خديعة الهدنة: كيف استغلت طهران وقف القتال مع واشنطن لضرب معارضيها في كردستان العراق؟
الجمعة 24/أبريل/2026 - 02:10 م
طباعة
علي رجب
كشف فريق كردستان العراق التابع لمنظمة CPT الأمريكية، في تقرير صادر اليوم الجمعة الموافق الرابع والعشرين من نيسان 2026، عن أرقام صادمة توثق حجم العدوان العسكري الذي يتعرض له الإقليم منذ اندلاع المواجهة المسلحة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
وجاءت الإحصائية لتكشف ليس فقط ضخامة الضربات الموجهة نحو كردستان العراق، بل أيضا الكيفية التي وظفت بها طهران اتفاق وقف إطلاق النار لتصفية حساباتها مع المعارضة الكردية بعيدا عن أعين الرقابة الدولية.
695 هجوما في أقل من شهرين
أكد التقرير الحقوقي أن إجمالي الهجمات المسجلة منذ 28 فبراير الماضي وحتى تاريخ إصدار التقرير اليوم 24 أبريل 2026 بلغ 695 هجوما، شنتها القوات الإيرانية والفصائل المسلحة الموالية لها في العراق، باستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الباليستية.
وقسم التقرير مسؤولية هذه الهجمات بين طرفين رئيسيين، إذ تولى الحرس الثوري الإيراني تنفيذ ما نسبته 34.8% من العمليات بشكل مباشر، فيما تحملت الفصائل الموالية لطهران العاملة على الأراضي العراقية مسؤولية النسبة الباقية البالغة 65.2%.
وفي سياق التسلسل الزمني للأحداث، أوضح التقرير أن المرحلة الأولى من المواجهة، التي أعقبت الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، شهدت 647 هجوما تركزت في معظمها على المنشآت الدبلوماسية والقواعد العسكرية الأمريكية، وبلغ عدد الضربات الموجهة تحديدا لهذه المنشآت 277 هجوما.
الهدنة التي لم توقف النار
الحدث الأبرز الذي رصده التقرير هو ما جرى بعد إعلان الهدنة في الثامن من نيسان الجاري. فعلى الرغم من توقف المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، لم تتوقف الآلة العسكرية عن العمل في سماء كردستان، إذ سجل 48 خرقا أمنيا جديدا خلال أسبوعي الهدنة، وهو رقم يكشف بجلاء الهوة العميقة بين الاتفاقات السياسية والواقع الميداني الذي يعيشه سكان الإقليم.
والأشد خطورة في هذه المرحلة هو التحول النوعي في طبيعة الأهداف؛ فبينما كان الحرس الثوري يركز ضرباته قبل الهدنة على المواقع الأمريكية، اتجهت النيران بعد إعلانها بشكل شبه كامل نحو مخيمات ومقرات أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية، المعروفة بأحزاب المعارضة الكرديةالإيرانية، حيث بلغت نسبة استهدافها 77.1% من مجموع هجمات فترة الهدنة.
و يستخلص من هذا التحول أن طهران استغلت انشغال المجتمع الدولي بمراقبة مصير التهدئة الأمريكية الإيرانية لتوجيه ضرباتها نحو خصومها الداخليين دون أن تواجه ضغطا دبلوماسيا يذكر.
أربيل في مرمى النيران
جغرافيا، تحملت محافظة أربيل العبء الأثقل من هذا العدوان، إذ استقبلت 544 هجوما يمثل ما يزيد على 78% من إجمالي الضربات، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى وجود القنصلية الأمريكية فيها، فضلا عن استضافتها مقرات رئيسية لأحزاب المعارضة الكردية.
وتوزعت بقية الهجمات على محافظات السليمانية ودهوك وحلبجة بنسب متفاوتة تعكس اتساع الرقعة الجغرافية للاستهداف الإيراني.
أما على صعيد تصنيف الأهداف، فقد جاءت المؤسسات الأمريكية والقنصلية في مقدمة ما استهدف بـ281 هجوما، تلتها المؤسسات المدنية والمناطق السكنية وحقول النفط ومقرات وزارة البيشمركة بـ231 ضربة، فيما تعرضت مقار الأحزاب المعارضة لـ183 ضربة جوية وصاروخية.
الدفاعات الجوية تمنع كارثة أكبر
في مواجهة هذا الكم الهائل من الهجمات، أدت منظومات الدفاع الجوي دورا محوريا في التخفيف من وطأة الكارثة الإنسانية، إذ نجحت في إسقاط واعتراض 407 هجمات قبل وصولها إلى أهدافها، بنسبة نجاح بلغت 58.6%، وهو ما أنقذ أرواحا كثيرة في المناطق السكنية المكتظة.
غير أن ما نجا من الهجمات خلف آثارا إنسانية مؤلمة، إذ وثق الفريق سقوط 123 ضحية بين قتيل وجريح، من بينهم 22 شهيدا و101 مصاب بجروح متفاوتة.
وكان في عداد الضحايا 24 مدنيا لا صلة لهم بأي طرف من أطراف النزاع. وعلى صعيد الأضرار المادية، تسببت الانفجارات في تدمير 67 منزلا سكنيا و45 سيارة مدنية، فضلا عن أضرار جسيمة طالت شركات الاتصالات ومصافي النفط والمنشآت الخدمية الحيوية.
تحذير استراتيجي من CPT
اختتم فريق المنظمة تقريره بجملة من الاستنتاجات الاستراتيجية التي تحمل في طياتها تحذيرا صريحا للمجتمع الدولي.
وأكد الفريق أن الهدنة المبرمة بين القوى العظمى لا تشكل ضمانة تلقائية لأمن المناطق المجاورة، مشيرا إلى أن إقليم كردستان بات يؤدي وظيفة "ساحة بديلة" لتفريغ التوترات العسكرية بعيدا عن الاحتكاك المباشر بين الطرفين الرئيسيين.
وطالب التقرير المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية في حماية المدنيين، مع توجيه نداء مباشر للحكومة الاتحادية في بغداد لاتخاذ موقف حازم يوقف انتهاك السيادة العراقية.
كما شدد على ضرورة أن تتضمن أي تفاهمات مستقبلية بين واشنطن وطهران ضمانات صريحة وواضحة تشمل إقليم كردستان العراق، محذرا من أن غياب هذه الضمانات سيبقي الإقليم عرضة لاستمرار الضربات وما تخلفه من تداعيات اقتصادية واجتماعية مدمرة.
وتشير التوقعات إلى أن الأنظار تتجه اليوم نحو مفاوضات السلام الجارية في إسلام آباد، أملا في التوصل إلى اتفاق شامل ينهي معاناة سكان إقليم كوردستان الذين يعيشون منذ أشهر تحت وطأة دوي الانفجارات وأزيز الطائرات المسيرة، في انتظار أن تترجم الوعود الدبلوماسية إلى هدوء حقيقي يعكسه السكون في سماء أربيل والسليمانية ودهوك.
