كيف أيقظت صواريخ القوى العظمى "شياطين" التطرف العنقودي؟

الأربعاء 22/أبريل/2026 - 01:24 م
طباعة كيف أيقظت صواريخ حسام الحداد
 
في وقت تحبس فيه العواصم العالمية أنفاسها بانتظار ما ستؤول إليه ردهات "إسلام آباد" الدبلوماسية، وبلوغ هدنة ترامب الهشة مرحلة "النزاع الأخير"، لم يعد المشهد في الشرق الأوسط مجرد صراع إقليمي بين قوى كبرى، بل تحول إلى زلزال بنيوي أعاد صياغة خارطة التهديدات "تحت الأرض". فبينما تنشغل الصواريخ الباليستية والمسيّرات المتطورة برسم خطوط المواجهة المباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران وأذرعها من جهة أخرى، تشكلت في الظلال "مساحات رمادية" شاسعة ناتجة عن اضطرار حلفاء إيران التقليديين للانكفاء نحو الداخل للدفاع عن المركز؛ وهو ما منح قبلة الحياة لتنظيمات راديكالية كانت تُعتبر هامشية، لتبرز اليوم كقوة فاعلة مستفيدة من الفراغ الأمني والأيديولوجي الذي لم تشهده المنطقة منذ عقد من الزمان.
إننا أمام ولادة متعسرة لما يمكن تسميته بـ "الجيل الثالث" من التطرف؛ جيل لم يتشكل في كواليس التنظيمات الهرمية القديمة، بل وُلد من رحم "حرب 2026" وتغذى على مشاعر الإحباط الشعبي وانهيار المنظومات الاقتصادية والسياسية. هذا الجيل، الذي تخلّى عن حلم "بناء الدولة" لصالح عقيدة "الانتقام العنقودي"، بات يمثل التحدي الأكبر ليس فقط لاستقرار المنطقة، بل للأمن العالمي بأسره؛ حيث لم تعد المواجهة مع تنظيمات يمكن تعقب قيادتها، بل مع خلايا "سيالة" تعمل بدافع الثأر الهوياتي العابر للحدود، مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مرة: إن وقود هذه الحرب لا يحرق الدول المتصارعة فحسب، بل يمنح الطاقة لمحرك "تجار الغضب" الذين يبنون عالمهم الخاص وسط الأنقاض والركام.

كيف أيقظت صواريخ
انكفاء "الأذرع" وانفجار "الفراغ"
على مدار العقد الماضي، لم تكن الأذرع المسلحة التابعة لـ "محور المقاومة" (مثل حزب الله اللبناني، الحوثيين في اليمن، وفصائل الحشد الشعبي في العراق) مجرد أدوات عسكرية لإيران، بل لعبت دور "ضابط الإيقاع الأمني" الذي كبح جماح التناحر الطائفي والتمدد الراديكالي المنافس في مناطق نفوذها. ومع تحول الصراع في عام 2026 إلى مواجهة "كسر عظم" مباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، اضطرت هذه المجموعات إلى إعادة تموضع استراتيجي حاد؛ حيث تشير تقارير استخباراتية إقليمية مسربة إلى أن "قوات النخبة" في هذه الفصائل سُحبت من نقاط الاشتباك التقليدية مع الخلايا المتطرفة لتُوجه نحو الدفاع عن "العمق الإيراني" أو حماية المنصات الصاروخية الحيوية التي استهدفتها الضربات الأمريكية مؤخراً، مما أدى إلى تآكل "حوائط الصد" التي كانت تمنع انفجار بؤر التوتر القديمة.
أدى هذا الانكفاء العسكري إلى نشوء ما يسميه باحثون في "مركز دراسات الحرب" (ISW) بـ "الفراغ الرمادي" في مناطق البادية السورية وصحراء الأنبار وغرب العراق. هذا الفراغ لم يبقَ شاغراً طويلًا، حيث رصدت أقمار صناعية استخباراتية عودة نشطة لخلايا تنظيم "داعش"، ولكن بنموذج تشغيلي مختلف تماماً؛ فالمنظمة لا تسعى اليوم لاستعادة "دولة المكان" أو السيطرة على المدن الكبرى، بل تعمل كـ "شبكة خدمات أمنية وعقابية" بديلة. وتقوم هذه الخلايا بفرض "إتاوات الحماية" على القوافل التجارية وملء الفجوة التي خلفها غياب "الدوريات المنظمة" التابعة للفصائل المنشغلة بالجبهات الكبرى، مستغلةً غياب الرقابة الجوية المكثفة التي انشغلت بتعقب الصواريخ الباليستية الإيرانية.
بعيداً عن الميدان العسكري، أحدث غياب المركز الإيراني "فراغاً أيديولوجياً" مدمراً لدى القواعد الشعبية التي كانت تعتمد على خطاب "المقاومة" كإطار جامع. وتؤكد دراسات ميدانية أجرتها مراكز رصد التطرف في أبريل 2026 أن تراجع قدرة الأذرع الإيرانية على تأمين الحماية والخدمات في بيئاتها الحاضنة دفع بكتل شبابية نحو "التطرف المحلي" العابر للحدود. هذا "الجيل الجديد" يرى في انشغال الفصائل الكبرى بالحرب الإقليمية دليلاً على فشل "الدولة المركزية" و"المحاور الكبرى"، مما أدى إلى ظهور تنظيمات صغيرة شديدة الراديكالية تعمل تحت شعارات "الانتقام للهوية" و"رفض التدخل الأجنبي"، وهي تنظيمات يصفها خبراء مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة بأنها "خلايا عنقودية" يصعب تتبعها لأنها لا تملك هيكلاً هرمياً واضحاً بل تتحرك بدافع "الغضب الشعبي المحتقن".

