جبهة العمل الإسلامي تواجه قرار تغيير الاسم: مناورة بقاء أم بداية النهاية؟

الثلاثاء 21/أبريل/2026 - 02:09 م
طباعة جبهة العمل الإسلامي حسام الحداد
 
تمثل الأزمة الراهنة بين الدولة الأردنية وجبهة العمل الإسلامي حول "معركة المسمى" لحظة كاشفة لتجاوز المقاربات الأمنية التقليدية نحو "الهندسة القانونية" كأداة لتفكيك الحالة الإخوانية. فالمطالبة بنزع الصفة "الإسلامية" عن الذراع السياسي ليست مجرد إجراء إداري شكلي، بل هي محاولة بنيوية لفك الارتباط العضوي بين القداسة الدينية والممارسة السياسية، ووضع الحزب في مواجهة مباشرة مع هويته التي صاغت شرعيته الشعبية لعقود. هذا التحول يعكس رغبة الدولة في إنهاء حقبة "الشريك المشاكس" والانتقال إلى مرحلة "الفاعل السياسي المدجن" الذي يتحرك ضمن سقف وطني خالص، معزولاً عن أي مرجعيات عابرة للحدود أو رموز أيديولوجية تمنحه أفضلية تنافسية خارج الصندوق الانتخابي البرامجي.
يضع هذا التصعيد "جبهة العمل الإسلامي" أمام معضلة بنيوية تتجاوز حدود الاسم؛ فهي اليوم مطالبة بالإجابة على سؤال وجودي: هل يمكن للإسلام السياسي أن يعيد إنتاج نفسه كحركة وطنية مدنية دون أن يفقد مبرر وجوده الأخلاقي والسياسي؟ إن إصرار الهيئة المستقلة للانتخاب على هذا المطلب، بالتوازي مع ملاحقات "العصب المالي"، يشير إلى أننا بصدد إستراتيجية "تجفيف منابع الشرعية" الشاملة، حيث يُراد للحزب أن يتحول إما إلى كيان وظيفي منزوع المخالب الأيديولوجية، أو أن يُدفع نحو انتحار سياسي عبر الصدام مع النص القانوني. وبذلك، تصبح "معركة الاسم" اختباراً نهائياً لقدرة الجماعة على "التحول البنيوي" لا "المناورة التكتيكية"، في مشهد يوحي بأن الدولة قررت أخيراً إغلاق قوس الاستثناء الإخواني في السياسة الأردنية.

سياق الحظر والضغوط القانونية
تعد الأزمة الراهنة حول "هوية الجبهة" الحلقة الأحدث في استراتيجية الدولة لتقويض ما يسمى بـ "الشرعية الموازية" التي استثمرت فيها جماعة الإخوان المسلمين لعقود. ففي أبريل 2025، حسمت السلطات الأردنية الجدل التاريخي حول "المركز القانوني" للجماعة، عبر استخدام قانون الأحزاب والجمعيات الجديد كأداة لإنهاء حالة "الغموض البناء". الدولة الأردنية، بقراءتها العميقة لتحولات الإقليم، لم تعد تقبل بوجود كيان يمارس "التقية السياسية"؛ حيث يعمل كجمعية دعوية محلياً بينما تظل خيوطه التنظيمية مرتبطة بـ "الأممية الإخوانية" (التنظيم الدولي). وبإعلان الجماعة "منحلة حكماً"، تكون الدولة قد سحبت بساط الحصانة التاريخية، وبدأت في تفكيك البنية التحتية التي سمحت للجماعة طويلاً بالتحرك في المساحات الرمادية بين العمل الدعوي والتوظيف السياسي.
ولم يتوقف هذا الحصار عند حدود "الهيكل التنظيمي"، بل انتقل بذكاء إلى استهداف "المعادلة المالية" التي تمثل عصب البقاء لأي حركة أيديولوجية. إن فتح ملفات "غسل الأموال" والتمويل غير المشروع ضد النخبة القيادية لا يهدف فقط إلى تجميد الأصول، بل إلى ضرب "صورة النزاهة" التي تسوقها الجماعة عن نفسها، وتحويلها في نظر الشارع من حركة "دعوية" إلى "كارتيل مالي" يخضع لرقابة الدولة الصارمة. هذا التوجه يمثل ذروة الواقعية السياسية للدولة؛ فهي لا تكتفي بمصادرة الممتلكات، بل تسعى لتجفيف منابع "التمويل الموازي" الذي طالما استُخدم في بناء قواعد الولاء الاجتماعي بعيداً عن مؤسسات الدولة الرسمية. وبينما يفسر العقل الإخواني هذه الخطوات كـ "استهداف سياسي"، فإن الدولة تؤطرها كعملية "جراحية قانونية" لفصل المقدس عن المدنس، ومنع استغلال العاطفة الدينية كغطاء لتمويل طموحات حزبية عابرة للحدود.

