شلتوت.. الفقيه الذي هدم جدران المذهبية

الخميس 23/أبريل/2026 - 09:09 ص
طباعة شلتوت.. الفقيه الذي حسام الحداد
 
"إن المسلمين لن يستعيدوا مجدهم إلا إذا نبذوا التعصب المذهبي، وعلموا أن دين الله واحد، وأن شريعته ترمي إلى مصلحة العباد أينما كانت."
في الثالث والعشرين من أبريل، لا نحتفي بمجرد ذكرى ميلاد عابر، بل نستحضر عبقرية أزهريّة صاغت بحروف من جرأة خارطة طريق للأمة في أحلك لحظات تشتتها. إنه الإمام الأكبر محمود شلتوت؛ الرجل الذي لم تكن 'مشيخة الأزهر' بالنسبة له مجرد كرسي للوقار، بل كانت منصةً للانطلاق نحو آفاق التنوير. بجبينٍ ناصحٍ وعقلٍ يسبق زمانه، استطاع شلتوت أن ينزع عن الفقه رداء الجمود، ليرتدي حلة العصر، محولاً المؤسسة الدينية العريقة إلى منارةٍ تحتضن الطب والهندسة بجوار التفسير والحديث، ومقدماً للعالم نموذجاً فريداً للفقيه الذي يرى في اختلاف المذاهب 'ثراءً' لا 'نزاعاً'. في ذكرى ميلاده، نفتح سجلات 'إمام التقريب' لنقرأ كيف قاد ثورة 'العقل والروح' في أروقة المعمور
تجلّى الإمام محمود شلتوت كواحد من أندر القامات التي زاوجت بين هيبة التراث ومرونة العصر، فمنذ اعتلائه سدة مشيخة الجامع الأزهر عام 1958، لم يكن مجرد مسؤول إداري، بل كان روحاً وثّابة نحو الإصلاح، استحق بها عن جدارة لقب "إمام التقريب"؛ لكونه الجسر الذي عبرت عليه تطلعات وحدة الأمة الإسلامية متجاوزةً عثرات الخلاف. وقد اصطبغت مسيرته بسمات العقلانية الراجحة والوسطية المستنيرة التي جعلت منه صوتاً للحق لا يخشى في الله لومة لائم، منافحاً بشجاعة نادرة عن جوهر الدين ضد غلاة التعصب وضيق الأفق المذهبي، ليظل نموذجاً حياً للفقيه الذي يقرأ النص بروح المستقبل، ويحمل لواء التجديد في أروقة التاريخ.
شلتوت.. الفقيه الذي
ملامح من فكره التنويري
بمدادٍ من نور، صاغ الإمام محمود شلتوت فلسفةً تنويرية أعادت صياغة العلاقة بين النص والواقع، فلم يكن في محرابه مجرد فقيهٍ يحفظ المتون، بل كان "فيلسوفاً للحركية الإسلامية" يؤمن بأن الشريعة نبضٌ يتدفق في عروق الحياة لا قيوداً تكبل معاصرة الإنسان؛ ومن هذا المنطلق، تحول الأزهر في عهده من قلعة للحفاظ على الموروث إلى منارة تشع بوعيٍ يجمع بين "قداسة الوحي" و"ضرورات العصر".
على صعيد البناء المؤسسي، قاد الشيخ شلتوت ثورةً بيضاء في أروقة المعمور، تجلت ذروتها في "قانون تطوير الأزهر" عام 1961، وهو الانعطاف التاريخي الذي كسر العزلة بين علوم الدين وعلوم الدنيا؛ فبشجاعة الرؤية، فتح أبواب المشيخة للطب والهندسة والعلوم التطبيقية، لتتجاور العمامة مع المختبر، إيماناً منه بأن المسلم الحق هو من يقرأ كتاب الله المسطور (القرآن) وكتابه المنظور (الكون) في آنٍ واحد، واضعاً بذلك اللبنة الأولى لجيلٍ من العلماء الأزهريين القادرين على فقه الواقع بأدوات العلم الحديث.
أما على مستوى الوجدان الإسلامي، فقد كان شلتوت "مهندس الجسور" الذي شيد صرح "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية"، مقتحماً بشجاعته الفكرية حقول الألغام التاريخية التي فرقت بين المذاهب؛ حيث أرسى قاعدة ذهبية مفادها أن التنوع بين السنة والشيعة ليس إلا ثراءً فقهياً وسعةً فكرية، لا يخدش ثوابت العقيدة ولا يخرج أحداً من حياض الملة. لقد حارب الشيخ الجمود والتعصب بوعيٍ يرى في "وحدة الأمة" فريضةً شرعية وضرورةً حضارية، ليحول الخلاف من وقودٍ للنزاع إلى فضاءٍ للحوار والتكامل تحت راية التوحيد.

أهم الفتاوى التنويرية والجريئة
بين طيات سجلات الفقه الإسلامي المعاصر، تقف فتاوى الإمام محمود شلتوت كشهادة ميلاد لعقل فقهي لم يعرف الهياب، حيث اقتحم بها مناطق ظلّت لقرون محاطة بأسوار الجمود. لقد كان شلتوت يدرك أن الفتوى ليست مجرد نقلٍ للنصوص، بل هي عملية "تجسير" بين مراد الله وحاجة الإنسان، فجاءت أحكامه كحجر زاوية في صرح الفكر التجديدي، تكسر أغلال التقليد الأعمى وتفتح للنور نوافذ كانت موصدة، لتثبت أن الشريعة هي "نهر متجدد" وليست "بركة راكدة".

