الاستاذ الدكتور محمد فياض :المصريين حتى الآن لم يختبروا خبث السياسة الإيران
الخميس 23/أبريل/2026 - 11:16 ص
طباعة
روبير الفارس
يحتل الاستاذ الدكتور محمد فياض مكانة مرموقة في قمة العمل الأكاديمي.فهو استاذ التاريخ الاسلامي بكلية الآداب بجامعة طنطا.وصاحب المؤلفات المهمة والفريدة في مجالها والتي منها " نشأة التشيع واشكالية الخلافة حتى مقتل الحسين " و 'فرق الشيعة النشأة والتطور والعمل السياسى "وكتاب قيام الدولة الفاطمية " حركة التشيع الإسماعيلى وأثرها على تطور المشروع الشيعى " والتشيع الشعبي في العراق (61– 656هـ / 680 - 1258م) تاريخ التصوف الإسلامى، دار مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة 2019.
وغيرها الكثير .وهذا التخصص في عالم الشيعة جعلنا نلجأ إليه لاستجلاء رؤيته حول ما أثير حول تعاطف قطاع كبير من المصريين مع إيران في الحرب الدائرة الان .خاصة وأن دكتور فياض له رأي معلن منذ سنوات يقول فيه أن المباراة الكبرى في العالم تدور بين اللاعبين الثلاثة، الصهيونية بحلمها إسرائيل الكبرى من النيل للفرات، والإخوان بحلمها في أستاذية العالم، والتشيع الفارسي بالحلم الذي يُشكل محور قدس أقداس سياستهم وهو السيادة الفارسية على العالم، هذا الحلم الذى عبر عنه الخمينى قائلا " لقد حكم العرب العالم الإسلامى قرونا من الزمان وحكم الترك العالم الإسلامى قرونا من الزمان ، وآن الأوان للفرس أن يحكموا العالم الإسلامى. والي نص الحوار
كيف تقرأ موقف الشارع المصري من الحرب الدائرة على إيران، وهل هو موقف موحد أم منقسم؟
في واقع الأمر هناك أزمة حقيقية تتعلق بقياس الرأي العام في مصر تجاه القضايا الكبرى، فبدون أن نشعر انزلقنا شعورياً للإيمان بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي الأداة الأصدق لقياس الرأي العام وهو أمر بعيد تمامًا عن الصحة، لا يمنع هذا الاعتراف أن هناك قطاع كبير في مصر مؤيد لإيران في هذه الحرب ليس لأجل إيران نفسها ولكن لحالة العداء التاريخي لإسرائيل، فمصر على المستوى الشعبي يمكن أن تتخيل أي شيء بإستثناء محبة إسرائيل أو التعاطف معها أو الوقوف في أي خندق معها ولكن مهلاً ...
فقطاع أكبر من الشعب المصري يدرك حجم الالتصاق الروحي والسياسي والثقافي والمادي والمعنوي والمصيري مع دول الخليج، لا يخلو بيت من بيوت هذا القطاع من إبن أو زوج عمل أو يعمل أو يرغب بالعمل في الخليج، هذا القطاع يرى أنه جزء من هذه المعركة على جانبها الخليجي، وأنه لا يجوز تحت أي مسمى الاعتداء على بلد الحرمين الشريفين، أو بلد أولاد زايد، أو قطر، أو الكويت، أو البحرين، بدافع شعوري حقيقي، فضلاً عن قطاع آخر أكثر وعيًا يدرك حجم العلاقات التاريخية والسياسية بين الخليج ومصر، يُدرك أن علاقة الملك عبد العزيز والشيخ زايد وآل ثاني وآل صباح وآل خليفة بمصر ثوابت في أساس الحكم ووصايا الملوك .... أساس لا يوجد مثيله بأي نسبة مئوية مع الارتباط المصري الإيراني .
وقلة أخيرة عاطفية تناضل عبر الكيبورد، تمارس حالة إبتزاز شعوري كون إسرائيل المكروهة في كل بيت مصري هي الطرف الآخر في معادلة الصراع .
