في أول خطاب رسمي… لبطريرك الكلدان الجديد “ تحدي الواقع بالإيمان

الأربعاء 22/أبريل/2026 - 10:19 ص
طباعة في أول خطاب رسمي… روبيرالفارس
 
 

في لحظة مفصلية من تاريخ الكنيسة الكلدانية، أطلّ البطريرك الجديد مار بولس الثالث نونا بخطابه الأول، واضعًا ملامح مرحلة تُعرّف الهوية قبل الجغرافيا، وتُقدّم الإيمان على السياسة، وتستحضر التاريخ لتؤسس للمستقبل. خطابٌ قصير في عباراته، عميق في دلالاته، يكشف رؤية كنسية تتجاوز الحدود، وتتمسك بجذور ضاربة في القرون الأولى.
وجاء في نص الخطاب  "كنيستنا الكلدانية هي كنيسة عريقة ومبجلة، تعود جذورها إلى نهاية القرن الأول. طوال تاريخها الطويل، اجتازت كل أشكال المعاناة والمصاعب، بالإضافة إلى لحظات من الازدهار الكبير.
 لقد شكلت هذه المعاناة والمصاعب كنيستنا لتصبح كنيسة حية، ليست مقيدة بأرض أو مكان أو سلطة مدنية، بل هي مقيدة فقط بالإيمان المسيحي الذي نجاهر به ونعبر عنه من خلال التقليد الشرقي أينما حللنا. ولهذا السبب، نحن أبناء وبنات هذه الكنيسة نعتبر أرضنا هي حيثما يمكننا العيش وإعلان إيماننا بقوة وشغف وكثافة وشجاعة. ما يهمنا ليس أرضاً تحددها الجغرافيا ولا سلطة يشكلها العالم، بل أرض الإيمان الحية نفسها. كل هذا شكل هويتنا الكنسية كأبناء وبنات للكنيسة الكلدانية.
 أينما وجدنا أنفسنا في العالم، نبقى أبناء مخلصين لكنيستنا. نعيش رجاءنا بقوة وندافع عن إيماننا بالحب والشغف الرسولي. التحديات التي تواجه كنيستنا عظيمة بالفعل، لكن إيماننا أعظم وأقوى."

وتكشف قراءة  الخطاب عن عدة محاور مهمة منها 
 أولاً: إعادة تعريف “الأرض”
أبرز ما في الخطاب هو نقله مفهوم “الأرض” من الجغرافيا إلى الإيمان. في سياقٍ تعيش فيه الكنيسة الكلدانية واقع الهجرة والانتشار الواسع، يقدّم البطريرك تعريفًا روحيًا للوطن:
الأرض ليست حيث نُولد فقط، بل حيث نستطيع أن نعيش الإيمان بحرية وشجاعة.هذا التحول اللاهوتي–الراعوي يحمل رسالة طمأنة للانتشار الكلداني في العالم، ويؤكد أن الهوية لا تضيع بالهجرة، ما دام الإيمان محفوظًا.
 ثانيًا: هوية متجذّرة لا منغلقة
عندما يشير البطريرك إلى أن جذور الكنيسة تعود إلى نهاية القرن الأول، فهو يستحضر عمقًا تاريخيًا يسبق الدول الحديثة والحدود السياسية. لكنه لا يفعل ذلك بروح حنين إلى الماضي، بل بروح استمرارية:
المعاناة لم تُضعف الكنيسة، بل “شكّلتها”.
الخطاب هنا يكشف رؤية ترى في الألم خبرة تكوين، لا سبب انكسار.
 ثالثًا: استقلالية عن السلطة الزمنية
تأكيده أن الكنيسة “ليست مقيدة بأرض أو مكان أو سلطة مدنية” يحمل بعدًا كنسيًا واضحًا:
الهوية الكنسية لا تُختزل في تحالفات سياسية أو حماية زمنية، بل في الشهادة للإيمان.
إنه موقف يضع الكنيسة فوق الاصطفافات، ويؤكد طابعها الرسولي العابر للأنظمة.
 رابعًا: نبرة رجاء لا شكوى
على الرغم من إشارته إلى “تحديات عظيمة”، فإن الخطاب لا يحمل نبرة تذمّر أو خوف، بل ينتهي بجملة حاسمة:
“إيماننا أعظم وأقوى.”
إنها خاتمة تُكثّف الروح العامة للنص:
واقعية في قراءة التحديات، وثقة مطلقة في قوة الإيمان.
وبالاجمال يعد خطاب البطريرك خطاب تأسيسي لمرحلة جديدة حيث 
يبدو خطاب مار بولس الثالث نونا أقرب إلى بيان هوية منه إلى كلمة بروتوكولية. فهو: يرسّخ البعد الرسولي للكنيسة الكلدانية. و يوجّه رسالة وحدة للانتشار الكلداني في الشرق والغرب. و يعيد التأكيد على أن قوة الكنيسة ليست في عددها أو نفوذها، بل في إيمانها.
في عالم تتبدل فيه الخرائط وتشتد فيه التحديات، يختار البطريرك الجديد أن يبدأ عهده بجملة تختصر رؤيته كلها:
"الإيمان أولًا… والإيمان أقوى."
وهكذا، لا يبدو الخطاب مجرد افتتاح لولاية بطريركية، بل إعلان ثقة بأن الكنيسة التي صمدت قرونًا قادرة على أن تعبر قرونًا أخرى، ما دام إيمانها أعظم وأقوى.

شارك