أولاً: فتوى "جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية".. تحطيم جدران المذهبية
في لحظة تاريخية فارقة، فجر الشيخ شلتوت قنبلته التنويرية الكبرى التي ما زالت أصداؤها تتردد في جنبات العالم الإسلامي، حين أعلن بملء فيه أن الإسلام في جوهره لا يُلزم أحداً باتباع مذهب بعينه، فاتحاً بذلك أفقاً جديداً للحرية الفكرية. كانت فتواه بجواز التعبد بمذهب الشيعة الجعفرية (الإثنا عشرية) بمثابة "وثيقة استقلال" للعقل المسلم من أسر العصبية الطائفية التي أرهقت الأمة لقرون.
لم تكن هذه الفتوى مجرد مجاملة سياسية أو دينية، بل كانت رؤية علمية رصينة تقرر أن المذهب الجعفري مذهب فقهي يستند إلى أصول شرعية معتبرة لا تختلف في جوهرها عن المذاهب السنية الأربعة. ومن خلال هذا الموقف الجريء، أعاد شلتوت رسم خارطة "الأمة الواحدة"، مؤكداً أن الاختلاف في الفروع هو "رحمة واسعة" وثراء تشريعي، لا مبرراً للفرقة أو التراشق بالخروج من الملة.

ثانياً: قضية الرق والعبودية.. الانحياز لكرامة الإنسان
ببصيرة نافذة، كان شلتوت من أوائل الذين فككوا الالتباس التاريخي حول قضية الرق، معلناً بلهجة حاسمة أن الإسلام جاء ليكون ثورة "تحرير" لا "تقييد". لقد جهر بأن الشريعة الإسلامية استهدفت منذ يومها الأول تجفيف منابع العبودية وتصفيتها عبر سياسة التدرج، جاعلاً من "الحرية" هي الأصل الثابت الذي لا يقبل التأويل، ومن الرق عرضاً طارئاً أملته ظروف العصور الغابرة.
وقد أكد في ثنايا اجتهاده أن نظام الرق قد فقد مشروعيته الأخلاقية والقانونية في العصر الحديث، ولم يعد له أي وجود شرعي يتسق مع مقاصد الإسلام الكبرى. وبذلك، قطع الطريق على المتنطعين الذين يحاولون إحياء مفاهيم بائدة، مشدداً على أن كرامة الإنسان هي المقصد الأسمى الذي تدور حوله كل الأحكام التشريعية، وأن أي قراءة للنص تصادم حرية البشر هي قراءة قاصرة لا تدرك روح الوحي.

ثالثاً: تنظيم الأسرة.. جودة الحياة قبل "الكثرة الضعيفة"
في زمنٍ كان فيه الحديث عن "تحديد أو تنظيم النسل" يُقابل بالتحريم والريبة، وقف شلتوت شامخاً ليعيد الأمور إلى نصابها العقلاني، مفتياً بجواز تنظيم الأسرة كضرورة حضارية واجتماعية. لقد استنبط من روح الشرع أن "المصلحة" هي بوصلة الفتوى، فإذا كان الدافع هو الحفاظ على صحة الأم، أو ضمان تربية الأبناء تربية سوية تليق بكرامة الإنسان، فإن التنظيم يصبح مطلباً شرعياً بامتياز.
ولم يقف عند حدود الجواز، بل صاغ مفهوماً فلسفياً عميقاً حين انتقد التباهي بـ "الكثرة العددية" التي تفتقر إلى القوة والوعي، واصفاً إياها بـ "الكثرة الضعيفة" التي لا تعلي شأن أمة. لقد أراد شلتوت للمسلم أن يكون رقماً صعباً في معادلة الحضارة، لا مجرد عددٍ يثقل كاهل المجتمع، مؤكداً أن جودة الفرد في الإسلام تسبق كمّ القطيع، وأن الأسرة المتماسكة هي اللبنة الأولى في بناء الدولة القوية.

رابعاً: المعاملات المالية.. فقه الاستثمار وروح الاقتصاد
برؤية مرنة واكبت التحولات الاقتصادية العالمية، شق الشيخ شلتوت طريقاً وسطاً في ملف المعاملات البنكية، مفرقاً بذكاء الفقيه بين "الربا الاستغلالي" الذي يهدم البيوت ويستعبد المحتاجين، وبين "الاستثمار الحديث" الذي يبني الدول وينمي الأموال. لقد رأى في البنوك أدوات اقتصادية يمكن توظيفها لخدمة المصلحة العامة، شريطة أن تبتعد عن روح الاستغلال الفاحش.
كانت هذه الرؤية بمثابة الضوء الأخضر لظهور الاقتصاد الإسلامي المعاصر، حيث رفع الحرج عن ملايين المسلمين الذين تحرجوا من التعامل مع المؤسسات المالية الحديثة. لقد آمن شلتوت بأن المال في الإسلام يجب أن يكون "دولة بين الناس" لا مكنوزاً في الصدور، وأن مرونة الشريعة قادرة على استيعاب أعقد الأنظمة المالية ما دامت تحقق النفع والعدل، مبتعداً بذلك عن التشدد الذي يحبس الاقتصاد في قوالب التاريخ.

شارك