من التنظيم المركزي إلى "الخلايا الانتقامية"
تشير القراءات التحليلية للمشهد الراهن في ربيع 2026 إلى انعطافة حادة في مسار حركات الإسلام السياسي؛ فبعد عقود من محاولات الاندماج في الهياكل الدولتية أو السعي لإقامة "نظم حكم" عبر أجهزة تنظيمية هرمية، أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما خلفته من دمار واسع إلى تفكيك هذه الأطر التقليدية. وبحسب تقرير الصمود والتطرف الصادر عن "معهد الشرق الأوسط" (MEI)، فإننا نشهد اليوم ولادة نموذج "التطرف العنقودي" الذي يتجاوز الهياكل التنظيمية الكلاسيكية، حيث لم يعد الهدف هو "التمكين السياسي" بقدر ما أصبح "الاستنزاف الهوياتي" رداً على ما يُعتبر انكساراً كبيراً للمشاريع السياسية الكبرى في المنطقة.
انتقلت الجماعات المتطرفة من نموذج "السمع والطاعة" للقيادة المركزية إلى "الاستقلال العملياتي الكامل". وتؤكد دراسة ميدانية لمركز "راند" (RAND) حول التهديدات الناشئة في 2026، أن الخلايا الجديدة تعمل اليوم كجزيئات منفصلة لا يربطها رابط تنظيمي مباشر بخلاف "الأيديولوجيا العابرة". هذه الخلايا الانتقامية تخلت عن الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد لصالح "العمليات الخاطفة" بدافع الثأر للهوية الجريحة، مما يجعل التنبؤ بتحركاتها ضرباً من المستحيل بالنسبة لأجهزة المخابرات، نظراً لغياب قنوات الاتصال التقليدية التي يمكن تعقبها.
استثمرت هذه الحركات حالة الاحتقان الشعبي العارم ضد التدخل العسكري الأجنبي (الأمريكي-الإسرائيلي) لإعادة صياغة "خطاب المظلومية". ووفقاً لـ مرصد "فانيتي" لمراقبة التحولات الرقمية، فإن منصات التواصل المشفرة شهدت زيادة بنسبة 400% في المحتوى الذي يربط بين "فشل الحلول الدبلوماسية" وضرورة "المقاومة الفردية". هذا الخطاب نجح في استقطاب آلاف الشباب الذين فقدوا الثقة تماماً في قدرة الدولة الوطنية أو المنظمات الدولية على حماية حيواتهم وأرزاقهم، مما حول "المظلومية" من بكائية تاريخية إلى "وقود تجنيد" فوري وفعال.
لم تعد هذه المجموعات تتبنى استراتيجية "ترتيب الأعداء" التي كانت تميز تنظيمات العقد الماضي؛ حيث تلاشت الفوارق بين "العدو البعيد" (واشنطن وحلفائها) و"العدو القريب" (الأنظمة المحلية والشركاء الإقليميين). وبحسب تحليل نشرته صحيفة "لوموند" في منتصف أبريل 2026، فإن "الجيل الجديد" بات ينظر للجميع كجزء من "منظومة فشل جماعية" أدت إلى الكارثة الراهنة. هذا التوجه دفع بالخلايا المتطرفة لاستباحة أهداف لم تكن مدرجة سابقاً على قوائم الاستهداف، معتبرين أن تدمير "بقايا النظام القديم" هو الخطوة الأولى نحو ما يسمونه "التطهير التاريخي".
يبرز اليوم ما يصفه خبراء الأمن في "يوروبول" بـ "الجيل الثالث" من المقاتلين، وهم "جيل 2026". هؤلاء المقاتلون يختلفون جذرياً عن أسلافهم في تنظيمي "القاعدة" أو "داعش" (نسخة 2014)؛ فهم لم يتشكلوا في معسكرات تدريب تقليدية، بل وُلد وعيهم السياسي والعسكري تحت وطأة القصف المباشر، ووسط انهيار اقتصادي شامل أدى لتهاوي العملات المحلية وضياع المدخرات. هذا الجيل يتسم بالذكاء التقني العالي، والقدرة على التخفي، والتشبع بروح اليأس التي تجعل من "العمليات الانتحارية" خياراً أولياً وليس أخيراً، مما يضع المنطقة أمام معضلة أمنية ستستمر تبعاتها لعقود، حتى لو توقفت المدافع غداً.

