من السودان إلى الساحل.. طهران تحول القارة السمراء إلى منصة متقدمة لحروبها غير المتكافئة
السبت 25/أبريل/2026 - 11:45 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
كشف تقرير تحليلي نشره منتدى الشرق الأوسط عن تحول نوعي في الاستراتيجية الإيرانية، حيث لم تعد أفريقيا هامشًا جغرافيًا، بل أصبحت جزءًا من بنية النفوذ الإيراني المرتبطة بالصراع مع إسرائيل، هذا التحول يعتمد بشكل أساسي على الطائرات المسيرة، التي تحولت من مجرد أدوات دعم إلى ركيزة في بناء شبكة لوجستية وعسكرية متكاملة داخل القارة.
شبكة لوجستية تتوسع عبر السودان
يرصد التقرير الذي أعده الكاتب خوسيه ليف ألفاريز غوميز كيف نجحت إيران في تحويل السودان إلى نقطة ارتكاز رئيسية لنقل الطائرات المسيّرة، خاصة عبر ميناء بورتسودان، مع تكرار الرحلات الجوية بين بندر عباس والساحل السوداني، كما تؤكد صور الأقمار الصناعية وجود طائرات "مهاجر-6" في قاعدة وادي سيدنا قرب الخرطوم.
هذا الوجود لم يبق نظريًا بل انعكس ميدانيًا، حيث استخدمت هذه الطائرات في العمليات العسكرية، ما أسهم في ترجيح كفة القوات المسلحة السودانية في بعض مناطق القتال، ويعكس ذلك انتقال إيران من مرحلة الإمداد إلى مرحلة التأثير المباشر في موازين القوى.
نمط يتكرر في القرن الأفريقي
التجربة السودانية ليست استثناءً، إذ يشير التقرير إلى تكرار النموذج في إثيوبيا خلال حرب تيغراي، عندما زودت طهران أديس أبابا بطائرات مسيّرة مسلحة، كما تسهم موانئ إريترية مثل عصب ومصوع في دعم هذه الشبكة، ما يعزز من مرونة خطوط الإمداد.
هذا الانتشار يعكس استراتيجية تقوم على استغلال البيئات الهشة، حيث ضعف الدولة وسهولة الحركة عبر الحدود يتيحان لإيران ترسيخ وجودها دون تكلفة سياسية كبيرة.
كلفة منخفضة وتأثير مرتفع
يرى التقرير أن من أبرز ما يميز هذه الاستراتيجية هو الاعتماد على الطائرات منخفضة التكلفة مثل "مهاجر-6" و"شاهد-136"، التي تتراوح أسعارها بين 20 و50 ألف دولار، مع قدرة إنتاجية كبيرة داخل إيران.
لكن هذا التفوق التقني ترافق مع كلفة بشرية مرتفعة، حيث سجلت مئات الضحايا المدنيين في السودان نتيجة ضربات الطائرات المسيّرة خلال فترة قصيرة، ما يعكس تصاعد الاعتماد على هذا النوع من الحروب في النزاعات الأفريقية.
ربط أفريقيا بمحور البحر الأحمر
يمنح التمركز الإيراني في السودان طهران منفذًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، ويعزز ارتباطها بحلفائها في اليمن، ويمثل مضيق باب المندب ومضيق هرمز نقطتي ضغط حيويتين على حركة الطاقة العالمية، ما يخلق امتدادًا جغرافيًا لنفوذ إيران.
كما تعتمد طهران على مقايضة السلاح بالموارد مثل الذهب، ما يسمح لها بتجاوز العقوبات، ويضعف في الوقت ذاته نفوذ خصومها الإقليميين في القرن الأفريقي.
التمدد نحو الساحل واستغلال الفراغ
بحسب التقرير يتجاوز النشاط الإيراني شرق أفريقيا ليصل إلى منطقة الساحل، حيث تسعى طهران إلى بناء شراكات دفاعية، كما ظهر في تحركاتها داخل بوركينا فاسو، إضافة إلى محاولات التقارب مع أنظمة عسكرية في دول أخرى مثل مالي.
هذه التحركات تستفيد من تراجع النفوذ الغربي، وتنامي الاستياء المحلي، ما يوفر بيئة مناسبة لتمدد النفوذ الإيراني في مناطق تعاني من هشاشة سياسية وأمنية.
تهديد متصاعد لإسرائيل
يؤكد التقرير أن هذا التوسع يشكل تحديًا مباشرًا لإسرائيل، حيث تُستخدم الشبكة الأفريقية لتقليص مسافات الإمداد إلى الحلفاء، وخلق منصات محتملة للعمليات، كما أظهرت محاولات استهداف بعثات دبلوماسية إسرائيلية في أفريقيا وجود نشاط منظم لتجنيد شبكات محلية.
هذا النمط يعكس اعتماد إيران على العمل غير المباشر، عبر وكلاء محليين، مع الحفاظ على إمكانية الإنكار.
مسارات المواجهة المحتملة
يقترح التقرير أن مواجهة هذا التمدد تتطلب تعزيز التعاون الاستخباراتي مع الدول الأفريقية، وتقديم تقنيات مضادة للطائرات المسيّرة، إلى جانب استهداف سلاسل الإمداد عبر عمليات دقيقة تشمل التخريب والاختراق الإلكتروني.
كما يشدد على أهمية التنسيق مع الشركاء الإقليميين، خاصة في الخليج، للحد من قدرة إيران على التمدد داخل القارة.
ويرى مراقبون أن التحرك الإيراني في أفريقيا يعكس تحولًا استراتيجيًا أعمق، يقوم على بناء نفوذ بعيد عن مناطق الضغط التقليدية، مع الاعتماد على أدوات منخفضة التكلفة ومرتفعة الفاعلية، هذه المقاربة تمنح طهران مرونة كبيرة في الالتفاف على العقوبات، لكنها في المقابل تفتح ساحات صراع جديدة قد تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي والدولي.
ويحذر المراقبون من أن استمرار هذا التمدد دون رد منظم قد يحول أجزاء من أفريقيا إلى منصة دائمة للحروب بالوكالة، ما يجعل القارة ساحة تنافس مفتوح بين قوى دولية وإقليمية، وفي هذا السياق، تبدو المواجهة المقبلة أقرب إلى صراع استخباراتي طويل الأمد، يتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية إلى معركة نفوذ متعددة الأبعاد.