أزمة "الاسم": تفاصيل الطلب وردود الفعل
تتحرك الهيئة المستقلة للانتخاب في هذا الطلب وفق إستراتيجية "العلمنة الإجرائية" للمجال العام، حيث تستند الرؤية القانونية للدولة إلى أن بقاء صفة "الإسلامي" في المسمى الحزبي يمثل خرقاً لمبدأ "المساواة الاتصالِيّة" في التنافس السياسي. فمن وجهة نظر الخبراء القانونيين والسياسيين في الدولة، يمنح هذا اللقب الحزب "شرعية فوق-سياسية" تسمح له باستقطاب القواعد الشعبية عبر "الدغدغة العاطفية" واللعب على أوتار الهوية، بدلاً من التنافس البرامجي الصرف. إن محاولة تجريد الحزب من "الوسم الديني" هي في جوهرها محاولة لكسر احتكار الجماعة لتمثيل "الإسلام السياسي" في الأردن، وتحويلها إلى مجرد "رقم سياسي" يخضع للتقييم بناءً على أرقام البطالة والنمو، وليس بناءً على الوعود الغيبية أو الشعارات الهوياتية المجرّدة.
في المقابل، يدرك العقل الجمعي لجبهة العمل الإسلامي أن التخلي عن "الاسم" هو تخلٍ عن "المركزية الفكرية" التي تمنح الحزب تميزه عن الأحزاب المدنية واليسارية. لذا، جاء الرد براديكالية سياسية تعتبر المطلب "محاولة لخصي الهوية" وتفريغ الحزب من محتواه الأيديولوجي. ترفض الجبهة هذا الإجراء ليس فقط من منظور قانوني (عدم رجعية القوانين)، بل من منظور وجودي؛ فهي ترى أن "الإسلامية" ليست مجرد صفة، بل هي "عقد اجتماعي" يربطها بقواعدها التي قد لا تجد نفسها منجذبة لحزب يحمل مسمىً تكنوقراطياً باهتاً. إن تصوير الجبهة للأمر بأنه "فكي كماشة" يعكس عمق المأزق الأيديولوجي: فإما القبول بـ "التدجين الكامل" والتحول إلى حزب سياسي تقليدي يفقد جاذبيته العقائدية، أو التمسك بالهوية والمغامرة بـ "الشهادة السياسية" عبر الحل القانوني، وهو ما يضع الجماعة في مواجهة كلاسيكية مع الدولة حول حدود "المقدس" في العمل "المدني".

موقف جبهة العمل الإسلامي:
تبنت قيادة الجبهة خطاباً "راديكالياً" في مواجهة مقترح تغيير المسمى، وهي تدرك تماماً أن التخلي عن "اللافتة الإسلامية" يعني تجريد الحركة من "التميز الأيديولوجي" الذي يمنحها الأولوية في سوق الاستقطاب السياسي. ويمكن تحليل مرتكزات هذا الموقف من منظور تكتيكات البقاء الحركي على النحو التالي:
تعتبر الأمانة العامة للحزب أن المساس بالاسم هو "تغول سيادي" يهدف إلى فرض عملية "تدجين قسري" للحركة. ومن وجهة نظر نقدية، ترى الجبهة أن القبول بهذا المطلب يمثل "انتحاراً رمزياً"؛ فالحزب الذي يستمد قوته من كونه "حامل لواء المرجعية"، سيفقد مبرر وجوده أمام قواعده إذا ما تحول إلى حزب "مدني" هجين. هذا الرفض هو محاولة لتعطيل "روح القانون" الجديد الذي يسعى لإعادة تعريف التعددية بعيداً عن الاستقطاب الهوياتي.
تستند الجبهة في دفاعها إلى منطق "الشرعية التراكمية" منذ عام 1992، محاولةً خلق حالة من "الحصانة التاريخية" ضد النص القانوني المعاصر. إن إصرارها على أن القوانين لا تطبق بأثر رجعي هو تكتيك يهدف إلى حماية "الرابط الوجداني" مع القواعد؛ فالجماعة تدرك أن تغيير "العلامة التجارية" سيؤدي إلى تآكل "الولاء التنظيمي" المعتمد على الرمزية الدينية، وهو ما تصفه الدولة بأنه "تسييس للمقدس"، بينما تراه الجماعة "ثباتاً على المبدأ".
تجاوزت قيادة الجبهة السجال القانوني لتنتقل إلى "البروباغندا المضادة"، باتهام الدولة بممارسة "الهندسة الاجتماعية والسياسية" لتفريغ الساحة من القوى التاريخية المنظمة. يحلل الحزب هذا الضغط باعتباره جزءاً من "عملية إحلال" تهدف إلى استبدال الفواعل الأيديولوجية بنخب "وظيفية" تفتقر إلى الجذور الشعبية. هذا الخطاب يهدف بالأساس إلى "تجييش" القاعدة الجماهيرية وتصوير الحزب كقلعة أخيرة للمعارضة الحقيقية في وجه محاولات "تعليب" الحياة السياسية وتجريدها من محتواها التنافسي.

