بين "العمود الفقري" و"قائمة الإرهاب".. المأزق السوداني

الثلاثاء 21/أبريل/2026 - 02:32 م
طباعة  بين العمود الفقري حسام الحداد
 
بينما تُطوي الحرب الأهلية السودانية عامها الثالث وتدخل الرابع بعزيمة دموية لا تلين، يبرز معطى جديد وجوهري يُعيد تشكيل خارطة التحالفات والمسارات العسكرية والسياسية. في أبريل 2026، لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحول إلى اختبار حقيقي ووجودي لأحد أقوى الفواعل "الخفية-العلنية" في المشهد السوداني: 
فبينما كانت الحركة الاسلامية، الذراع الأيديولوجي والسياسي للإخوان المسلمين في السودان، تُرسخ موقعها كـ«العمود الفقري» للجيش السوداني (SAF) في حربه الوجودية، جاء القرار الأمريكي الصاعق، الذي دخل حيز التنفيذ في 16 مارس 2026، ليصنفها كمنظمة إرهابية عالمية (SDGT) ومنظمة إرهابية أجنبية (FTO).
هذا التصنيف، الذي شمل أيضاً الذراع العسكري الأقوى للحركة، «لواء البراء بن مالك»، وضع الجيش السوداني في مأزق دبلوماسي وعسكري غير مسبوق. فكيف يُمكن لمؤسسة عسكرية وطنية أن تعتمد في بقائها وتفوقها الميداني على جماعة تُصنفها القوة العظمى الأولى في العالم كـ«إرهابية»؟ هذا التقرير يُقدم تحليلاً حصرياً، في ذروة الأحداث في أبريل 2026، يستشرف تأثير هذا التصنيف على نفوذ الجماعات الإسلامية داخل الجيش، وعلى مستقبل الإسلام السياسي في السودان وسط آتون الحرب والضغوط الدولية المتزايدة.

إعلان التصنيف: التفاصيل والدوافع
في 9 مارس 2026، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً تاريخياً أعلنت فيه تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ولواء البراء بن مالك كمنظمات إرهابية. ووصف البيان الحركة بأنها "تقود وتُنسق الأنشطة العسكرية التي تقوم بها الميليشيات المتحالفة مع الجيش السوداني، مما يُساهم في إطالة أمد الصراع وتفاقم الأزمة الإنسانية". والأخطر من ذلك، كان الربط المباشر بـ «لواء البراء بن مالك»، الذي قُدر عدد مقاتليه بأكثر من 20 ألفاً، ووُصف بأنه "يتلقى تدريباً ودعماً من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ويُشارك في أعمال عنف واسعة النطاق ضد المدنيين". هذا التصنيف لم يكن مجرد عقوبة، بل كان رسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن لن تتسامح مع عودة النفوذ الإسلامي، المدعوم إيرانياً، في السودان.

من الانقلاب إلى عودة النفوذ
لفهم عمق المعضلة الحالية، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للحركة الإسلامية في السودان. منذ نشأتها في الأربعينيات كفرع للإخوان المسلمين، سعت الحركة بجدية للوصول إلى السلطة، وهو ما تحقق عبر انقلاب عسكري في عام 1989 قاده عمر البشير بدعم كامل من الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي. على مدى ثلاثة عقود، سيطرت الحركة على كافة مفاصل الدولة، بما في ذلك الجيش والاقتصاد والإعلام، ونفذت مشروع "المشروع الحضاري" الذي أدى إلى عزلة السودان الدولية وفصل الجنوب.
بعد إطاحة البشير في ثورة ديسمبر 2019، تراجع نفوذ الحركة ظاهرياً، لكنها حافظت على تماسكها التنظيمي وقواعدها في المؤسسات الأمنية والعسكرية. ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وجدت الحركة فرصتها الذهبية للعودة إلى الواجهة. أعلنت دعماً غير مشروط للجيش في مواجهة قوات الدعم السريع، التي وصفتها بـ «المتمردة» و«المدعومة خارجياً». ومن خلال "الاستنفار العام"، نجحت الحركة في تعبئة الآلاف من كوادرها وحلفائها، ودمج ميليشياتها السابقة تحت مسميات جديدة، أبرزها «لواء البراء بن مالك»، ليصبحوا القوة الضاربة الحقيقية للجيش في المعارك البرية، خاصة في الخرطوم والجزيرة ولاحقاً في كردفان ودارفور.

