ماذا يحدث في ايران الان... قطع الإنترنت يخفي طوابير الإعدام

الإثنين 27/أبريل/2026 - 09:36 ص
طباعة ماذا يحدث في ايران روبير الفارس
 
 


في وقتٍ تصمت  فيه الحرب وتتعاظم قبضة الرقابة، خصّص معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى منتدىً افتراضياً لمناقشة ما يجري داخل إيران حاليا ، بمشاركة ثلاث شخصيات حقوقية بارزة حذّرن من أن الإيرانيين عالقون بين “الظلام الرقمي” وتصاعد الإعدامات، فيما يخسر المجتمع الدولي معركة كشف كواليس اللحظة الراهنة لنظام الملالي 

"مهسا علي مرداني"، المديرة المشاركة لبرنامج تهديدات وفرص التكنولوجيا في منظمة " وتنيس" ، رأت أن قطع الإنترنت لم يعد إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل البيئة المعلوماتية برمّتها. فبحسب قولها، تستخدم السلطات الانقطاع الشامل للاتصال ليس فقط لمنع تداول الأخبار، بل لفرض رواية رسمية وحيدة على الداخل والخارج، في وقت يُمنح فيه مسؤولون رسميون قدرة انتقائية على الظهور والوصول، بينما يُترك ملايين الإيرانيين معزولين عن العالم.

وأشارت" علي مرداني" إلى أن تعقيدات المشهد تضاعفت مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ أصبح من السهل التشكيك في أي مادة موثقة عبر الادعاء بأنها “مفبركة رقمياً”. ووصفت ذلك بظاهرة “عائد الكاذب”، حيث يكفي احتمال التلاعب كي تنهار الثقة بالأدلة، حتى تلك التي التقطتها جهات مستقلة ومن زوايا متعددة. واعتبرت أن هذا الانهيار في الثقة يخدم السلطة كما يخدم دعايتها، لأنه يجعل الحقيقة نفسها موضع نزاع دائم. وفي ما يتعلق بالحلول، شددت على أن تهريب أجهزة اتصال فضائي لا يشكّل بديلاً مستداماً، وأن المعركة الحاسمة تدور حول مستقبل تقنيات الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية وحوكمة الطيف الترددي، محذّرة من أن دولاً سلطوية تسعى للتأثير في هذه المعايير الدولية بما يُبقي شعوبها تحت السيطرة الرقمية.

من جهتها، أكدت" نازانين بونيادي'، الناشطة في مجال حقوق الإنسان والممثلة والمنتجة الإيرانية، أن موجة العنف التي شهدتها البلاد مطلع العام تركت أثراً عميقاً في المزاج الشعبي. وقالت إن اتصالات متقطعة مع سجناء سياسيين وناشطين داخل إيران كشفت عن حالة من التأييد لفكرة “مسؤولية الحماية” بوصفها مبدأً إنسانياً، قبل أن يتبدد هذا الأمل تدريجياً مع تصاعد التهديدات العسكرية التي طالت البنية التحتية المدنية وأثارت مخاوف من استهداف الحضارة الإيرانية نفسها.

واعتبرت "بونيادي" أن استمرار انقطاع الإنترنت لأسابيع طويلة شكّل نقطة تحول خطيرة، إذ حرم الإيرانيين من إيصال أصواتهم إلى الإعلام العالمي، بينما بقيت رواية النظام حاضرة في التقارير والنقاشات الدولية. وبرأيها، لا يمكن لأي سياسة خارجية واقعية تجاه إيران أن تنجح من دون الاعتراف بأن تغيير النظام لم يحدث بعد وأن الشعب ما يزال مُكمّم الصوت، مع ضرورة تشجيع الانشقاقات داخل البنية المتوسطة للنظام، وإعطاء أولوية واضحة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين واستعادة الاتصال بالعالم. فالمعركة، كما تقول، ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضاً معركة خطاب ورواية.

أما' رويا بوروماند"، المؤسِّسة المشاركة والمديرة التنفيذية لـ مركز عبد الرحمن بوروماند لحقوق الإنسان في إيران، فقد نقلت صورة أكثر قتامة عن الداخل الإيراني، مركّزة على الكلفة الإنسانية والنفسية المتفاقمة. وأوضحت أن المجتمع لم يتعافَ بعد من صدمة القمع السابقة، وأن عسكرة المدن وانتشار الميليشيات في الأحياء السكنية ضاعفا من مناخ الخوف. فالقوات، بحسب ما قالت، باتت تستخدم مباني غير مميزة في مناطق مدنية، ما يعرّض السكان لمخاطر مباشرة، فيما تتزايد الاعتقالات والإعدامات تحت عناوين تتعلق بالتجسس أو “التعاون مع العدو”.
وطوابير الإعدام لا تحصي.
وشددت بوروماند على أن وقف إطلاق النار، رغم أهميته العسكرية، قد يحمل دلالات مقلقة داخلياً، إذ يمكن أن يُفسَّر كإشارة إلى أن المجتمع الدولي مستعد لتجاوز الانتهاكات الجارية. ونقلت عن شاب إيراني قوله إن “وقف إطلاق النار يعني مزيدا من طوابير الإعدام”، في تعبير يلخّص الخشية من أن تتواصل الاعتقالات والمحاكمات القاسية بعيداً عن الأضواء. وبرأيها، فإن القصف الخارجي وحده لا يكفي لتغيير نظام متجذّر في مؤسسات الدولة، ما لم يترافق مع ضغط سياسي واضح يحمي المجتمع المدني ويضع ثمناً حقيقياً للقمع.

المنتدى، في مجمله، رسم صورة لبلد يعيش حرباً على جبهتين: حرباً عسكرية في العلن، وأخرى خفية على الحقيقة والذاكرة والاتصال. وبينما يبقى الإنترنت مقطوعاً وتتسع دوائر الخوف، يتعاظم السؤال الذي طُرح في ختام النقاش: من يملك الحق في رواية ما يجري داخل إيران، ومن يدفع الثمن حين تُترك الحقيقة في الظلام؟

شارك