إلى أي مدى تؤثر الذاكرة التاريخية للعلاقات بين العرب وإيران في تشكيِل الرأي العام المصري ؟
كمؤرخ علي أن أطلب منك أولاً تحديد السياق الزمني لتاريخية العلاقة بين العرب وإيران، هل نقصد هنا العلاقة بين العرب وإيران في التاريخ الإسلامي وهي في الحقيقة لم تكن علاقة مثالية، أم العلاقة مثلاً في فترة الشاه وهي أكثر المراحل المعتدلة في العلاقات، أم مرحلة ما الخميني وصولاً للواقع الحالي، في كل هذه الأطر التاريخية لا يوجد موقف متجمد من الرأي العام المصري تجاه قضايا تاريخية مع إيران، وهنا ستجد مجموعة تتذكر موقف شاه إيران من توجيه البترول لمصر إبان حرب أكتوبر وهي مقارنة مثلاً لا تصمد أبدًا أمام موقف الملك فيصل من قضية النفط ودوره في مساندة مصر، وستجد مجموعات أكبر تتذكر إحتفاء إيران بمقتل السادات وتخليد إسم القاتل على أكبر شوارع العاصمة طهران، لا توجد لدينا مواقف معقدة
مثلاً عكس دول الخليج مثلاً، مثل إستيلاء إيران على الجزر الإماراتية الثلاث" أبو طنب الكبرى، وأبو طنب الصغرى، وأبو موسى".
وأخيرًأ وبكل صراحة دعني أقول لك أن المصريين حتى الآن لم يختبروا خبث السياسة الإيرانية لأن البيئة المصرية والسيادة المصرية لم تسمح بوجود هذه الاختراقات الإيرانية، رغم أن المدقق في هذا الملف لا يمكن له أن يتناسى دور إيران إبان أحداث 25 يناير وما تلا هذه الأحداث من فترات سيولة وإضطراب.
ذكرت أن العلاقات بين العرب وإيران في مرحلة التاريخ الإسلامي لم تكن مثالية أحتاج توضيح أكثر؟ وما هو الأثر الحالي لهذه الرواسب التاريخية ؟
ذكرت لك سابقًأ المقولة التاريخية الكاشفة للخميني : " لقد حكم العرب العالم الإسلامى قرونا من الزمان وحكم الترك العالم الإسلامى قرونا من الزمان ، وآن الأوان للفرس أن يحكموا العالم الإسلامى " بهذه الكلمات عبر الخمينى عن عقدة وعقيدة السياسة الإيرانية والحلم الإيرانى .
وفى الحقيقة فإن لهذا الحلم بعداً ضارباً فى التاريخ الإسلامي، فقد كان للفرس مشكلة كبرى مع العرب، فالإسلام الذى جاء بالمبدأ الأعظم أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ، وأن الناس سواسية كأسنان المشط، ورغم ذلك ففى كثير من الأحيان كانت هناك سياسات سلبية تُمارس من بعض الولاة أو العمال أو حتى الخلفاء، مثلت طلاقاً بين تعاليم الإسلام وتصرفاتهم كمسلمين، فأصبح الفرس مواطنين من الدرجة الثانية، أسلموا ولم يتساووا مع المسلمين العرب .
حتى أن أحد المستشرقين قد علق قائلا "إن هؤلاء الموالي لم يعرفوا الإسلام في كثير من الأحيان إلا من خلال الضرائب على اختلافها" فضلاً عن خصومتهم للدولة الأموية التي عرفت بالدولة العربية فتعصبوا لقوميتهم وآمنوا أن حكومة الأمويين لم تكن منذ البداية خلافة حقاً فضلاً عن الإرث الحضاري الكبير للفرس الذين اعتقدوا أنه أعلى بكثير من الإرث العربي، فأفضى ذلك كله إلى إقبالهم على اعتناق أية دعوة من شأنها تخليصهم من الحكم العربي الأموي وتغير واقعهم السئ وانضمت لهم أيضاً جميع العناصر المناوئة للعرب وحتى يكسبوا لأنفسهم شكلاً شرعيًا فقد انضموا إلى أحزاب المعارضة ذات الركائز المذهبية وكان أهمها المذهب الشيعى .