الاندماج والاتهامات وردود الفعل
في أبريل 2026، أصبح التداخل بين الجيش والحركة الإسلامية واقعاً ميدانياً لا يُمكن إنكاره. فلم يعد "لواء البراء بن مالك" مجرد قوة مساندة، بل أضحى جزءاً أصيلاً من هيئة عمليات الجيش، يُشارك في التخطيط والتنفيذ للمعارك الرئيسية. ووفقاً لتقارير استخباراتية غربية وميدانية من «سودان تريبيون»، فإن قادة "اللواء" يُديرون محاور قتالية كاملة، ويستخدمون أسلحة متطورة (بما في ذلك مسيرات انتحارية يُعتقد أنها إيرانية الصنع) تم تدريبهم عليها في معسكرات يُشرف عليها مستشارون من الحرس الثوري الإيراني في بورتسودان وشرق السودان.
الولايات المتحدة، في حيثيات التصنيف، استندت إلى أدلة موثقة على تورط مقاتلي "اللواء" في أعمال عنف مفرط ضد المدنيين، تشمل الإعدامات الميدانية، والنهب، والتهجير القسري، خاصة في المناطق التي يتم استعادتها من قوات الدعم السريع. هذا السلوك الميداني، بالإضافة إلى الروابط الإيرانية، جعل من الحركة هدفاً سهلاً للتصنيف الإرهابي.

بين الترحيب والمخاوف الدولية
ردود الفعل على التصنيف جاءت متباينة وكاشفة عن عمق الانقسام السوداني. فبينما التزمت الحركة الإسلامية والجيش السوداني بصمت مُطبق (حتى أبريل 2026)، سارعت قوات الدعم السريع (RSF) إلى الترحيب بالقرار، وصفته بأنه "انتصار للعدالة وتأكيد على أن الحرب هي صراع بين قوى الثورة والديمقراطية وبين فلول النظام البائد والإرهابيين". القوى المدنية والتحالفات الديمقراطية، مثل «تقدم» (تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية)، رحبت أيضاً بالقرار بـ «حذر»، معتبرة أنه "يُضعف الجناح الراديكالي الداعي لاستمرار الحرب ويُفسح المجال لجهود السلام"، لكنها عبرت عن مخاوفها من أن يدفع القرار الجيش إلى مزيد من الارتماء في أحضان الإسلاميين وحلفائهم الإقليميين.
دولياً، أبدى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة مخاوف جدية من أن يؤدي التصنيف إلى تعميق النفوذ الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية، وتكريس سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، مما يجعل أي عملية انتقال مدني مستقبلي بعيدة المنال. وأشارت تقارير من "فورين بوليسي" إلى أن التصنيف قد يدفع الجيش إلى تجميد أي جهود للحوار مع القوى المدنية، والتركيز بالكامل على "الحل العسكري" المدعوم أيديولوجياً وميدانياً من الإسلاميين.

تأثير التصنيف وسيناريوهات المستقبل
يُمثل التصنيف الأمريكي للحركة الإسلامية السودانية ولواء البراء بن مالك كنقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب الأهلية. وتتلخص التداعيات الرئيسية في الآتي:
تضييق الخناق المالي والدبلوماسي على الجيش: بموجب التصنيف، تُصبح أي مؤسسة أو دولة تتعامل مع الحركة الإسلامية أو لواء البراء بن مالك عرضة للعقوبات الأمريكية. هذا يضع الجيش السوداني (SAF) في مأزق حقيقي، حيث يعتمد في تمويل الحرب وتوفير الأسلحة على شبكات معقدة، يُعتقد أن الإسلاميين يُديرون جزءاً كبيراً منها. التصنيف سيجعل من الصعب على الجيش الحصول على اعتمادات مالية، أو استيراد الأسلحة والمعدات، أو حتى تأمين السفر لقادته، الذين قد يُتهمون بـ «تسهيل أنشطة منظمة إرهابية».
تعميق النفوذ الأيديولوجي داخل الجيش: في سيناريو مضاد للتمنيات الأمريكية، قد يدفع التصنيف الجيش إلى الاعتماد بشكل "أعمق" و"أكثر علنية" على الإسلاميين. ففي غياب البدائل المالية والعسكرية الغربية، سيجد قادة الجيش أنفسهم مجبرين على قبول الدعم الكامل من الحركة الإسلامية وحلفائها (مثل إيران)، مما قد يؤدي إلى "أسلمة" كاملة للمؤسسة العسكرية وتحويلها إلى أداة لحماية "المشروع الحضاري" من جديد.
عرقلة جهود السلام والانتقال المدني: يُعد وجود الإسلاميين كـ«عمود فقري» للجيش هو العقبة الرئيسية أمام أي جهود للسلام. فهم يعتبرون الحرب معركة "وجودية" ضد "قوى الكفر والعمالة" (RSF والقوى المدنية)، ويرفضون أي تفاوض يؤدي إلى عودة القوى المدنية إلى السلطة أو تفكيك بنية "دولة التمكين". التصنيف الأمريكي، بهذا المعنى، قد يُعزز موقف "التيار الراديكالي" داخل الحركة والجيش، الرافض لأي تسوية سياسية، ويجعل من فكرة "الجيش القومي الواحد" حلماً بعيد المنال.

