً للسلام، بل ستتحول إلى شرارة تشعل جولة من المواجهة العنيفة التي قد تفوق في شدتها ما سبقها، مدفوعة برغبة كل طرف في تحسين شروطه الميدانية بعد ستة أشهر من الترقب والتحشيد.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في "ديمومة الاستقرار الهش" أو ما يُعرف بـ (الستاتيكو)، وهو مخرج دبلوماسي قد يلجأ إليه الوسطاء (مصر، قطر، والولايات المتحدة) عبر تجميد البنود الخلافية الكبرى، وعلى رأسها نزع السلاح، وترحيلها إلى مراحل غير مسمى زمنياً. هذا المسار يركز على تحقيق نجاحات "تقنية" ملموسة، مثل توسيع مساحات الصيد، وزيادة ساعات وصل الكهرباء، وتسهيل حركة المعابر للأفراد والبضائع، مما يطيل عمر الهدنة ويمنع الانفجار الوشيك، لكنه يبقي غزة فوق صفيح ساخن دون معالجة جذور الصراع الحقيقية. ومع حلول فصل الصيف، يظل التساؤل الجوهري قائماً: هل يمتلك "اتفاق ترامب" المرونة الكافية لامتصاص أزمة السلاح، أم أن حرارة الميدان ستسبق طاولات التفاوض وتضع حداً لهذا الهدوء القلق؟

شارك