ولكن لماذا التشيع ؟؟
إننا لو نظرنا لتاريخ الفرس مع التشيع لوجدنا تفسيراً مقبولا في هذا الصدد لقد كانت ثمة علاقة جدلية بين الفرس والإمام علي بن طالب منذ خلافته، فالأعياد الفارسية ذات الطابع القومي تم الاحتفال بها في عهد الإمام على بن أبى طالب مثل عيد النيروز ، فقد وجد الفرس ضالتهم فى البيت العلوى فتشيعوا له فى مواجهة البيوتات الأخرى وجعلوا من على بن أبى طالب المنارة التى يلتفون حولها لتهديهم إلى حلمهم القديم ، وفى العراق تحديدا كان الثقل الأكبر حيث كانت أكثرية فارسية فى البصرة والكوفة ، فحسبما عبر بعض الكتاب قائلاً " أن لغة السوق فى البصرة والكوفة كانت فارسية وعربية بمقدار واحد .
إضافة إلى ماسبق فإن الحادثة الأهم فى تاريخ تشيع الفرس كانت تلك القصة الكلاسيكية الأشهر التى ذكرت بأن ابنتى ملك الفرس " يزدجرد " واللتان تدعيان " شهربانور " و " وجهانشاه " قد وقعتا فى الأسر أيام الخليفة عمر بن الخطاب فلم يباعا فى الأسواق لأنهما بنات ملوك ، لذا فقد تزوج الحسن بن على بشهربانور وتزوج الحسين بجهانشاه والتى سميت بعد ذلك سلافه وأنجبت للحسين ابنه " على بن الحسين المعروف بعلى زين العابدين والذى يعد الإمام الرابع فى منظومة التشيع الإمامى الإثنى عشرى ، فكان هذا الزواج عاملا هاما من عوامل تشيع الفرس.
كما أن الفرس قد آمنوا بنظرية الحكم الإلهى المقدس وانتقال الدم الملكى للأبناء ، أضف الى ذلك أن عليا زين العابدين هو من نسل الرسول صلعم تزوج ابنة من نسل ملوك الفرس الأكاسرة ، إذن فنحن أمام صاحب الحق الملكى فى ملك العرب والعجم.
إننا لو رصدنا تاريخ المعارضة فى العالم الاسلامى بأكمله لوجدنا أن الفرس قد شكلوا عنصراً أساسياً في هذا الفكر ، كما كان المال الفارسى حاضراً دائماً فى تاريخ كل الحركات المناوئة للسيادة العربية ، وكان الاعتقاد بالنسبة لهم أمراً ثانوياً إذا ما قارناه بالحنق الاجتماعي القديم وعقد السياسة الأولى والصدام الحضاري والشعوبية بين الفرس والعرب فكان تشيعهم بالأساس نكاية ومعارضة في السيادة العربية مع بعض الحلي الدينية لإكساب الأمر شرعية ورونقاً لا يدل بحال عن الماهية الحقيقة لهذا التبنى المذهبي للتشيع .
هكذا كان المشهد القديم ...
أما المشهد الآنى فهو المشهد الذى نجد فيه إيران تتمدد وحلمها القديم يقاتل بشراسة ، وتمتد مخالبها السياسية والإقتصادية والأيدلوجية لتصيب العديد من العواصم العربية مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن ، فضلاً عن التدخلات الناعمة فى معظم عواصم العالم العربى الأخرى .
وعلى سبيل المثال فإن اليمن صاحبة المشهد الطاغى هذه الأيام كمسرح محورى لنشاطات ايران فيمكننا القول أن لليمن خصوصية كبيرة فى تاريخ التشيع ، فمنها تم التحضير للمرحلة النهائية للدعوة الإسماعيلية تلك الدعوة التى قامت على أكتافها الدولة الفاطمية ، حيث كانت الجغرافيا البعيدة المتطرفة الوعرة لبلاد اليمن هى الأنجح لطبخ التنظيم .