سيناريوهات مرعبة
بينما تقف مفاوضات "إسلام آباد" على حافة الهاوية، وتلفظ هدنة ترامب أنفاسها الأخيرة تحت وطأة التصعيد الميداني، يرسم الخبراء العسكريون والسياسيون صورة قاتمة للمستقبل القريب. فاستمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران دون أفق سياسي واضح، حوّل المنطقة إلى "مختبر حي" لأخطر سيناريوهات الفوضى. ووفقاً لـ تقرير "تقدير الموقف الاستراتيجي" الصادر عن المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية (ICGS) في 20 أبريل 2026، فإن "انهيار الهدنة" لن يعني العودة للمواجهات العسكرية التقليدية فحسب، بل سيطلق العنان لنسخة مشوهة وأكثر فتكاً من التطرف المسلح الذي يتغذى على أنقاض الدول.
يتمثل التهديد الأول في تحول جيوب جغرافية شاسعة، خاصة في مثلث البادية السورية، غرب العراق، وأجزاء من المرتفعات اليمنية، إلى ما يصفه "معهد ستوكهولم لأبحاث السلام" (SIPRI) بـ "المساحات غير المحكومة". في هذا السيناريو، يؤدي استنزاف القوى المركزية (الأذرع الإيرانية أو الجيوش النظامية) إلى بروز "إمارات فوضى" محلية تديرها خلايا منفلتة. هذه الخلايا، وبحسب تقارير ميدانية لمنظمة "أزمات العالم"، بدأت بالفعل في فرض قوانينها الخاصة وجباية الأموال لتمويل عملياتها، مما يحول هذه المناطق إلى بؤر استقطاب عالمية للمتطرفين الذين يجدون في غياب السلطة المركزية "بيئة مثالية" لإعادة إحياء مشروع الخلافة المكانية بنسخة أكثر راديكالية.
يركز السيناريو الثاني على عودة "العمليات النوعية" التي تستهدف عمق العواصم الإقليمية والدولية كأداة ضغط سياسي وانتقامي. ويشير تحليل أمني نشرته "وكالة الاستخبارات المركزية" (CIA) في تحديثها الدوري لشهر أبريل 2026، إلى أن الجماعات المتطرفة الناشئة بدأت تتبنى استراتيجية "الإرهاب الهجين"؛ وهي مزيج من الهجمات السيبرانية المعقدة والعمليات الانتحارية التقليدية. وتستغل هذه الجماعات "انشغال أجهزة المخابرات الدولية" بمراقبة التحركات العسكرية الكبرى وحرب المسيرات بين القوى العظمى، لتنفيذ ضربات في "الخاصرة الرخوة" للمدن الكبرى، بهدف ضرب قطاعات السياحة والاستثمار وهز استقرار الأنظمة التي يُنظر إليها كشريك في الصراع.
يبقى السؤال الجوهري الذي يتردد صداه في أروقة "مجلس الأمن" وصنع القرار الدولي: هل يدرك المجتمع الدولي أن المماطلة في إنهاء "حرب 2026" تتجاوز فكرة "استنزاف الخصوم"؟ إن التأخر في التوصل لاتفاق شامل ليس مجرد مقامرة سياسية، بل هو "الوقود الحيوي" الذي يشعل محرك التطرف العالمي في نسخته الأكثر دموية وغموضاً. وبحسب افتتاحية "نيويورك تايمز" لهذا اليوم 22 أبريل 2026، فإن "تجار الغضب" الجدد لا ينتظرون نتائج المفاوضات، بل يبنون عالمهم الخاص من تحت الأنقاض، وهو عالم قد لا تملك القوى العظمى أدوات كافية لاحتوائه بمجرد انفجاره الكبير.

شارك