سيناريوهات مستقبلية: التكيف أم التراجع؟
أمام هذه الضغوط المتزايدة، تُشير التحليلات الحصرية، في أبريل 2026، إلى سيناريوهين رئيسيين لمستقبل الحركة الإسلامية السودانية:
السيناريو الأول: التكيف وإعادة الإنتاج:  وهو السيناريو الأرجح، حيث تسعى الحركة إلى التكيف مع التصنيف عبر تغيير أسماء ميليشياتها (كما حدث سابقاً مع الدفاع الشعبي وشرطة النظام العام)، ودمج مقاتليها بشكل أعمق داخل وحدات الجيش الرسمية لتجنب الاستهداف المباشر. هذا السيناريو قد يترافق مع تبني خطاب "وطني" أجوف، يُركز على "حماية الدولة" من التدخل الخارجي، بينما تظل الهياكل التنظيمية والأيديولوجية كما هي.
السيناريو الثاني: تراجع النفوذ والانقسام الداخلي: وهو السيناريو الأقل احتمالاً ولكنه ممكن، إذا نجح الضغط الأمريكي والدولي في إحداث شرخ بين قيادة الجيش (SAF) والجناح الراديكالي للحركة الإسلامية (ولواء البراء). هذا قد يؤدي إلى صراع داخلي داخل معسكر "بورتسودان"، ويُضعف القدرة العسكرية للجيش، مما قد يدفعه في النهاية لقبول التفاوض من موقع ضعف.

هل يُمثل أبريل 2026 نقطة تحول؟
في أبريل 2026، ومع مرور ثلاثة أسابيع على التصنيف الأمريكي ودخول الحرب عامها الرابع، يجد السودان نفسه أمام منعطف تاريخي. فالتصنيف الأمريكي للحركة الإسلامية ولواء البراء بن مالك لم يكن مجرد عقوبة، بل كان إعلاناً رسمياً بانتهاء حقبة "غض الطرف" الدولي عن "الشريك المشاكس" في السودان.
هل يُمثل هذا الشهر نقطة تحول في مستقبل الإسلام السياسي السوداني؟ نعم، ولكن ليس بالضرورة نحو الضعف والزوال، بل قد يكون تحولاً نحو أشكال "أكثر راديكالية" و"أعمق اندماجاً" داخل المؤسسة العسكرية. فالجماعة التي صمدت أمام عقود من العزلة والعقوبات، تمتلك قدرة هائلة على التكيف والبقاء.

توصيات للسياسة الدولية والقوى المحلية:
للإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي: يجب ألا يقتصر الضغط على "التصنيف" الإرهابي فحسب، بل يجب تفعيله عبر "آليات مراقبة وعقوبات صارمة" تستهدف الشبكات المالية والعسكرية التي تُغذي الحركة وحلفائها الإقليميين. وفي المقابل، يجب تقديم "حوافز حقيقية وعملية" للجيش السوداني (SAF) وقادته لفك الارتباط مع الإسلاميين، والعودة إلى مسار الحوار مع القوى المدنية.
للقوى المدنية السودانية (مثل تقدم): يجب تجاوز مرحلة "الترحيب الحذر" بالقرار، إلى مرحلة "بناء جبهة وطنية عريضة" تُقدم بدلاً سياسياً مقنعاً للشعب السوداني، وتعمل على تعرية "المشروع الأيديولوجي" للحركة الإسلامية الذي يستغل الحرب لفرض أجندته السلطوية.
لقادة الجيش السوداني: يجب أن يُدرك قادة الجيش أن "بقاء الدولة" السودانية يعتمد على "فك الارتباط مع الجماعات الأيديولوجية المصنفة إرهابياً"، وأن الاستمرار في الاعتماد على الحركة الإسلامية سيؤدي إلى "عزلة دولية كاملة" و"تدمير شامل" لما تبقى من المؤسسة العسكرية، ويجعل من السودان ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية في المنطقة.
في أبريل 2026، المعركة في السودان لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل هي معركة على "هوية الدولة" ومستقبلها. والتصنيف الأمريكي، بهذا المعنى، هو مجرد "جرس إنذار" أخير، قد يستيقظ السودانيون عليه لإنقاذ بلادهم، أو قد يكون بداية النهاية لدولة السودان كما عرفناها.

شارك