كما أن الموقع الجغرافى لليمن ساهم فى عزلتها عن التطور المحيط بها فأغرقت اليمن فى الحفاظ على كيانها حتى أصبحت فى شبه عزلة من ركب حياة الإنسان المتطور، وكانت الحتمية المتوقعة أن تقدم الإنسان خارج اليمن، وتخلف الإنسان ساكنها ويعبر أبى العلاء المعرى عن هذا قائلاً عن اليمن: "أنه كان معدناً للمتمسكين بالتدين والمحتالين على الحق بالتزين" .
بالإضافة إلى ما سبق فهناك عاملاً تاريخياً هاماً، فمن المعروف أن الإسلام وصل اليمن فى السنة السادسة للهجرة على إثر إسلام عاملها الفارسى بازان بعد الرسالة التى أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن انتشار الإسلام كان محدوداً آنذاك وحتى سنة (9هـ / 630م) وهو العام الذى جاء فيه الإمام على بن أبى طالب فى سفارة من قبل النبى صلى الله عليه وسلم فأسلمت العديد من القبـائـل عـلى يـديـه وخـاصـة قـبـيـلـة هـمـدان ويروى أن على بن أبى طالب دخل عدن وخطب على منبرها وبقى هذا الجانب كامناً فى النفوس حتى الآن .
ورغم أن المذهب الزيدى كان هو صاحب الرقم الأكبر فى جغرافية اليمن الشيعية وهو المذهب الذى يتشابه الى حد التماثل مع المذهب السنى الا فى فروق فرعية طفيفة ، إلا أن الأصابع الإيرانية قد استطاعت تحويل انتماء الحوثيين الى المذهب الإثنى عشرى وهو ما يعضد حالة التمدد الإيرانى فى المنطقة ، منعشاً بذلك الحلم الفارسى بحكم العالم الإسلامى وإعادة تشكيل الخريطة السياسية للعالم وفق المعتقدات المذهبية والعقد النفسية والإشكاليات التاريخية .
هل مازال الانقسام السني الشيعي عاملاً مؤثرًا في تعاطف المصريين مع إيران أو رفضهم لها ؟
الشخصية المصرية بطبيعة تكوينها متجاوزة للمذهبية، وعبر التاريخ لم تكن المذهبية أبدًا حاضرة في قرارات المصريين إلا في حالة الشعور بالخطر على حالة السلم العام للحياة اليومية البسيطة أو حتى السلم الفكري، وفي تاريخ الدولة الفاطمية وهي التجربة المذهبية المباشرة التي تعرض لها المصريين تفاعل المصريين مع الحكم الفاطمي إجتماعياً ولكن ما إن بدأت الآلة الفاطمية في محاولة ترشيخ المذهب الشيعي في مصر تأفف المصريين ثم ضجروا ثما ثاروا كثيراً وبقى الوصف الشعبي " إبن الرفضي" معبرً عن هذه الحالة الإستثنائية المصرية.
المذهبية ليست حاضرة أبدًا في حسابات المصريين، ودافع المتعاطفين الأول هو الموقف المصري من إسرائيل، وخصوصاً أن التقية الإيرانية لازالت مُفعلة مع مصر، افترض مثلاً لو خرج تصريح واحد منفعل من القيادة الإيرانية أو حتى من أي ناشط إيراني تجاه مصر، أو أي موقف عدائي، سيتهاوى كل هذا التعاطف في لمح البصر وسيتحول لشراسة وطنية متأهبة لصد أي عدوان حتى لو عدوان لفظي على مصر، وأكرر أن المصريين لم يختبروا خبث السياسة الإيرانية والحمد لله أن حكم الإخوان لم يستمر لأن حكم الإخوان كان هو البوابة الملكية لتدخل إيران في الشأن المصري وكشف قناع التقية الإيرانية.