الخيارات المتاحة أمام الحزب:
يجد العقل المدبر داخل "الجبهة" نفسه أمام "مأزق الصفرية"؛ حيث تضغط الدولة لانتزاع اعتراف منه بمدنية العمل الحزبي، في حين تضغط القواعد للحفاظ على "نقاء الراية". وتتحدد الخيارات المتاحة في ثلاثة سيناريوهات تحكمها "براغماتية الضرورة":
يقوم هذا المسار على تبني استراتيجية "تغيير القشرة للحفاظ على اللب"، مقتدياً بنماذج إقليمية (كالتجربة التركية أو المغربية في مراحل معينة). هنا، قد يقبل الحزب بمسمى تكنوقراطي (مثل: حزب البناء الوطني أو التنمية والإصلاح)، معتبراً ذلك "تنازلاً شكلياً" لامتصاص اندفاعة الدولة. الهدف هو الحفاظ على الهيكل التنظيمي والكتلة النيابية (31 نائباً) مع الاعتماد على "القنوات الدعوية الموازية" لشرح الخطوة للقواعد، وضمان عدم فك الارتباط الوجداني تحت شعار "الضرورات تبيح المحظورات السياسية".
يتمثل هذا الخيار في حل الحزب لقطع الطريق على "الملاحقة القانونية للعلامة التجارية"، والاندماج في جبهة "مدنية-وطنية" عريضة. هذا المسار يهدف إلى تحويل الصراع من (دولة ضد إسلاميين) إلى (سلطة ضد جبهة وطنية إصلاحية)، مما يمنح الحركة "غطاءً وطنياً" يحميها من الاستهداف المباشر. ومع ذلك، يواجه هذا السيناريو معضلة "ذوبان الكاريزما الإخوانية" وبروز صراع "الصقور والحمائم" داخل التنظيم؛ حيث يرى التيار الراديكالي في الاندماج "تسييلاً للهوية" وقبولاً بـ "الهزيمة الأيديولوجية" أمام مشروع الدولة المدنية.
هو الخيار الأكثر راديكالية، حيث تراهن القيادة على "تسييس القضاء" وحشد الشارع دفاعاً عن "الحريات الحزبية". من الناحية التحليلية، يمثل هذا المسار مقامرة بـ "الوجود العلني"؛ فالحزب يسعى لكسب الوقت عبر الطعون الإدارية، لكنه يواجه خطر صدور حكم قضائي نهائي بالحل، وهو ما تسعى الدولة للوصول إليه بـ "شرعية قانونية". هذا السيناريو قد يدفع الحركة نحو "العمل السري" أو "المقاطعة الشاملة"، مما يعني إنهاء حقبة "المشاركة من داخل النظام" والعودة إلى مربع الصدام التقليدي الذي طبع علاقة الجماعات المتطرفة بالدولة في عقود سابقة.