تاريخياً كيف تعامل المصريون مع الاختلاف المذهبي خصوصاً في عصور مثل الدولة الفاطمية ؟
حكم الفاطميين مصر قرنين من الزمان، وبغض النظر عن المنتج الحضاري للفاطميين في مصر، إلا أن الفاطميين كانت لهم أجندة مذهبية شديدة الوضوح وهي تحويل ولاء وفكر المصريين للمذهب الشيعي الإسماعيلي، ودارت الآلة الإعلامية الفاطمية والتوجيه السياسي لتحقيق هذا الغرض، ولكن المصريين وعلى مدار قرنين من الزمان لم يتبنوا التشيع بأي حال من الأحوال، ومن المثير للعجب أن معارضة المصريين للفاطميين كانت شديدة الوطأة، وكانت أيضًا ساخرة، فلم يتجاوز التأثر المصري بالحكم الفاطمي الحياة الاجتماعية والأطعمة والأشربة والحالة الاحتفالية التي أوجدها الفاطميين، لدرجة أن الدولة الفاطمية ابتكرت ما أسميته أنا تشيع البطون، أطعمة وأشربة واحتفالات بالمجان، حتى يرتبط التشيع في الذهنية المصرية بالأفراح والأعياد والطعام ... وبالفعل .. احتفل المصريون وفرحوا وضحكوا وأخذوا كل مظاهر الاحتفالات ..لكنهم لم يحفلوا بالمذهب الشيعي ...ودارت عجلة الحكم الفاطمي ..بما فيها من سياسة وحضارة واقتصاد وأدب وفنون ..فلم يتذكر المصريون سوى الحلوى والفانوس والطعام والاحتفالات وسيف المعز وملوخية الحاكم ..وعندما سقطت الدولة التي " لم ينتطح فيها عنزان " على حد قول ابن الأثير العدو الأكبر لصلاح الدين الأيوبي... الذى أسقط الدولة !!! وودع المصريون الفاطميين الشيعة كما ودعوا غيرهم .. وبقت الشخصية المصرية كالعادة فريدة ...وفي الأخير استطاع المصريين أن يبرهنوا أن لديهم قدرة شديدة على التمييز بين التشيع كحالة مذهبية، وبين حب آل البيت الذي يعتبر مكون رئيسي من مكونات الشخصية المصرية، لكنه حب مُنزه عن الأفكار المذهبية والانشقاقات.
وأعود وأكرر مصر لم تعرف المذهبية أصلاً عبر تاريخها، ولم يحدث أي صراع مذهبي مصري وحتى في ظل تاريخ المسيحية المصرية تمسك أقباط مصر بمذهبهم الأرثوذكسي، وفي ظل الدولة الفاطمية لم يعرف المصريون التشيع ولا آمنوا به ولا اعتنقوه اللهم إلا دوائر محدودة جدًا تشيعت بدافع المصلحة ورغبة في تولي المناصب والولوج لدائرة السلطة، يارجل .. ده المصريين إلى الآن عندما يريدون سب أحد يقولون له "يابن الرفضي" أي الرافضي وهي كلمات شعبية نتاج العصر الفاطمي،
وبالمناسبة أريد أن أنهي هذا السؤال بنسف المقولة المشهورة المنتشرة التي يرددها الخواص والعوام دون فهم أصل العبارة : "أن الشعب المصري سني المذهب شيعي الهوى" وبالطبع فإن هذه المقولة مدسوسة لا تعبر عن الواقع الفعلي للهُوية المصرية، ومن المثير أن هذه المقولة في الأساس هي مقولة الخميني قالها ....فانتشرت واستمرت وصارت متداولة فاكتسبت الحضور بالتواتر المدسوس.
هل قاعدة عدو عدوي صديقي صالحة في العلاقات الدولية فعلاً أم أنها تبسيط مخل للتعقيدات السياسية ؟
بالطبع هي قاعدة ساذجة عاطفية لا تعبر عن الواقع السياسي المتشابك والمعقد، والسؤال بكل موضوعية ألم تثبت التجربة السياسية الإيرانية المعاصرة أن سياستها هي التدخل بكل فجاجة في دول مثل العراق ولبنان واليمن، ما هي وجهة نظرك في تشابك إيران مع الوضع الداخلي المصري لو استمر حكم الإخوان، أو لاقدر الله أصابنا ما أصاب دول مجاورة، بالتالي فإن سياسة إيران تقوم على التربص والاختراق، ورغم أن التاريخ لا يعيد نفسه شكل علمي إلا أنك ستجد مثلاً الوجود الشيعي عبر تاريخه لا يتوغل ويتوسع إلا في مراحل ضعف الدول، الدولة الفاطمية نفسها أجهزت على مصر بعد أن ضعفت الدولة الإخشيدية لدرجة أنها زرعت جواسيس وأتباع، وصارت تُمول النشاط الدعوي في مصر قبل الدخول الفاطمي، بل إنها سكت عملات إحتفالاً بدخول مصر قبل نجاحهم في الغزو بوقت طويل ، حيث قاموا بسك ثلاثة دنانير فاطمية تحمل مكان الضرب في مصر ومؤرخة في السنوات (341/952م) ، (343هـ/954م) ، (353هـ/964م)، وهي تواريخ تشير الى ضربها قبل دخولهم مصر سنة 358هـ/ 968م، كما ذكر ابن خلدون أنه قام به المعز من حفر أبار المياه على طول الطريق الذي يوصل المغرب بمصر ، فضلاً عن بنائه في كل منزلة قصر ينزل فيه وهو في الطريق الى مصر ، كل ذلك كان في سنة (355هـ/965م) أي قبل دخول مصر بثلاث سنوات.
هذه المقدمة الطويلة الغرض منها أن نثبت أن عدو عدوي من الوارد جدًا أن أكون أنا خطة مؤجلة في لائحته التوسعية ولكن وقتي لم يحن بعد، بالتالي فإن ما أعرفه وأحفظه وأفهمه أن ما يعنيني فقط مصلحة وطني دون أي إعتبارات أخرى، عداء المصريين لإسرائيل لن يتأثر بالتعاطف مع إيران أو عدم التعاطف، بالعكس مصر متضررة بشكل مباشر بالاعتداء الإيراني على الأشقاء في الخليج، والمصلحة والتاريخ والمصير المشترك هو ما يحدد الأولويات هذه الاعتبارات تجعلني أضع إيران في ذيل قائمة التعاطف أو الدعم.
والسؤال المهم كيف أثق بمصالح ثابتة ومصير مشترك مع نظام ينتظر المهدي المنتظر الذي سيعود حسب عقيدتهم ودستورهم ليملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً وظلما، ليحارب أهل الضلال ويعود العالم الإسلامي بلا حدود أو مفهوم للوطن.
وأزيدك من الشعر بيتًا فمصر مثلاً كانت ولاتزال هى الحلم الفارسى الأكبر وواسطة عقد أفكارهم السياسية وأهدافهم الدعوية ، فحسب الأدبيات الشيعية بصفة عامة والإيرانية بصفة خاصة أن مصر هى " الجائزة الكبرى " مأصليين ذلك الى رؤية الإمام على لمصر بأنها المحور الأكثر أهمية والأكبر ثقلا فى صراعه مع معاوية ، وأنها الرقم الصعب فى حسم معادلة الصراع .
وينسحب ذلك القول أيضا على الرؤية الإيرانية لمصر بأنها هى بيت القصيد لتحقيق حلمهم الأكبر ، فلو تذكرنا مثلاً زيارة أحمدى نجاد لمصر أيام حكم الإخوان والتى كانت الأولى من نوعها بعد أربعة وثلاثين عاماً من الإنقطاع أما فيما يتعلق بسياق الزيارة فلدينا بعض اللقطات التى من الممكن أن تكون لها حضورها فى هذا المنحى ، فأماكن ذات دلالات هامة تم الإعلان عنها فى برنامج الزيارة مثلت دلالات روحية قوية نجدها فى زيارة مساجد ذات حضور مقدس عند الشيعة مثل مسجد الحسين كقيمة معنوية ، والسيدة زينب وغيرها ، فضلا عن رفع نجاد بأيديه راسماً علامة النصر بالإضافة الى أماكن أخرى ذات أبعاد سياسية وعقديه قوية مثل " الأزهر الشريف " وهو الموضع الذى يثير عقدة ضخمة فى ذهنيات التشيع ، حيث كان يمثل المؤسسة الشيعية الأولى فى العالم الإسلامى فصار بعد ذلك ممثلا رسميا للإسلام السنى فى العالم الإسلامى بأكمله ، وهو الأمر الذى يمثل مشاعر أشبه بالحنق والأسى على الأزهر .