تأثير الأزمة على المعارضة البرلمانية
تمثل جبهة العمل الإسلامي، بكتلتها القوامها 31 نائباً، "بيضة القبان" في ميزان المعارضة الأردنية. لذا، فإن الضغط لتغيير هويتها القانونية ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو محاولة لتقويض "الفعالية التنظيمية" للإسلاميين داخل مؤسسات الدولة. ويمكن قراءة التأثيرات الجيوسياسية لهذا التحول عبر الأبعاد التالية:
من وجهة نظر تحليلية، يعتمد نفوذ الإسلاميين داخل البرلمان على مبدأ "وحدة القيادة والقرار، " إن تجريد الحزب من مسمّاه التاريخي وتعديل كيانه القانوني يهدد بحدوث حالة من "الذوبان الهيكلي"؛ حيث تفقد الكتلة "المغناطيس الأيديولوجي" الذي يربط أعضاءها. هذا التشتت سيحول النواب من قوة ضغط جماعية قادرة على تعطيل التشريعات أو مناكفة الحكومة، إلى جزر معزولة من "المستقلين" العرضة للاستقطابات الفردية والضغوط البراغماتية، مما يفرغ المعارضة من قدرتها على المناورة الاستراتيجية.
يرتكز الثقل الانتخابي للإسلاميين على "البراند العقائدي"؛ فالمصوّت لا يمنح صوته لبرنامج اقتصادي بقدر ما يمنحه لـ "رمزية الحزب" كحارس للقيم. إن إرغام الحزب على تغيير جلده البصري والسياسي يضع القواعد الشعبية في حالة من "الارتباك الهوياتي"؛ إذ قد يُفسر التغيير لدى الأجنحة الصقورية في القاعدة الشعبية كفعل "تدجين" أو رضوخ أدى لتفريغ الحركة من محتواها. هذا الارتباك هو ما تراهن عليه الدولة لخفض نسب المشاركة  وتفتيت الكتلة التصويتية الصلبة، مما يجعل استعادة الحزب لوزنه العددي السابق في الدورات القادمة أمراً في غاية الصعوبة.
إن استخدام "مشرط القانون" ضد الفاعل السياسي الأكبر يبعث برسالة "ردع بنيوي" لكافة أطياف المعارضة (يسارية وقومية). من منظور خبرتي في تحولات الأنظمة، فإن هذا الضغط يؤسس لمرحلة "المعارضة تحت السقف"؛ حيث تضطر بقية القوى لإعادة هندسة خطاباتها خشية الطعن في دستوريتها. هذا المناخ السياسي قد يؤدي إلى انكماش المسافة بين المعارضة والسلطة، أو قد يدفع نحو ولادة "تحالفات الضرورة" اليائسة التي تحاول التصدي لنهج "الهندسة السياسية" الشاملة، وهو ما قد ينقل الصراع من أروقة البرلمان إلى مساحات احتجاجية أكثر راديكالية خارج الأطر الرسمية.

ما وراء المسمى.. هل انتهى زمن "الاستثناء"؟
إن المعركة المحتدمة اليوم فوق الأراضي الأردنية ليست مجرد نزاع قانوني على "يافطة" حزبية، بل هي إعلان رسمي عن دخول الدولة مرحلة "الحسم الهوياتي". فبينما تحاول جبهة العمل الإسلامي استثمار ما تبقى من "رأس مالها الرمزي" للمناورة وتأجيل الصدام الحتمي، يبدو أن الدولة قد استبدلت "سياسة احتواء المشاكس" بـ "استراتيجية الاستئصال القانوني". إن النجاح في إجبار الجبهة على خلع عباءتها المرجعية لن يؤدي فقط إلى تغيير ملامح المعارضة، بل سيعيد تعريف "المواطنة السياسية" في الأردن، بحيث لا مكان لفاعل سياسي يمتلك مرجعيات عابرة لحدود الدولة الوطنية.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل ينجح "مشرط القانون" في إنتاج نسخة "مدجنة" من الإسلام السياسي تقبل بالعمل كـ "ترس" داخل ماكينة الدولة المدنية، أم أن الضغط المفرط لتغيير الهوية وتجفيف المنابع المالية سيدفع بالحركة نحو "الراديكالية الكامنة"؟ إن التاريخ السياسي للمنطقة يعلمنا أن الحركات الأيديولوجية قد تفقد مسمياتها ومقراتها، لكنها لا تفقد مبرر وجودها إلا إذا نجحت الدولة في تقديم بديل سياسي وتنموي يملأ الفراغ الوجداني والمجتمعي الذي ستخلفه الجماعة. المعركة الحقيقية، إذن، ليست على "حروف الاسم"، بل على من يمتلك حق صياغة "شرعية الوجود" في وعي الشارع الأردني خلال العقد القادم.

شارك