أما المكان الأخر ذو الدلالة الأهم وهو ميدان التحرير الذى أعلن نجاد عن الرغبة فى زيارته والذى يمثل أيقونة الثورة المصرية ورمزها وهو ما ينقلنا لأبعاد أخرى فى الحديث ، فالثورة المصرية والتى لاقت ارتياحا ايرانيا كبيرا ، ومدحاً اعلامياً فى الخطاب الرسمى ناعتة اياها بأنها ثورة اسلامية .
وعلى مستويات أخرى فدعونا لا ننسى التقاربات القديمة بين الإخوان والشيعة والتى ظهرت فى العديد من المواقف ، ولكننا سنختار أنموذجا واحدا ، فأحمدى نجاد قد قابل فى زيارته للقاهرة مهدى عاكف المرشد السابق لجماعة الإخوان الإرهابية وهو الرجل الذى أعلن سابقا موقفه المؤيد وبشده للشيعة حيث قال " انه لافرق بين السنة السنة والشيعة ونحن أمة واحدة ونسيج واحد لنا رب واحد ولنا قرآن واحد وقد أصدرت بيانا أوضحت فيه موقف الإخوان من هذه القضايا التافهة التى يثيرها بعض الناس الذين لايفهمون الإسلام كما يجب وهذا منهج الإخوان المسلمين منذ الأستاذ حسن البنا ، ومن يدعون أن هناك سنة وشيعة فهؤلاء جهلاء جهل مطبق "
لذا فقد لايكون مستغربا أن نقرأ تصريحات سابقة للكتاتنى بأنه ينظر للثورة الإيرانية "كأنموذجا أعلى " وهو ما أثار وقتها حالة من التوجس من إمكانية تصدير الثورة الإيرانية بشكلها وليس حالتها من حيث الشكل العام من وجود مرشد أعلى كحاكم روحى للمجتمع أو الطموح فى تأسيس ما يعرف بالحرس الثورى ، وهنا علينا هنا أن نعيد فرحتنا بثورة الثلاثين من يونيو التى أوقفت مد الحلم الإيرانى فى مصر والذى كان مقرراً لأن يمتد أثناء حكم الإخوان البغيض دون أن نطمئن الى موته .
صفوة القول فإننا أمام حلم أيدلوجى متمدد يبحث عن إمبراطوريته القديمة يقاتل في سبيل عودتها بشراسة ، حلم يتشابه الى حد كبير مع حلم الخلافة الإخوانى والوطن الصهيونى، حلم يسير فى خطوات ثابتة ليشكل أحد أهم أقطاب الصراع فى الخريطة السياسية لهذا العالم الراقد على حافة البركان ..
في رأيك ما المعادلة الصعبة التي يواجهها المصري أو العربي اليوم بين الانتماء المذهبي، والموقف السياسي والتعاطف الانساني في هذه الحرب ؟
أكرر أن المصري لا يعرف إنتماءات مذهبية بأي حال، نحن شعب مسالم، نكره الحرب تحت أي مسمى وتحت أي ظرف، نتمنى أن يسود السلام والتفاهم العالم، نتعاطف مع الإنسانية تحت أي مسمى وأي لون وأي عرق وأي جنس رغم ذلك نحتفظ بمواقفنا التاريخية تجاه أعداء هذا الوطن عبر العصور، لا نعتدي ولكننا نصون، لا نعرف المذهبية ولذلك عشنا في أمن إجتماعي وخصوصية مصرية إنسانية نبيلة، أحكي لك أن القبطي المصري إبان الحملات الصليبية على مصر لم يقف مع الجيوش الصليبية الغازية بل وقف مع حدود بلده، موقف المصريين من الحملتين الصليبيتين الخامسة والسابعة على مصر كان موقفاً وطنياً مشرفاً، أهل مصر يحبون السلم يكرهون الحرب ولكن وقت الخطر على حدود مصر يتحول كل مصري أياً كان عمره أو دينه إلى مقاتل مصري شرس يمكن أن يُضحي بحياته بكل سهولة لأجل صيانة حدود وأمن هذا الوطن.
